بروباجندا المظلومية: كيف يوظف "داعش" آلام الأسرى لتجنيد الانتحاريين؟
الجمعة 30/يناير/2026 - 01:09 ص
طباعة
حسام الحداد
تحمل هذه الافتتاحية من صحيفة "النبأ" العدد (532)، المنبر الإعلامي الرسمي لتنظيم "داعش"، المنشورة مساء الخميس 29 يناير 2026. دلالات سياسية وأيديولوجية هامة، تعكس محاولة التنظيم إعادة التموضع في المشهد السوري المعقد، خاصة مع التغيرات الميدانية المفترضة في شرق الفرات ومناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" (التي يصفها المقال بصيدنايا الجولاني). كما يأتي هذا الإصدار في سياق زمني شديد التعقيد، حيث يحاول التنظيم استعادة المبادرة الإعلامية والميدانية عبر استغلال ملفات إنسانية شائكة، وعلى رأسها قضية مخيم "الهول" في شرق الفرات، موظفاً لغة عاطفية وعقدية حادة تهدف إلى إعادة ترتيب أولويات الصراع في الساحة السورية والمنطقة.
وتكتسب هذه الافتتاحية خطورتها من كونها لا تكتفي بالتحليل الإخباري، بل ترسم خارطة طريق "تحريضية" تستهدف تفكيك البنى العسكرية والسياسية لخصوم التنظيم، من خلال سردية "المظلومية" و"التخوين الشامل". ويبدو من خلال مراجعة محتوى العدد أن التنظيم يسعى لخلق حالة من الاستقطاب الحاد، مستفيداً من لحظات "السيولة الميدانية" وتغير موازين القوى في الشمال والشرق السوري، لتحويل المعاناة الإنسانية إلى وقود لجولة جديدة من العنف العابر للحدود.
دلالات اختيار التوقيت (يناير 2026)
يأتي اختيار هذا التوقيت بالتزامن مع التقارير التي تشير إلى تغيرات جذرية في خريطة السيطرة بشرق الفرات، حيث يسعى التنظيم من خلال هذا الخطاب إلى ممارسة "التخريب الاستراتيجي" لأي محاولة استقرار قد تنشأ عن انتقال الملفات من الإدارة الكردية إلى الحكومة السورية أو "هيئة تحرير الشام". إن توقيت الافتتاحية يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن "العدو واحد وإن اختلفت الرايات"، وهي محاولة استباقية لقطع الطريق على أي قبول شعبي أو عشائري للجهات القادمة للحكم، من خلال تصويرهم كـ "وكلاء أمنيين" يكملون مهمة من سبقهم في حصار المخيمات، مما يضمن بقاء حالة السخط الشعبي مشتعلة ويمنع أي تهدئة ميدانية قد تضيق الخناق على خلايا التنظيم.
في الوقت الذي يبذل فيه "أبو محمد الجولاني" جهوداً حثيثة لتقديم نفسه كشريك "معتدل" قادر على ضبط الأمن ومكافحة الإرهاب لكسب اعتراف دولي، يأتي توقيت هذا الإصدار لنسف هذه السردية من جذورها. فمن خلال تسليط الضوء على ممارسات جنده في محيط "الهول" ووصفهم بـ "شبيحة النظام الجديد"، يضرب التنظيم "الوتر الحساس" لدى القواعد المقاتلة داخل الهيئة، محاولاً إحراجها شرعياً أمام عناصرها الذين قد يرفضون لعب دور "حارس السجون" تحت إشراف دولي. هذا التوقيت يهدف بالدرجة الأولى إلى تحفيز موجات انشقاق داخل صفوف الهيئة، واستقطاب العناصر الأكثر راديكالية الذين يرون في هذه التحولات "ردة" عن مبادئهم، مما يعيد تدوير العناصر المتطرفة لصالح داعش مجدداً.
يعتمد التنظيم استراتيجية "التحريض الموسمي"، حيث اختار شهر يناير بعناية لاستغلال ذروة المعاناة الإنسانية التي يعيشها سكان مخيم الهول تحت وطأة البرد ونقص الإمدادات. إن توقيت الخطاب في هذا الظرف المناخي القاسي يحول الكلمات من مجرد تحليل سياسي إلى "صرخة استنهاض" عاطفية، تهدف إلى إثارة كوامن الغضب لدى الشباب المسلم ومجتمع العشائر عبر تصوير النساء والأطفال كضحايا لـ "تحالف كافر" يمنع عنهم سبل النجاة. هذا الربط بين قسوة المناخ وقسوة "السجان الجديد" يرفع من كفاءة الرسالة التحريضية، ويجعل من فكرة "العمليات الانتحارية" أو "الانتقامية" تبدو في نظر المستهدفين بالخطاب كفعل "بطولي" لرفع الظلم، مما يحول المأساة الإنسانية الشتوية إلى وقود لعمليات إرهابية جديدة.
الخطاب الأيديولوجي: "تكفير الجميع"
تتبنى الافتتاحية عقيدة "المفاصلة" التي لا تقبل أنصاف الحلول، حيث تعمد إلى إلغاء أي شرعية قانونية، سياسية، أو دينية لجميع القوى الفاعلة على الساحة السورية دون استثناء. هذا الخطاب لا يرى في شرق الفرات أو إدلب مناطق "محررة" أو "مدارة"، بل يراها ساحات صراع بين كتل "كفرية" تتنافس على خدمة المشاريع الخارجية. من خلال هذه الرؤية الصفرية، يسعى التنظيم إلى تنصيب نفسه الجهة الوحيدة التي تمثل "معسكر الإيمان"، محاولاً حشر المتلقي في زاوية ضيقة: إما القبول بمنظومة التنظيم، أو السقوط في فخ "الردة والعمالة" التي يوصم بها الآخرون، مما يلغي أي مساحة للعمل السياسي أو التوافق الوطني.
لا تعد المصطلحات المستخدمة في المقال (مثل: مرتدة، رافضية، شيوعية، صليبية) مجرد شتائم سياسية، بل هي "أحكام شرعية" بمفهوم التنظيم، يتم حشدها لبناء أساس فقهي يستبيح دماء وأموال هذه الأطراف. فبمجرد وسم الحكومة السورية بـ "المرتدة" والعراقية بـ "الرافضية" والإدارة الكردية بـ "الشيوعية"، ينتقل الصراع من خلاف على السلطة إلى "جهاد دفع" ضد كيانات مارقة عن الدين. هذا التصنيف يهدف إلى تحويل "الجندي" أو "الموظف" في تلك الإدارات إلى هدف مشروع للقتل، مما يسهل على التنظيم تبرير عملياته الإرهابية أمام أتباعه بصفتها "واجبات دينية" مقدسة لتطهير الأرض من "أرجاس الكفر".
يبذل التنظيم جهداً فائقاً في "نزع الصفة الثورية" عن فصائل المعارضة، وبشكل أخص "هيئة تحرير الشام"، عبر تصويرهم كنسخة "مشوهة" و"محدثة" من نظام الأسد. المقال يسعى بذكاء إلى كسر الهالة الرمزية لـ "الثورة" من خلال مقارنة سجون الجولاني بسجن صيدنايا السيئ السمعة، ليقول للحاضنة الشعبية إن الثورة التي ضحيتم من أجلها قد سُرقت وحُولت إلى أداة قمعية جديدة لا تختلف عن سابقتها إلا في اللحى والشعارات. هذه الشيطنة تهدف إلى خلق حالة من الاغتراب واليأس لدى الحاضنة الشعبية، ودفعها للكفر بكل المشاريع القائمة، تمهيداً لإقناعها بأن "التطرف" هو الحل الوحيد المتبقي لمواجهة هذا "الظلم المركب".
توظيف قضية "مخيم الهول" واستراتيجية المظلومية
يعتمد التنظيم في افتتاحيته على تحويل "مخيم الهول" من مجرد أزمة إنسانية أو جغرافية محدودة إلى "قضية مركزية" تختزل مظلومية الأمة في مخيال أتباعه. إن التركيز المكثف على المخيم يهدف إلى خلق "نقطة ارتكاز" عاطفية قادرة على توحيد الصفوف المشتتة؛ حيث يتم تصوير المخيم كأرضٍ للملحمة وسجنٍ كبير للمقدسات. هذا التوظيف الرمزي يسعى لنقل المعركة من سياقها العسكري الميداني الذي خسره التنظيم، إلى سياق "الحرب الوجودية" التي تُستثار فيها المشاعر النبيلة لدى الشباب -كالغيرة على النساء- لتتحول لاحقاً إلى طاقة تدميرية تخدم أجندة التنظيم في التجنيد والتحريض.
يستخدم المقال لغة مشحونة بمصطلحات "الحرائر"، "الأعراض"، و"الأهوال"، وهي مفردات منتقاة بعناية لضرب الأوتار النفسية العميقة لدى الشباب المسلم، خاصة أولئك الذين يعانون من شعور بالذنب أو العجز تجاه قضايا المنطقة. هذا "الدغدغة العاطفية" ليست مجرد رثاء، بل هي استراتيجية دفع منهجي نحو "العمليات الانتحارية" و"الذئاب المنفردة"؛ حيث يوهم التنظيم الشاب المتلقي بأن الطريق الوحيد "لتطهير شرفه" ونصرة هؤلاء المستضعفين يمر عبر الانتقام من "الطواغيت" الذين يحرسون أسوار المخيم. وبذلك، يتحول المخيم في الخطاب الدعائي من عبء بشري إلى "مصنع للمنتحرين" وقوة ضاربة يتم التحكم بها عن بُعد.
يمارس التنظيم في هذا الجزء من الافتتاحية نوعاً من "الإسقاط النفسي" والمزايدة الأخلاقية الفجة؛ حيث يتهم كافة الأطراف الدولية والمحلية بالمتاجرة بآلام سكان المخيم واتخاذهم أوراق ضغط سياسية، بينما ينصب نفسه "المدافع الأوحد" والفارس المنقذ. والمفارقة الصارخة هنا تكمن في تعمد التنظيم تغييب الحقيقة التاريخية الكبرى: وهي أن سياساته المتطرفة وقراراته العسكرية الانتحارية هي التي ساقت هؤلاء النساء والأطفال إلى هذا المصير المأساوي. إن التنظيم يحاول غسل يديه من دماء ومعاناة سكان "الهول" عبر تحويل الجلاد الأصلي إلى "محامي دفاع"، مستغلاً تعقيدات الملف الإنساني وفشل خصومه في إيجاد حلول جذرية له ليثبّت سرديته كخيار وحيد وأخير.
تفكيك "العقيدة العسكرية" للخصوم
يسعى المقال بجهد حثيث إلى نزع "الصبغة الإسلامية" عن المقاتلين التابعين لـ "هيئة تحرير الشام"، من خلال محاولة إقناع القارئ بأن هذا الجيش لم يعد سوى "أداة وظيفية" تتبع العقيدة العسكرية العلمانية الغربية. ويستخدم التنظيم في ذلك أسلوباً دعائياً يعتمد على القياس مع الجيوش العربية النظامية، مدعياً أن تدريباتهم لم تعد تهدف لبناء "مجاهد" بل لصناعة "جندي مبرمج" منزوع القيم. إن الربط بين "جيش الجولاني" والمناهج العسكرية الغربية يهدف إلى خلق صورة نمطية في ذهن المتلقي مفادها أن هذا الجيش قد فقد هويته الأصلية، وتحول إلى مجرد "شركة أمنية" تحمي مصالح القوى الكبرى تحت ستار شعارات الثورة.
في واحدة من أخطر زوايا المقال، يلجأ التنظيم إلى استخدام روايات صادمة ومضللة حول طرق تدريب جنود "النظام الجديد"، مثل الادعاء بإجبارهم على "سب الذات الإلهية" كجزء من دوراتهم المتقدمة لكسر أي نزعة دينية أو خلقية لديهم. هذا التوظيف يهدف إلى تصوير "هيئة تحرير الشام" كمصنع لإنتاج "مسوخ بشرية" خالية من المروءة، قادرة على قتل زملائها بدم بارد إذا ما حاولوا "نصرة المسلمات". إن الهدف من هذه السردية ليس فقط تشويه صورة القيادة، بل إشاعة الرعب والاشمئزاز لدى الحاضنة الشعبية من "الجندي" نفسه، وتصويره ككائن متحلل من كل قيمة إنسانية أو شرعية، مما يمهد الطريق لاستباحة دمه دون تردد.
لا يستهدف هذا التحليل "العسكري" لخصوم التنظيم الرأي العام فحسب، بل هو موجه بالدرجة الأولى إلى "قلب الجيش" التابع للجولاني؛ حيث يسعى التنظيم من خلال إثارة قضايا "الكفر البواح" و"تبعية الوزارات الأمنية" إلى زرع بذور الشك والفتنة بين المقاتلين وقياداتهم. التنظيم يدرك أن "هيئة تحرير الشام" تضم عناصر تتبنى فكراً متشدداً، لذا هو يراهن على إحداث "هزة ضميرية" لدى هؤلاء المقاتلين، وإيهامهم بأن بقاءهم في هذه المنظومة يجعلهم شركاء في "حماية معابد الرافضة" و"قنص الأطفال والنساء". هذه الاستراتيجية تهدف إلى إضعاف الهيكل العسكري للخصم من الداخل، وتشجيع موجات انشقاق تؤدي في النهاية إلى تفتيت هذه القوة وتحويل ولائها نحو فكر التنظيم الأكثر "نقاءً" من وجهة نظره.
البعد السياسي والرسائل المبطنة
يسعى التنظيم من خلال هذا الخطاب إلى ترسيخ سردية "المؤامرة الكونية" التي تستهدفه، مصوراً التنسيق الأمني حول ملف مخيم الهول كحلف غير مقدس يجمع الأضداد (أمريكا، إيران، النظام السوري، وتركيا عبر وكلائها). هذه الرسالة المبطنة تهدف إلى إيهام القاعدة الجهادية بأن التنظيم هو الرقم الصعب الذي أجبر القوى المتناقضة على التنازل عن خلافاتها والاصطفاف خلف "أجندة صليبية" واحدة. من خلال هذه الشيطنة، يحاول التنظيم عزل أي قوى محلية تحاول التفاهم مع المجتمع الدولي، واصفاً إياها بأنها مجرد "أدوات وظيفية" في منظومة دولية لا ترحم المستضعفين، مما يغلق الباب أمام أي حلول سياسية وسطى في المنطقة.
تستهدف الافتتاحية بشكل مباشر لحظة "السيولة الميدانية" الناتجة عن انتقال السيطرة في شرق الفرات (حسب سياق عام 2026)، حيث يرى التنظيم في كل تغير في جهات الحكم فرصة ذهبية للاختراق. إنه يحاول استباق استقرار "النظام الجديد" (سواء كان هيئة تحرير الشام أو غيرها) عبر بث حالة من التشكيك الشعبي، وتصوير القادمين الجدد على أنهم "قوة احتلال" بديلة لا تختلف عن سابقاتها. هذا الاستغلال للتوترات الميدانية يهدف إلى منع نشوء أي علاقة ثقة بين السكان والسلطات الجديدة، مما يحول مناطق شرق الفرات إلى "بيئة قلقة" يسهل فيها تجنيد الساخطين وتحويلهم إلى خلايا تعمل ضد استقرار المنطقة.
تتضمن الافتتاحية رسائل مشفرة وحادة موجهة للقوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، من خلال الهجوم على الفصائل المدعومة منها وتصويرها كحارس لسجون النساء والأطفال. يسعى التنظيم من خلال هذا الابتزاز الأخلاقي إلى إحراج هذه القوى أمام جمهورها المحافظ، عبر تصوير التدخلات السياسية والعسكرية في سوريا كفعل يصب في مصلحة "النظام الرافضي" و"الصليبيين". إن الهدف النهائي من هذه الرسائل المبطنة هو ضرب العمق الاستراتيجي لخصومه، وتحويل ملف مخيم الهول من ملف أمني إلى "كرة نار" سياسية تحرق يد كل من يحاول الاقتراب منها أو إدارتها بعيداً عن شروط التنظيم المتطرفة.
نقد الأسلوب الدعائي
يبرز في هذه الافتتاحية تناقض صارخ يكشف زيف الادعاءات الأخلاقية للتنظيم؛ فهو ينصب نفسه قاضياً وجلاداً ينتقد "سجون الجولاني" و"إجرام النظام"، متجاهلاً بصلفٍ تاريخه الأسود الذي جعل من "المسالخ البشرية" علامة مسجلة باسمه. إن هذا الخطاب يعتمد على صناعة "ذاكرة انتقائية" للمتلقي، حيث يحاول غسل جرائم التنظيم السابقة (من حرق وقتل وسبا) خلف ستار من اللغة العاطفية عالية النبرة حول "حقوق الأسرى". هذا التناقض ليس مجرد سقطة منطقية، بل هو تكتيك دعائي يهدف إلى استبدال صورة "داعش الجاني" بصورة "داعش المخلص"، مستغلاً قصر ذاكرة الأحداث السياسية وضجيج المعاناة الحالية لتمرير سرديته الجديدة.
يعتمد الأسلوب الدعائي في المقال على توظيف درامي للمفردات يهدف إلى إلغاء التفكير المنطقي واستبداله بـ "انفعال وجودي". فاستخدام عبارات مثل "دموع التماسيح"، "المسوخ البشرية"، و"المؤسسات العوراء" يهدف إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد التي لا تسمح للمتلقي بالوقوف في منطقة وسطى. إنها "بروباغندا" تعتمد على شيطنة الآخر بشكل مطلق وتنزيه الذات بشكل مقدس، وهي آلية نفسية تهدف إلى بناء "حصانة ذهنية" لدى الأتباع تمنعهم من رؤية الحقائق أو مقارنة سلوك التنظيم بسلوك خصومه، مما يجعل من المقال أداة لغسيل الأدمغة أكثر من كونه مادة إخبارية أو تحليلية.
تتجلى الغاية النهائية لافتتاحية "النبأ" في خاتمتها التي تنتقل من التنظير إلى التحريض المباشر على القتل والعمل المسلح. فدعوة الشباب إلى "الموت على عتبات السجون" ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي "أمر عملياتي" صريح ومغلف بلبوس ديني يقدس الانتحار بذريعة "الذود عن الحرمات". هذا الأسلوب يؤكد أن المقال برمته ليس تحليلاً سياسياً للواقع السوري، بل هو "منشور تجنيدي" بامتياز، صُمم ليكون صاعق تفجير يحرك "الذئاب المنفردة" والخلايا النائمة. إن التنظيم هنا لا يريد إقناع القارئ بصحة موقفه السياسي، بل يريد دفعه إلى الميدان كأداة للموت، محولاً الكلمات إلى رصاص يستهدف استقرار المنطقة ككل.
أثر افتتاحية "النبأ" على تنامي الإرهاب
تُعد هذه الافتتاحية بمثابة "خارطة طريق عملياتية" مغلفة بلبوس ديني، وخطورتها تكمن في قدرتها على تحريك الخلايا النائمة والمستقطبين الجدد من خلال المسارات التالية:
الأثر المحلي
من خلال تكفير "هيئة تحرير الشام" ووصف جنودها بـ "الشبيحة"، يشرعن التنظيم لجنوده تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات داخل مناطق المعارضة، مما يزعزع الاستقرار الهش وينهك القوى المحلية في صراعات جانبية المستفيد الأول منها هو الفوضى.
وعبر التركيز على "معاناة النساء والأطفال" في مخيم الهول، يحاول التنظيم إحراج العشائر والقوى المحلية، ودفع الشباب المندفع للانضمام إليه تحت مسمى "النخوة" أو "الثأر للحرائر"، مما يضمن له تدفقاً مستمراً من المقاتلين المحليين.
الأثر الإقليمي
تصوير الحكومات (العراقية، السورية) بأنها أدوات "صليبية" يهدف إلى ضرب الثقة في مؤسسات الدولة في دول الجوار، مما يحفز الخلايا المرتبطة بالتنظيم في العراق والأردن ولبنان على التحرك لـ "نصرة إخوانهم" في الشام.
وكذلك الهجوم على "الشيعة" (الرافضة كما يسميهم) و"الدروز" و"النصارى" يهدف إلى إثارة صراعات طائفية في المنطقة ككل، مما يجعل ملف الإرهاب يتجاوز الحدود السورية ليصبح وقوداً لحروب أهلية إقليمية.
الأثر الدولي
هذه الافتتاحية ليست موجهة فقط لمن هم في الميدان، بل هي رسالة "استنهاض" للمتطرفين في الغرب. تصوير مخيم الهول كـ "مظلمة عالمية" بمباركة دولية يعطي المبرر للمتطرفين في أوروبا وأمريكا لتنفيذ هجمات انتقامية ضد مدنيين تحت دعوى "الرد على جرائم حكوماتهم".
وعندما يصم التنظيم المنظمات الإنسانية بـ "الأعورية" والتبعية للكفر، فإنه يضع هذه المنظمات وموظفيها تحت مقصلة الاستهداف، مما يؤدي لانسحابها وتفاقم الوضع الإنساني، وهو ما يخلق "دائرة مفرغة" من الجوع والجهل تعتبر التربة الخصبة لنمو التطرف.
خاتمة
في الختام، يكشف تحليل افتتاحية "النبأ" (532) أن تنظيم "داعش" قد انتقل من مرحلة "إدارة التمكين" إلى مرحلة "إدارة التوحش عبر المظلومية". إن تركيزه على مخيم الهول ليس نابعاً من حرص إنساني، بل هو محاولة بائسة لغسل تاريخه الإجرامي عبر تصدير صورة "المخلص" لمجتمع الأسرى والنازحين. هذا الخطاب يمثل "فخاً عاطفياً" صُمم بعناية لاصطياد الشباب المحبط من مآلات الصراع، وتحويل يأسهم إلى طاقة تدميرية تستهدف كل ما هو قائم، مما يجعل من التصدي لهذه السردية ضرورة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية الميدانية.
إن مواجهة هذا التحريض تتطلب وعياً شاملاً يتجاوز الحلول الأمنية؛ فالغرض النهائي للتنظيم هو تحويل المنطقة إلى "بيئة طاردة للاستقرار" عبر ضرب الثقة بين الناس وأي سلطة تدير شؤونهم. لذا، فإن نزع فتيل "ملف الهول" وتفنيد ادعاءات التنظيم حول "العقيدة العسكرية" لخصومه يمثل حجر الزاوية في إجهاض مشروع "العودة عبر الفوضى"، وضمان عدم انزلاق المنطقة مجدداً نحو دوامات التكفير والتفجير التي اقتات عليها التنظيم لسنوات طويلة.
