إفريقيا كمركز ثقل جديد في استراتيجية "داعش" 2026.

الجمعة 06/فبراير/2026 - 03:01 ص
طباعة إفريقيا كمركز ثقل حسام الحداد
 
في عددها الصادر مساء الخميس، الخامس من فبراير 2026، وضعت صحيفة "النبأ" (العدد 533) – اللسان الناطق باسم تنظيم "داعش" – العالم أمام مشهد جيوسياسي 
جديد، متجاوزةً لغة الأرقام الميدانية إلى صياغة استراتيجية مغايرة تضع القارة السمراء على "ذروة سنام" مشروعها. الافتتاحية التي جاءت تحت صدى "غزوة نيامي" الأخيرة، لم تكن مجرد إعلان نصر عسكري في العاصمة النيجرية، بل كانت بمثابة "بيان سياسي وعقائدي" يعيد رسم خارطة النفوذ، معلنةً انتقال ثقل التنظيم من حوض المتوسط والشرق الأوسط إلى أدغال الساحل الإفريقي.
بلهجة حادة لم تخلُ من "التقريع" الصادم، فجّرت الافتتاحية مفاجأة إيديولوجية عبر تبني خطاب "الاستبدال"، موجهةً سهام نقدها اللاذع لمن أسمتهم "أبناء العرب الأقحاح" الذين اتهمتهم بالقعود والتثاقل، في مقابل الاحتفاء بـ"المقاتل الأعجمي" الذي بات يقود ملاحم العصر. هذا التحول في الخطاب يكشف عن أزمة تجنيد مكتومة في الحواضن التقليدية، ويقدم في الوقت ذاته قراءة استعلائية للصراع الدائر مع القوى الدولية في إفريقيا، وفي مقدمتها النفوذ الروسي الصاعد، مما يجعل من هذا العدد وثيقةً محورية لفهم مستقبل التنظيم في بيئته الجديدة.

الاستراتيجية العسكرية: من الأطراف إلى "قلب العواصم"
يمثل التركيز على "غزوة نيامي" في خطاب التنظيم إعلاناً رسمياً عن تغيير التكتيكات العسكرية في القارة الإفريقية، فبعد سنوات من الانحصار في المناطق الهامشية، والمساحات الصحراوية النائية، والمناطق الحدودية الثلاث (النيجر، مالي، وبوركينا فاسو)، ينتقل التنظيم إلى استراتيجية "ضرب الرأس". إن استهداف العاصمة ليس مجرد توسع جغرافي، بل هو محاولة لكسر الصورة النمطية التي طالما روجت لها الحكومات المحلية والمحللون الدوليون بأن التنظيم مجرد "تمرد ريفي" معزول. هذا التحول يهدف إلى خلق حالة من الرعب النفسي لدى سكان المدن الكبرى، وإرسال رسالة مفادها أن النطاقات الأمنية المحصنة لم تعد بمنأى عن وصول "المفارز الأمنية" و"كتائب الاقتحام".
من الناحية العسكرية التقنية، يركز التحليل على اختيار "المطار" و"القاعدة الجوية" كأهداف استراتيجية، وهو اختيار يحمل دلالات عملياتية كبرى. فالمطار يمثل "عصب القوة الجوية" الذي تعتمد عليه دول الساحل وحلفاؤها لمواجهة تحركات التنظيم في الصحراء الشاسعة. من خلال ضرب هذا المرفق الحيوي في قلب العاصمة، يسعى التنظيم إلى شلّ القدرة على الاستجابة السريعة وإثبات هشاشة المنظومة الدفاعية لأكثر المواقع حيوية. هذا الفعل العسكري يهدف بالدرجة الأولى إلى إظهار الدولة بمظهر "العاجز" الذي لا يستطيع حماية سيادته في أهم مفاصله العسكرية، مما يقوض الثقة الشعبية في النظام الحاكم ويظهر جيشه بمظهر الفشل الذي "لم يظهر أبداً" ساعة المواجهة.
على الصعيد الجيوسياسي، يحمل الهجوم رسالة تحدٍ مباشرة للفاعلين الدوليين المتواجدين في المنطقة، وعلى رأسهم "الروس" الذين تم استدعاؤهم كبديل للقوات الفرنسية. يحاول خطاب التنظيم فضح "عجز" الحلفاء الجدد (فيلق فاغنر أو البدائل الروسية) وتصويرهم كقوى تختبئ خلف التحصينات أو تكتفي بالغارات الجوية المتأخرة بعد فوات الأوان. هذا الخطاب يضرب في مقتل "البروباغندا" الروسية التي تسوق لنفسها كقوة حاسمة قادرة على القضاء على الإرهاب في إفريقيا. وبذلك، يضع التنظيم نفسه كقطب أوحد يواجه كافة المشاريع الدولية (سواء كانت غربية صليبية أو شرقية روسية)، مؤكداً أن تغيير الحلفاء الدوليين لن يغير من حقيقة تمدد "الدولة" وتآكل نفوذ الحكومات المحلية.

خطاب "الاستبدال": توبيخ القاعدة العربية
مثل هذا الخطاب تحولاً حاداً في الأدبيات التقليدية للتنظيم، حيث انتقل من دور "المبشر" بانتصارات العرب في المركز (العراق والشام) إلى دور "الموبّخ" لهم. من خلال استخدام ثنائية (العجم/العرب)، يسعى التنظيم إلى ضرب "النرجسية الهوياتية" لدى الشاب العربي الذي طالما اعتبر نفسه حامل لواء الرسالة الأول. إن وصف الأفارقة بأنهم "تتلعثم شفاههم بالعربية لكن أفعالهم تنطق بالتوحيد" هو بمثابة إهانة مبطنة وتجريد للمكانة الرمزية للعرب، حيث يتم تقديم "الفعل الجهادي" كمعيار وحيد للأفضلية، متجاوزاً بذلك اللغة والنسب، ومحوّلاً "العُجمة" من نقيصة لسانية إلى فضيلة إيمانية تعكس صدق العزيمة مقابل خذلان "الأقحاح".2. "تأصيل الترهيب": توظيف آيات الاستبدال كأداة ضغط دينياستند المقال بذكاء وتعمّد إلى "عقوبة الاستبدال" المستمدة من النصوص القرآنية، لرفع سقف الترهيب من مجرد لوم سياسي إلى إنذار "وجودي" متعلق بالمصير الأخروي. إن الاستشهاد بقوله تعالى $إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ$ ليس غرضه الوعظ العام، بل إيقاع "الوجل والقلق" في قلب المناصر العربي، وتصوير "القعود" كخطيئة كبرى تؤدي إلى الطرد من دائرة الاصطفاء الإلهي. هذا التوظيف الإيديولوجي يهدف إلى خلق حالة من "الاستنفار القسري" مدفوعة بالخوف من البديل (الأعجمي) الذي بات يتربع على "ذروة السنام" ويخطف بساط القيادة والريادة من تحت أقدام العرب.3. "أزمة المهاجرين": الانكفاء من "المركزية" إلى "التوطين الإفريقي"بعيداً عن اللغة البلاغية، يكشف توقيت هذا الخطاب في عام 2026 عن "أزمة تجنيد" حادة يعاني منها التنظيم في بيئاته التقليدية (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا). فالتنظيم يدرك أن تراجع تدفق "المهاجرين العرب" يهدد صفته كحركة "عالمية" ويحول ولاياته الإفريقية إلى تمردات محلية بحتة. لذا، يهدف المقال إلى إعادة تنشيط مسارات "الهجرة" عبر إثارة الغيرة الدينية والتنافس العرقي. إن الإقرار بأن "الأرض لا تقدس أهلها" هو إعلان صريح بانتهاء عصر "مركزية الشام" جغرافياً، واعتبار الساحل الإفريقي هو الميدان الجديد الذي سيُحسم فيه صراع الشرعية، مما يضع الشباب العربي أمام خيارين: إما الالتحاق بالركب الإفريقي أو القبول بـ "خسارة مكانتهم" في خارطة الخلافة المزعومة.

الصراع على النفوذ: شيطنة "الروس" وحلفائهم
ينخرط المقال في عملية "تفكيك إعلامي" ممنهجة للصورة الذهنية التي حاولت روسيا تسويقها في منطقة الساحل كقوة خشنة وحاسمة قادرة على سد الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي. فمن خلال تسليط الضوء على "عجز" الفيلق الإفريقي (البديل لفاغنر) عن حماية قاعدة حيوية في قلب العاصمة نيامي، يسعى التنظيم إلى ضرب جوهر "المشروع الروسي" القائم على مقايضة الأمن بالموارد ونفوذ الدولة. يصف التنظيم هؤلاء المقاتلين بـ"الجبن والخور"، وهي لغة تهدف إلى تجريد "الروس" من هيبة "المقاتل المتمرس" وإظهارهم كمجرد مرتزقة يلوذون بالفرار أو التحصينات الدفاعية فور حدوث "الاقتحام المباشر"، مما يضع الحكومات الإفريقية أمام حقيقة أن الحليف الشرقي ليس بأفضل حالاً من سلفه الغربي.
يستخدم التنظيم روايته للهجوم لإحداث وقيعة نفسية وسياسية بين السلطات العسكرية في النيجر وحلفائها الروس، عبر الإشارة إلى أن الإعلام المقرب من موسكو تعمّد "فضح فشل حلفائهم النيجريين" لتبرير عجزهم الشخصي. هذا التحليل يهدف إلى كشف هشاشة "التحالفات الجديدة" في الساحل، وتصويرها كعلاقات انتهازية تتبادل الاتهامات عند أول اختبار ميداني حقيقي. ومن خلال وصف قادة النيجر بأنهم "طواغيت استجاروا بالروس"، يرسخ التنظيم سردية أن الاستعانة بالقوى الخارجية (سواء كانت صليبية غربية أو شرقية ملحدة في نظره) هي علامة ضعف واحتضار للنظام الحاكم، الذي يفقد شرعيته وقوته بمجرد مواجهة "أسود الاقتحام" في معركة المطار.
يسعى المقال في محصلته النهائية إلى فرض معادلة "السيادة الجهادية" المطلقة في القارة الإفريقية، عبر تصوير الصراع كمعركة ثنائية بين "الجهاد النقي" وبين جبهة عالمية مهلهلة تضم "الصليبيين والشرقيين" على حد سواء. التنظيم يريد التأكيد على أن الساحة الإفريقية ليست "منطقة نفوذ" للقوى الدولية الكبرى أو "مسرحاً ثانوياً" للصراعات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، بل هي اليوم "قلب الحدث" الذي تذوب فيه الفوارق بين القوى الدولية أمام ضربات المقاتلين. هذا الطرح يهدف إلى إقناع الجمهور الداخلي والخارجي بأن التنظيم هو "الرقم الصعب" الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه أو احتواؤه عبر الغارات الجوية المتأخرة، وأن أي مشروع دولي في المنطقة مصيره الفشل أمام "السنن الإلهية" التي يدّعي التنظيم تمثيلها.

البعد الإيديولوجي: "عولمة" التنظيم وتجاوز العرقية
يسعى التنظيم من خلال هذا النص إلى ترسيخ مفهوم "الأمة العابرة للحدود" كبديل عن الدولة القومية والولاءات العرقية التي تميز منطقة الساحل الإفريقي. إن التشديد على أن "التوحيد والجهاد" يتخطى كل الأعراق واللغات هو محاولة إيديولوجية لصهر التنوع الإثني الهائل في إفريقيا (من العرب، والطوارق، والفولاني، والهوسا، وغيرهم) داخل هوية واحدة صلبة هي "هوية الجندي في الدولة الإسلامية". هذا الخطاب يهدف إلى نزع صفة "الغربة" عن التنظيم في إفريقيا، وتصويره كمظلة جامعة تمنح الشرعية والمكانة لكل من يحمل السلاح تحت رايتها، بغض النظر عن أصله أو لسانه، طالما أنه "يقف عند حدود الشريعة".
يمثل المقال إعلاناً عن "إزاحة جغرافية" في الوعي الجهادي، حيث يتم نقل صفة "المركز" من الميادين التقليدية في العراق والشام إلى "الولايات الإفريقية". من خلال وصف هذه الولايات بأنها صارت "مركزاً متقدماً للجهاد النقي"، يحاول التنظيم رفع الروح المعنوية للمقاتلين الأفارقة عبر إشعارهم بأنهم لم يعودوا مجرد "ملحق" أو "درجة ثانية" في مشروع الخلافة، بل باتوا هم "ذروة السنام" وحراس الراية الحقيقيين. هذه الرسالة تعمل على تعميق الولاء وتثبيت الأقدام، فهي تمنح المقاتل المحلي في النيجر أو مالي شعوراً بأنه يقع في قلب الحدث العالمي، وأن تضحياته هي التي تكتُب اليوم "فصلاً جديداً من فصول البطولات".
يستخدم التنظيم مفهوم "البركة" و"التوفيق الإلهي" كأدوات برهانية لإثبات صحة منهجه بعيداً عن المعايير المادية. فالمقال يروج لفكرة أن النجاح العسكري في بيئة "أعجمية" صعبة هو دليل سماوي على أن "الأرض لا تقدس أهلها"، وأن النصر مرتبط بالامتثال للنهج لا بالهوية العرقية. هذا البعد الإيديولوجي يهدف إلى خلق حالة من "العولمة الجهادية" التي تقتات على الفشل الميداني للقوى الدولية؛ فبينما يعجز "العالم" عن احتواء التنظيم، ينمو الأخير ويبارك وجوده في بقاع جغرافية جديدة، مما يعزز الرواية الدعائية بأن "الدولة" باقية وتتمدد بفضل تجاوزها للحواجز البشرية والجغرافية التقليدية.

النقد الفني واللغوي
تطغى على النص نبرة حدية تتراوح بين "التمجيد الملحمي" و"التقريع الديني"، حيث تم استخدام اللغة كأداة هجومية لا إخبارية. يبرز النص بشحنة عاطفية عالية تسعى لشرعنة العنف عبر إضفاء صبغة "القداسة" و"البركة" على "غزوة نيامي"، وفي المقابل، يتم تجريم "القعود" بعبارات قاسية تخلع القلوب (مثل: الوجل، القلق، التقريع، التوبيخ). هذا الاستخدام الكثيف للنصوص القرآنية وأقوال المفسرين (ابن كثير والبغوي) ليس لغرض التبيان الفقهي، بل لإحكام الحصار النفسي على المتلقي، ووضعه أمام خيار صفري: إما الالتحاق "بقافلة الاستبدال" أو القبول بوسم "الإثم والمعصية"، مما يحول المقال من مادة صحفية إلى "مانيفستو" حربي وعقائدي.
تتجلى في النص مفارقة سوسيولغوية عميقة؛ فبينما يحتفي المقال بـ "الأعجمي" الذي يتلعثم بالعربية، فإنه يُكتب بلغة عربية فصحى بالغة التعقيد، متينة السبك، ومطرزة بالاستعارات البلاغية التي لا يتقنها إلا "نخبة شرعية" متمرسة. هذا التباين يكشف أن "المقاتل الإفريقي" الذي يمدحه النص ليس هو "المستهلك" الحقيقي لهذه الافتتاحية، بل هو مجرد "نموذج رمزي" يُستخدم لإثارة حفيظة "المناصر العربي". إن لغة التنظيم هنا تعمل كجسر إيديولوجي يحاول استعادة البريق في عيون الشباب العربي في الخليج والشام والمغرب العربي، عبر تقديم "الأعجمي" كمرآة تعكس خذلان العربي وتفوق الغريب إيمانياً.
اعتمد النص استراتيجية أسلوبية قائمة على "المقارنة الفاضحة"؛ حيث وضع "أبناء العرب الأقحاح" في كفة "التثاقل والذل والهوان"، ووضع "الأعاجم" في كفة "ذروة السنام والتوحيد النقي". هذا التضاد اللغوي يهدف إلى خلق حالة من "الغيرة العقدية" (Religious Jealousy) لدى المتلقي العربي. كما أن تكرار مفردات مثل "الاستبدال" و"القعود" و"الخسارة" يعمل كمنظومة تخويفية تسلب من "القاعد" شعوره بالأمان الإيماني. النص، ببراعته اللغوية، يحاول إيهام القارئ بأن "قطار الخلافة" قد غادر المحطة العربية باتجاه الأدغال الإفريقية، وأن اللغة العربية -بكل رمزيتها- لم تعد كافية لنيل "رضا الرب" ما لم يقترن اللسان العربي بالفعل الأعجمي.

خاتمة
تخلص الدراسة إلى أن افتتاحية "النبأ" (533) تعد وثيقة اعتراف صريحة بتغير "مركز ثقل" التنظيم من المشرق العربي إلى الأدغال الإفريقية، وهو تحول تفرضه ضرورة البقاء والبحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن الضغط العسكري في العراق والشام. إن نجاح التنظيم في نقل معاركه إلى العواصم الإفريقية واستهداف القوى الدولية (كالروس) يمنحه "قبلة حياة" دعائية يحاول من خلالها ترميم صورته كقوة عالمية عابرة للحدود، قادرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية وتبدّل الحلفاء الدوليين في المنطقة.
على المدى الاستراتيجي، ينذر خطاب "توبيخ العرب" ببدء مرحلة من الانفصال الوجداني بين القيادة المركزية للتنظيم وبين بيئاته التقليدية، مما قد يؤدي إلى مزيد من "توطين الجهاد" في إفريقيا وتحويلها إلى ساحة الصراع الرئيسية في السنوات القادمة. هذا التوجه سيفرض تحديات أمنية جسيمة على دول المنطقة والتحالفات الدولية، حيث لم يعد الصراع مجرد تمرد محلي، بل تحول إلى مشروع "عولمة جهادية" تستثمر في الفشل الأمني والقلق الإيديولوجي العابر للقارات.

شارك