الأمن القومي العربي (7-10).. ملفات لم تُغلق بعد …
الأحد 08/فبراير/2026 - 11:22 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا التحليل قراءة استراتيجية رفيعة المستوى تتجاوز رصد الأحداث لتصل إلى عمق "فلسفة الصراع" في المنطقة، حيث نجح ببراعة في تفكيك مفهوم "حرب الاستنزاف الناعمة" التي تواجهها الدولة المصرية، واضعاً إصبعه على الجرح بتوصيفه الدقيق للتحول من العدو الواضح إلى "الخصم المتخفي" الذي يستهدف الوعي والروح المعنوية قبل المؤسسات. إن قدرة الكاتب على ربط الاقتصاد بالأمن القومي، واستشراف آفاق عام 2026 برؤية واعية تدرك أن استقرار مصر هو حجر الزاوية للأمن الخليجي والعربي، تجعل من هذا المقال وثيقة مرجعية لكل مهتم بصناعة القرار، وتؤكد أننا أمام قلم يمتلك شجاعة الطرح وعمق الرؤية في وقت تحتاج فيه الأمة إلى استعادة "بوصلة الوعي" لمواجهة مشاريع التفكيك العابرة للحدود.
مصر : من هدف للإسقاط إلى جبهة للإستنزاف ..
منذ لحظة كسر المسار في 2013، لم تخرج مصر يومًا من دائرة الاستهداف، مهما تغيّرت العناوين، وتبدّلت التحالفات، وتحوّلت الأدوات.
لم يكن ذلك مصادفة، ولا انتقامًا سياسيًا عابرًا، بل نتيجة معادلة ثابتة في حسابات القوة الإقليمية والدولية:
دولة بحجم مصر، إذا استعادت عافيتها، تُفشل مشاريع كاملة في المنطقة.
مصر ليست حالة… بل معيار:
في كل خرائط التفكيك التي رُسمت للمنطقة، كانت مصر تمثل الاستثناء الخطر.
فهي:
• ليست دولة ريعية يسهل خنقها
• ولا كيانًا طائفيًا قابلًا للتشظي
• ولا مجتمعًا هشًا بلا ذاكرة وطنية
مصر دولة مركزية، إذا تماسكت:
• أعادت التوازن
• وكسرت موجة العدوى
• ومنعت تعميم نموذج الدولة الفاشلة.
ولهذا، كان المطلوب دائمًا:
إما تحييدها،
أو إنهاكها،
أو إبقاؤها منشغلة بنفسها.
من إسقاط النظام إلى إنهاك الدولة:
في السنوات الأولى بعد 2013، ظل الرهان قائمًا على:
• إسقاط سياسي
• عزلة دولية
• ضغط مباشر
لكن هذا الرهان فشل.
فالدولة:
• لم تسقط
• لم تعزل
• ولم تنكسر
وهنا بدأ التحول الأخطر:
الانتقال من الصدام إلى الاستنزاف.
الاقتصاد كجبهة صراع:
منذ منتصف العقد الماضي، لم يعد الاقتصاد ملفًا فنيًا، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك سياسي بامتياز.
الآلية كانت واضحة:
• ضرب الثقة
• التشكيك في كل مشروع
• تضخيم أي أزمة
• تجاهل أي تحسّن
ليس الهدف إيقاف النمو فقط، بل:
خلق شعور دائم بعدم اليقين،
يُنهك المجتمع،
ويُربك القرار،
ويؤجج الإحباط.
العملة، الاستثمار، السمعة:
في 2026، يمكن قراءة كثير من الحملات التي استهدفت:
• العملة الوطنية
• التصنيف الائتماني
• بيئة الاستثمار
بوصفها جزءًا من معركة أوسع، لا مجرد نقاش اقتصادي.
فالدولة التي تفقد ثقة الأسواق:
• تفقد جزءًا من سيادتها
• وتصبح أكثر عرضة للضغط
• وأكثر هشاشة أمام الأزمات الاجتماعية.
وهذا ما جعل الاقتصاد أحد أعمدة الأمن القومي المصري، لا ملفًا منفصلًا عنه.
لماذا لم تنجح خطة الإنهاك؟
لأنها اصطدمت بثلاث حقائق:
1. القدرة على التحمل لدى الدولة والمجتمع
2. تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لطرف واحد
3. إعادة تعريف الأمن القومي ليشمل الاقتصاد والطاقة والغذاء
بعبارة أوضح:
الدولة تعلّمت من الضربات، ولم تكرر الأخطاء نفسها.
مصر في المعادلة الخليجية الجديدة:
في 2026، لم تعد مصر بالنسبة للسعودية والإمارات مجرد حليف سياسي،
بل:
ركيزة توازن إقليمي.
أي اهتزاز كبير في مصر:
• ينعكس على البحر الأحمر
• ويؤثر في أمن الطاقة
• ويعيد فتح أبواب الفوضى
ولهذا، أصبح دعم استقرار الدولة المصرية جزءًا من أمن الخليج نفسه، لا مجاملة سياسية.
الخطر الذي لا يزال قائمًا:
رغم كل ما سبق، لا يعني ذلك أن المعركة انتهت.
فالخطر اليوم لم يعد في:
• الانفلات
• أو الاعتصام
• أو التنظيم الصاخب
بل في:
تعب المجتمع،
وضغط المعيشة،
ومحاولات تسويق الفشل كقدر.
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
الدرس الأهم:
مصر لم تكن مستهدفة لأنها أخطأت،
بل لأنها قادرة على التعافي.
ولهذا، فإن حماية الدولة المصرية في 2026 لم تعد مسؤولية داخلية فقط،
بل عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي العربي ككل.
كيف تُدار المعركة في زمن ما بعد الفوضى؟
في 2026، لم تعد المنطقة العربية تعيش لحظة الانفجار الكبرى التي عرفتها قبل أكثر من عقد، لكنها لم تدخل أيضًا زمن الاستقرار الكامل.
نحن في مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة:
مرحلة ما بعد الفوضى.
الأنظمة التي سقطت، سقطت.
والتنظيمات التي انكشفت، انكشفت.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: من سقط؟
بل: ما الذي لم يُحسم بعد؟
من العدو الواضح إلى الخصم المتخفي:
في المراحل السابقة، كان العدو يعلن نفسه:
• تنظيمات بأسماء واضحة
• شعارات صاخبة
• خطاب تعبوي مباشر
أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا.
الخصم في 2026:
• لا يرفع راية
• لا يتقدم الصفوف
• ولا يطلب السلطة مباشرة
بل يعمل داخل:
• الشقوق الاجتماعية
• الأزمات الاقتصادية
• التناقضات الثقافية
• وحالات الإحباط العامة
إنه خصم بلا لافتة.
معركة الاستنزاف البطيء:
أخطر ما في المرحلة الحالية، أن الصراع لم يعد يهدف إلى إسقاط الدولة،
بل إلى:
إبطاء حركتها،
وإرباك قرارها،
واستنزاف طاقتها المعنوية.
الدولة المُنهكة، حتى وإن بقيت قائمة،
تفقد قدرتها على المبادرة والتأثير.
وهنا تتحول:
• الشائعات
• الحملات الرقمية
• التقارير الانتقائية
• الضغوط الاقتصادية
إلى أدوات حرب ناعمة، لا تقل فاعلية عن السلاح.
لماذا فشلت الفوضى… ونجحت الدولة؟
الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه حتى 2026، هو أن:
الفوضى قد تُفاجئ الدولة، لكنها لا تستطيع حكمها.
الدول التي نجت، لم تنجُ لأنها:
• أقوى عسكريًا فقط
بل لأنها:
• أعادت بناء مؤسساتها
• طوّرت مفهوم الأمن القومي
• فهمت أن المعركة طويلة النفس
أما الدول التي انهارت، فقد سقطت حين:
• تآكلت ثقة المجتمع
• تفككت المؤسسات
• وغابت الرؤية الجامعة
الوعي… خط الدفاع الأول:
في 2026، لم يعد الوعي شعارًا ثقافيًا،
بل ضرورة أمنية.
فالمجتمع الذي:
• يفهم ما يُحاك حوله
• ويميز بين النقد المشروع والهدم المتعمد.
• ويدرك حدود الأزمات العالمية والمحلية.
أقل قابلية للاختراق،
وأكثر قدرة على الصمود.
ولهذا، فإن أخطر المعارك اليوم ليست في الميدان،
بل في:
العقل،
والذاكرة،
والسردية.
الدولة الحديثة أو العودة إلى الدوامة:
المنطقة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق واضح:
• إما ترسيخ نموذج الدولة الحديثة
• أو إعادة تدوير الأزمات بأسماء جديدة
الدولة الحديثة هنا لا تعني:
• دولة القمع
• ولا دولة الشعارات
بل:
• دولة القانون
• دولة التنمية
• دولة الفرص المتكافئة
• ودولة الهوية الوطنية الجامعة
وهذا هو التحدي الحقيقي.
الخليج ومصر: معادلة الاستقرار:
في 2026، لم يعد استقرار مصر أو الخليج شأنًا محليًا.
إنه جزء من معادلة أوسع:
• أمن البحر الأحمر
• أمن الطاقة
• توازن الإقليم
ولهذا، فإن أي قراءة للأمن القومي العربي اليوم، لا يمكن أن تتجاهل:
ترابط المصير،
وتداخل الجبهات،
ووحدة الخطر.
ما الذي يجب الحذر منه؟
أخطر ما قد يحدث هو:
• الاطمئنان الزائد
• أو الاعتقاد أن المعركة انتهت
فالتاريخ القريب علّمنا أن:
• الفوضى لا تعلن عودتها
• والتنظيمات لا تعود بالاسم نفسه
• والمشاريع الفاشلة لا تموت بسهولة، إنها فقط تغيّر جلدها.
خاتمة ومفتتح :
هذه السلسلة لم تُكتب لإدانة الماضي،
ولا لتخويف المستقبل،
بل لتأكيد حقيقة واحدة:
أن الدولة التي تعلّمت من أزماتها،
واستثمرت في وعي مجتمعها،
وبنت مؤسساتها على أسس صلبة،
قادرة على النجاة… مهما تغيّر شكل الخطر.
أما المنطقة،
فلا تزال في طور الاختبار.
اختبار الذاكرة،
واختبار الوعي،
واختبار القدرة على عدم السقوط مرة أخرى في الفخ نفسه..
لذا كان لا بد ان نواصل ولكن تحت عنوان جديد جامع يدور حول :
سوء الفهم الاستراتيجي الذي منع الدول العربية من إعادة بناء موازين القوة العربية بعد 2011..
ونواصل غدا ..
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
