تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (7)
الخميس 29/يناير/2026 - 06:25 م
طباعة
حسام الحداد
يستعرض الدكتور عبد الرحيم علي في هذا المقال تقريراً تحليلياً حول الآليات المالية المعقدة التي يعتمد عليها تنظيم الإخوان المسلمين في فرنسا لبناء نفوذ مستدام وتأسيس "مجتمع موازٍ". يوضح المصدر أن التمويل يتجاوز كونه وسيلة دعم ليصبح شرياناً استراتيجياً يغذي شبكة واسعة من المدارس والمساجد والمؤسسات الوقفية مثل "الوقف فرانس". تبرز المادة تنوع الموارد بين مساهمات الأعضاء الذاتية والاستثمارات السياسية الخارجية، مما يمنح التنظيم مرونة عالية وقدرة على التغلغل بعيداً عن الرقابة الدقيقة. كما يكشف النص عن أبعاد استخباراتية وقانونية تتعلق بملاحقة قيادات بارزة بتهم تمويل غير مشروع، مؤكداً أن الهدف النهائي هو صياغة الهوية الإسلامية في أوروبا ضمن مشروع سياسي طويل الأمد. تركز الرؤية المطروحة على أن القوة المالية هي المحرك الأساسي الذي يحول الأيديولوجيا إلى مؤسسات قادرة على اختراق المجتمع المدني وتشكيل الأجيال الصاعدة.
المال والوقف وتمويل النفوذ… حين تتحوّل التبرعات إلى ماكينة للتنظيم
إذا كان التعليم يصنع «العقل»، والعمل الاجتماعي يصنع «البيئة»، فإن التمويل هو الذي يصنع القدرة على الاستمرار.
وهنا تحديدًا، يقدّم التقرير قراءةً بالغة الأهمية: الإخوان في فرنسا لا يتحرّكون كتيارٍ دعويٍّ عابر، بل كـ منظومة مالية تعرف جيدًا أن النفوذ لا يُبنى بالخُطب وحدها، وإنما يُبنى بمن يملك:
• شراء العقارات
• بناء المساجد
• تأسيس المدارس
• تمويل الجمعيات
• إدارة الموارد البشرية
• صناعة أذرع إعلامية وتنظيمية
فالمال عند التنظيم ليس «وسيلة مساعدة»، بل هو شرطٌ للوجود، والتمدّد، والاستمرار، والتأثير، والتوغّل، والاستحواذ.
1) لماذا التمويل هو الخطر الأكبر؟
يقول التقرير بوضوح إن الإخوان هم الحركة الإسلامية الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في فرنسا، ليس فقط بسبب قدراتهم التعبوية، بل لأنهم يمتلكون — مقارنةً بغيرهم — موارد مادية وفكرية تجعلهم الأخطر على المدى الطويل.
والسبب بسيط:
السلفي ينتشر بسرعة، لكنه غالبًا منتشر أفرادًا وجزرًا محلية.
أمّا الإخوان، فيبنون شبكة هياكل: مدارس، معاهد، جمعيات، مؤتمرات، تدريب أئمة، خدمات… وهذه الهياكل تحتاج ميزانيات منتظمة.
وهنا يصبح التمويل هو «الشريان» الذي يُغذّي الجسد كله.
2) صعوبة التقدير…
يشير التقرير إلى أن تقدير موارد الإخوان المالية في فرنسا صعب، لأن بنية التمويل عندهم تقوم على:
• تداخل الجمعيات والواجهات
• تعدّد مصادر الدخل
• التمويل الذاتي المحلي
• التبرعات الخارجية
• اقتصاد ديني واسع (الأكل حلال / مواسم الحج والعمرة / المؤتمرات)
هذه الضبابية، كما يلمّح التقرير، تمنح التنظيم ميزةً ضخمة:
المرونة المالية مع تقليل القدرة على المراقبة الدقيقة.
3) واجهة التنظيم وبوابة المال:
يعتمد التقرير على مثالٍ مركزي هو «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا» الذي تحوّل لاحقًا إلى اسمٍ جديد: «مسلمو فرنسا».
ويقدّم التقرير رقمًا دالًا من شهادة رئيس سابق للتنظيم:
إن ميزانية تشغيل الإدارة المركزية للاتحاد قُدّرت بحوالي 1.5 مليون يورو، لِـ 11 موظفًا، وحوالي مئة متطوّع.
ثم هناك ميزانية أخرى ضخمة مرتبطة بفعالية التنظيم: التجمّع السنوي في لو بورجي، والذي تصل ميزانيته إلى نحو 3 ملايين يورو.
ويُضاف إلى ذلك تمويل المساجد التابعة للشبكة، والمدارس، والمؤتمرات الدورية، والتحرّكات، والعلاقات.
وبذلك يُقدّر التقرير أن المصروفات الإجمالية للاتحاد فقط تقترب من 5 ملايين يورو سنويًا.
هذه ليست أرقام جمعية صغيرة… بل أرقام مؤسسة نفوذ.
4) التمويل الذاتي…
يلفت التقرير النظر إلى أن التنظيم يعتمد على تمويل داخلي ثابت يقوم على عدة ركائز:
1. مساهمات الأعضاء: يذكر التقرير أن التمويل يتم عبر مساهمات تتراوح بين 2.5% و10% من دخل العضو.
2. إيرادات الأنشطة: من فعاليات، اشتراكات، خدمات مختلفة.
3. اقتصاد المسجد: بما فيه من تبرعات موسمية ودورية.
هذه الركائز تجعل التنظيم أقل اعتمادًا على التمويل الخارجي وحده، وأكثر قدرة على الصمود والتمدّد.
5) الدعم الخارجي… حين تصبح التبرعات سياسة:
يذكر التقرير أن جزءًا معتبرًا من التمويل يأتي من دول خليجية ومنظمات قريبة من دول بعينها.
ويُقدّر أن نسبة التمويل قد تكون تقريبًا:
• 60% من الإيرادات الذاتية
• 40% من تبرعات خارجية
والخطورة هنا لا تتعلّق بالمال نفسه، بل بمعنى المال:
المال الخارجي ليس دائمًا «تبرعًا بريئًا»… بل هو دائمًا استثمارًا سياسيًا ناعمًا في تشكيل الإسلام السياسي داخل فرنسا.
فكل يورو يتّجه إلى مدرسة أو معهد أو مسجد أو جمعية، يصنع تأثيرًا مباشرًا على الهوية، والخطاب، والانتماء.
6) الوقف…
واحدة من أخطر النقاط التي يُبرزها التقرير هي تأسيس الإخوان لكيانٍ وقفي: «الوقف فرانس».
الفكرة في منتهى الذكاء التنظيمي:
بدل الاعتماد الدائم على تبرعات متقلّبة، يتم إنشاء بنية وقفية تستقبل الأموال، وتستثمرها، ثم تُوزّع أرباح الإدارة على مؤسسات تخدم مشروع التنظيم، وعلى رأسها:
• المدارس
• التدريب الديني
• المؤسسات المساعدة للشبكة
ويشير التقرير إلى توقّعات بوصول ممتلكات الوقف إلى نحو 11 مليون يورو خلال 20 سنة.
هذا يعني أننا لسنا أمام حركة دعوية تتعامل بمنطق اليوم بيومه، بل أمام مؤسسة تُخطّط لجيلين أو ثلاثة.
7) بنك التقوى…
يذهب التقرير إلى نقطة أخطر، مرتبطة بالتمويل الدولي لشبكات الإخوان، عبر الحديث عن بنك التقوى الذي تأسّس عام 1988، ونشاطه في عشرات الدول، ودوره في جمع الأموال وتوجيهها إلى شبكات مرتبطة بالإخوان في أوروبا.
ويذكر التقرير شخصيات بارزة مرتبطة بهذا المسار المالي، وأن تحقيقات غربية ربطت البنك — تاريخيًا — بشبهات دعم شبكة التنظيم الدولي الإخوان حول العالم.
وتأتي أهمية هذه الفقرة ليس فقط في «القصة»، بل في الدرس:
التنظيم في أوروبا يتحرّك ضمن اقتصاد عابر للحدود، ولو تحت صيغ مختلفة.
😎 وثيقة «المشروع»… التمويل كجزء من استراتيجية اختراق:
يروي التقرير واقعة لافتة تتحدّث عن: العثور على وثيقة داخل سياق تحقيقات مرتبطة ببنك التقوى، سُمّيت «المشروع»، وتُعرض فيها رؤية الإخوان في أوروبا حول:
• الاختراق
• الدعوة
• بناء النفوذ
• المشاركة السياسية
• التأثير في المجتمع المدني
• تجنّب الاندماج في القيم التي يرونها «كافرة»
وهنا تتّضح الفكرة المركزية:
التمويل ليس عنصرًا منفصلًا عن السياسة… بل جزء من استراتيجية واحدة.
9) المال يصنع المؤسسات… والمؤسسات تصنع الأجيال
أخطر ما في التمويل الإخواني — كما نقرأ من التقرير — أنه يتحوّل مباشرة إلى مؤسسات لها أثر يومي:
• مدارس تربية دينية
• معاهد لتكوين الأئمة
• جمعيات للمرأة والشباب والطلاب
• منصّات خطابية وإعلامية
• نشاطات جماهيرية ضخمة
وبذلك يصبح المال أداة لتأسيس ما يمكن تسميته:
بنية تحتية أيديولوجية
إنها «مدن داخل المدينة»، لكنها ليست مباني فقط، بل شبكة خدمات، وانتماء، وتعبئة.
10) لماذا تنجح ماكينة المال؟
يقدّم التقرير — ضمنيًا — ثلاثة أسباب لنجاحها:
1. العمل تحت غطاء قانوني ومدني يجعل التمويل يبدو طبيعيًا.
2. الاستثمار في الطفولة والشباب لضمان العائد الطويل.
3. الربط بين الدين، والهوية، والمظلومية لإبقاء التبرّع متدفّقًا.
فالتمويل هنا لا يشتغل كاقتصاد تقليدي، بل كاقتصاد «إيمان»، حيث يدفع المتبرّع لأنه يشعر أنه يدفع دفاعًا عن هويته ووجوده.
وأخيرًا يوضّح التقرير أن اختراق الإخوان لفرنسا لا يقوم على الدعاية وحدها، بل على هندسة مالية دقيقة:
من التبرعات إلى الوقف، ومن الملتقيات الجماهيرية إلى المدارس، ومن التمويل الذاتي إلى الدعم الخارجي… لتكوين منظومة تستطيع أن تستمر سنوات طويلة، وتعيد إنتاج نفسها بهدوء.
فحين يصبح المال قادرًا على صناعة مؤسسات، تصبح المؤسسات قادرة على صناعة مجتمع داخل المجتمع…
وهنا تُفهم خطورة تنظيم الإخوان في فرنسا بوصفه مشروعًا طويل النفس، لا موجةً عابرة.
ويظل أهم ما كشف عنه التقرير السري، الذي لم يُنشر بعد، هو الجزء الاستخباراتي المتعلّق بمتابعة عدد من قياديي الإخوان من قبل مصالح وزارة الداخلية والضرائب بسبب تلقيهم تمويلات غير مشروعة، وهم:
1- السيد عمار لاصفر - رئيس مسلمي فرنسا
2- السيد محسن نغازو - نائب الرئيس المكلّف بالإصلاح
3- السيد عكاشة بن أحمد - أمين عام
4- السيد سليم قوجيل - أمين الصندوق
5- السيد ناصر كحول - نائب الأمين العام المكلّف بالفعاليات
6- السيد الحاج تهامي بريز - عضو المكتب الوطني للعلاقات العامة
7- السيد مراد جبلي - عضو المكتب الوطني المكلّف بالتربية
8- السيدة هالة الخمسي - عضو المكتب الوطني المسؤولة عن التعريفبالإسلام
9- السيد مختار سيريقات - عضو المكتب الوطني المكلّف بالتعليم
10- السيدة كاميليا سرحان - عضو المكتب الوطني المكلّفة بالأسرة
11- السيد كريم منهوج - عضو المكتب الوطني المكلّف بالمناظراتالاجتماعية
12- السيد قطبي عبد الكبير - مكلّف بالمهام: الوفود
13- السيدة مريم بركان - مكلّفة بالمهام: التنشئة الدينية
14- السيد أنس الصغروني - مدير بالمهمات: الشباب
15- بشير بوخزر - المندوب الإقليمي - بريتاني باي دو لا لوار
16- سحنون كراد - المندوب الإقليمي - أوكسيتاني
17- جمال زكري - المندوب الإقليمي - بروفانس ألب كوت دازور
18- مروان البخور - مندوب إقليمي - أكيتاين ليموزين و بواتو شارانت
19- بشار الصعيدي - المندوب الإقليمي - نورماندي السفلى ونورمانديالعليا
20- أنور العلمي - مندوب إقليمي - بورجون و فرانش كومتيه
21- هيثم هزاز - المندوب الإقليمي - أوفيرني و رون ألب
22- الحاج تهامي بريز - المندوب الإقليمي - إيل دو فرانس.
وغدًا نواصل:
العمل السياسي وحرب التمثيل… كيف يستغل الإخوان الديمقراطية ضد الدولة؟ وكيف يحوّلون المشاركة المدنية إلى «كتلة انتخابية» لخدمة المشروع؟
