صناعة "الوهم" وتجارة "الأزمات": قراءة في تضليل أبواق الإخوان

الإثنين 09/فبراير/2026 - 05:32 ص
طباعة صناعة الوهم وتجارة حسام الحداد
 
في مشهد يتكرر مع كل تحدٍ اقتصادي يواجه الدولة المصرية، تطل علينا منصات التحريض التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، وعلى رأسهاقناة مكملين و "محمد ناصر"، لتمارس هوايتها المفضلة في "هندسة الشائعات". الخطاب الذي ألقاه "ناصر" بخصوص أزمة الدواجن والقمح في حلقة الأمس الأحد 8 فبراير 2026، من برنامجه على قناة مكملين ليس مجرد نقد سياسي، بل هو عملية استخباراتية إعلامية تستهدف ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، واستخدام لغة "الشعبوية" لتمرير أجندة الهدم.

استراتيجية "خلط الأوراق" وتزييف المنطق
يعتمد الخطاب التحريضي الذي يسوقه "محمد ناصر" على استراتيجية خبيثة تسمى "نصف الحقيقة"، حيث يقتطع أرقاماً حقيقية من سياقها الفني ليوظفها في سياق سياسي مشوه. الحديث عن وجود "فائض إنتاجي بنسبة 20%" هو كلمة حق أريد بها باطل؛ فالفائض في لغة الاقتصاد الإنتاجي لا يعني بالضرورة توافره لحظياً في منافذ البيع بأسعار منخفضة، بل قد يكون فائضاً في الطاقة الإنتاجية للمزارع أو نتاج دورة إنتاجية سابقة، بينما تتأثر الأسعار الحالية بتكاليف الأعلاف وسلاسل الإمداد العالمية. ناصر يتعمد هنا "تجهيل" المشاهد بآليات السوق، متجاهلاً أن الدولة لا تتحكم في الإنتاج القطاع الخاص بشكل مباشر، بل تتدخل كمنظم للسوق حين يمارس بعض كبار المنتجين سياسات احتكارية ترفع الأسعار رغم وجود المعروض.
يسعى الخطاب الإخواني لتصوير قرار الدولة باستيراد الدواجن المجمدة كأنه "اعتراف بالفشل" أو "مؤامرة" لضرب المنتج المحلي، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن الاستيراد في الأزمات هو أقوى سلاح حكومي لكسر شوكة الاحتكار. حين تجد الدولة جشعاً في الأسعار المحلية (وصول الكيلو لـ 135 جنيهاً)، فإنها تتدخل فوراً بضخ "مخزون استراتيجي" مستورد لزيادة المعروض وإجبار التجار على خفض الأسعار. هذا التناقض الذي يصطنعه ناصر بين "الإنتاج المحلي" و"الاستيراد" هو تناقض وهمي؛ فالدول الذكية هي التي تؤمن احتياجات مواطنيها قبل مواسم الذروة (مثل شهر رمضان) عبر تنويع مصادر السلع، لضمان ألا يقع المواطن فريسة لتقلبات السوق أو تخزين التجار.
وفي قمة التدليس الإعلامي، يحاول ناصر تحويل نجاح الدولة في خفض السعر من 135 إلى 115 جنيهاً في وقت قياسي إلى "دليل إدانة"، مدعياً أنها أزمة مصطنعة. المنطق السليم يقول إن سرعة استجابة مؤسسات الدولة وضخ كميات كبيرة في المجمعات الاستهلاكية ومعارض "أهلاً رمضان" هو دليل على "كفاءة الإدارة" وامتلاك الدولة لأدوات لوجستية قوية قادرة على التدخل السريع. لكن الأبواق الإخوانية تقلب الآية؛ فبدلاً من الإشادة بقدرة الدولة على كبح جماح الغلاء خلال ساعات، يتم تصوير الأمر كتمثيلية، وذلك بهدف إحباط المواطن ومنعه من الشعور بأي تحسن، والحفاظ على حالة "السخط العام" التي تتغذى عليها هذه القنوات.

شيطنة "مستقبل مصر" والظهير التنموي
لم يكن هجوم محمد ناصر على جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة مجرد نقد عابر، بل هو استهداف ممنهج لأحد أهم الأذرع التنموية التي شيدتها الدولة لتكون "صمام أمان" للمواطن المصري. يدرك إعلام الجماعة الإرهابية أن دخول هذا الجهاز في منظومة الإنتاج والاستيراد يمثل ضربة قاصمة لمراكز القوى الاحتكارية التي كانت تسيطر على أقوات المصريين لعقود. فبينما تسعى الدولة عبر هذا الجهاز لخلق توازن في الأسواق وكسر هيمنة "كبار الموردين" الذين قد يرتبط بعضهم بمصالح تمويلية تخدم أجندات التحريض، تحاول أبواق الإخوان تصوير هذا الدور الوطني كأنه منافسة غير عادلة أو توغل، بينما هو في الحقيقة "حائط صد" يمنع تحكم أصحاب المصالح في لقمة عيش المواطن.
لجأ الخطاب الإخواني إلى استخدام ما يمكن تسميته "الإرهاب بالمعلومات الزائفة" عبر ترويج ادعاءات حول تقاضي عمولات تصل إلى 30 و60 دولاراً في طن القمح. هذا الادعاء المرسل يفتقر تماماً لأي وثيقة رسمية أو دليل مادي، ولكنه يعتمد على "سيكولوجية الأرقام الصادمة" لإحداث حالة من البلبلة والتشكيك لدى المواطن البسيط. الهدف هنا هو وصم المشروعات القومية الكبرى بصبغة الفساد المالي، ومحاولة خلق فجوة ثقة بين الشعب ومؤسساته التنموية. إن ترديد هذه الأرقام دون سند هو محاولة بائسة لتشويه نجاحات الدولة في ملف "الأمن الغذائي"، وتغطية على حقيقة أن الجهاز يوفر السلع بأسعار تقترب من التكلفة الحقيقية دون الوساطة التي ترفع الأسعار.
تعد شيطنة جهاز "مستقبل مصر" جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى "تكسير العظام" لكل تجربة تنموية ناجحة تساهم في استقلال القرار الوطني. فمن خلال الهجوم على دور الجهاز في استيراد السلع الاستراتيجية كالدواجن والقمح، تحاول هذه الأبواق إيهام الرأي العام بأن الدولة تحارب القطاع الخاص، بينما الواقع يؤكد أن الدولة تملأ "الفراغ الرقابي" وتتدخل لتصحيح تشوهات السوق التي تسبب فيها الجشع. إن هذا التحريض الممنهج يخدم بالدرجة الأولى أعداء الاستقرار الذين يزعجهم وجود كيانات وطنية قوية قادرة على ضبط الأسواق وتوفير احتياجات ملايين المصريين بعيداً عن تقلبات السوق السوداء أو المضاربات السياسية.

الحرب النفسية وكسر الروح المعنوية
يعتمد محمد ناصر في خطابه على "لغة الشوارع" والتهكم المبتذل عبر إطلاق مسميات ساخرة (مثل: وش الباذنجان، الضفدع، السبع رجالة)؛ وهي ليست مجرد سقطات لسان، بل تكتيك مبرمج يهدف إلى "نزع القدسية" عن الرموز الوطنية وتسطيح القضايا المصيرية. إن استخدام هذا الأسلوب يرمي إلى كسر الحاجز النفسي للاحترام بين المواطن ومؤسسات دولته، وتحويل النقاش العام من تحليل سياسي واقتصادي جاد إلى حالة من "الهزل الرقمي". يسعى ناصر من خلال هذا التحقير إلى خلق صورة ذهنية مشوهة للدولة، تجعل المشاهد يفقد الثقة في أي خطاب رسمي، ويستبدل الوقائع بصور كاريكاتورية تخدم أجندة الجماعة في إضعاف هيبة الدولة وقدرتها على القيادة.
تتمحور الرسائل الضمنية في البرنامج حول "صناعة الجوع الوشيك" وتصوير الدولة كأنها "عصابة" تدير الأزمات لصالحها، وهو ما يعد من أخطر أدوات الحرب النفسية. من خلال ربط كل إجراء حكومي –حتى وإن كان في مصلحة المواطن– بمؤامرة خفية، يسعى ناصر إلى إدخال المواطن في حالة من "الإحباط المزمن" وفقدان اليقين في المستقبل. إن تصوير المجتمع كضحية لنهب منظم لا ينقطع يهدف إلى قتل أي بادرة تفاؤل أو صمود لدى المصريين، وتحويل الروح المعنوية من البناء والعمل إلى الانطواء والسخط، مما يؤدي في النهاية إلى شلل في الوعي الجمعي يمنعه من رؤية أي إنجاز أو محاولة إصلاح حقيقية على أرض الواقع.
خلف عبارات العطف المصطنعة مثل "الشعب بيضيع" و"البيوت اتخربت"، يختبئ مشروع تحريضي كامل يهدف إلى "شحن الشارع" ودفعه نحو الانفجار. يستخدم ناصر دغدغة العواطف واللعب على أوجاع الطبقات البسيطة ليس حباً فيهم، بل لتحويل معاناتهم إلى وقود لـ "الفوضى الخلاقة" التي تعد البيئة المثالية لعودة جماعته الإرهابية إلى المشهد. إن هذا النوع من التحريض لا يقدم حلولاً، بل يسعى لتقويض الاستقرار الحالي وتصوير الفوضى كأنها "المخلص الوحيد". وبذلك، يصبح الخطاب الإخواني أداة لهدم السلم الاجتماعي، حيث يراهن على أن كسر نفسية المواطن هو أقصر طريق لإسقاط الدولة وإعادتها إلى المربع صفر، حيث تقتات الجماعة على الخراب.

التلاعب بالمعلومات (تفنيد أكذوبة الـ 135 جنيهاً)
يرتكز ادعاء محمد ناصر بأن الفراخ استوردت وطُرحت في الأسواق خلال "ساعتين" على استغلال فج لقواعد المنطق اللوجستي، بهدف إيهام المشاهد بأن الأمر "مسرحية" معدة مسبقاً. الحقيقة العلمية والعملية تؤكد أن عمليات الاستيراد الكبرى للسلع الاستراتيجية تمر بدورة زمنية معقدة تبدأ بفتح الاعتمادات المستندية، ثم التعاقد مع الموردين الدوليين، تليها عمليات الشحن البحري، وصولاً إلى الفحص الرقابي في الموانئ المصرية. ما يفعله ناصر هو "قفزة زمنية" متعمدة؛ فهو يأخذ لحظة "الإعلان عن الطرح" ويصورها كأنها لحظة "الاستيراد"، متجاهلاً أن الشحنات التي نزلت الأسواق اليوم هي نتاج تعاقدات وتحركات بدأت قبل أشهر لضمان وصولها في التوقيت المناسب قبل ذروة الاستهلاك في شهر رمضان.
حاول الخطاب الإخواني تحويل "سرعة تدخل الدولة" من ميزة تحسب للإدارة السياسية إلى تهمة تلاحقها. إن انخفاض السعر من 135 جنيهاً إلى 115 جنيهاً عقب الاجتماع الثلاثي وضخ الكميات ليس سحراً، بل هو "تأثير الصدمة" الذي أحدثته الدولة في السوق السوداء. بمجرد إعلان الدولة عن امتلاكها لمخزون استراتيجي جاهز للطرح، يضطر المحتكرون والتجار الذين كانوا يحبسون السلع لرفع أسعارها إلى خفض السعر فوراً خوفاً من الخسارة أمام منافسة الدولة. ناصر يحاول تصوير هذا النجاح الرقابي كأنه "أزمة مصطنعة"، بينما هو في الحقيقة استخدام ذكي لأدوات الدولة في إدارة المخزون لكسر "بالونة الغلاء" التي يصنعها الجشع.
يهدف ناصر من وصف إجراءات الدولة بـ "التمثيلية" إلى الاستخفاف بعقل المشاهد ومنعه من إدراك الفارق الملموس في جيبه. إن الدولة لا تتحرك برد فعل عشوائي، بل تعمل وفق جداول زمنية مسبقة تضع في الحسبان كافة التحديات. تصوير الأمر كأن "الفراخ نزلت أونلاين" هو قمة التضليل الإعلامي؛ فالكميات التي نُشرت صورها في معارض "أهلاً رمضان" والمجمعات الاستهلاكية هي مخزون فعلي موجود في ثلاجات الدولة، والاجتماع الثلاثي كان لإعطاء "إشارة البدء" للتوزيع المكثف وليس لبدء الاستيراد كما ادعى. هذا الخلط المتعمد يسعى لحرمان المواطن من الشعور بالاطمئنان، وإبقاء الشك هو المحرك الأساسي لعلاقته بمؤسسات الدولة التي تعمل ليل نهار لتأمين قوته.

الخلاصة
إن إعلام الجماعة الإرهابية لا يبحث عن "سعر الفرخة" أو "مصلحة المواطن"، بل يبحث عن "جنازة ليشبع فيها لطماً". هم يتاجرون بآلام الناس، ويحولون كل إجراء إصلاحي إلى مؤامرة. الوعي الشعبي هو السلاح الوحيد لمواجهة هذه الأبواق التي لا تعيش إلا في مستنقع الأزمات.

شارك