الإخوان وأمريكا (8-11).. أزمةُ الثقة… وأزمةُ “العلانية”
الخميس 12/فبراير/2026 - 08:45 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الجزء من السلسلة قراءةً استثنائية تكشف ببراعة عن التناقض البنيوي في عقلية تنظيم الإخوان، حيث ينجح بأسلوبه التحليلي الرصين في تسليط الضوء على "فصام الأداء" بين ادعاء المظلومية والمطالبة بالعلانية في الشرق، وبين التمسك بنهج السرية و"الجندية" الصارمة في قلب الديمقراطية الأمريكية؛ مما يعكس قدرة الدكتور الفائقة على تفكيك الوثائق التاريخية وربطها بالواقع المعاصر لبيان كيف قُدمت مصلحة التنظيم وأمنه الذاتي على صورة الإسلام والمسلمين في الغرب، ليظل قلم الدكتور عبد الرحيم مرجعاً أساسياً في كشف كواليس هذه التنظيمات وتحولاتها العابرة للحدود
مرةً أخرى إلى سلسلةِ مقالاتِ «الإخوان وأمريكا»، والتي كُنّا قد اضطررنا إلى قطعِها مرتين؛ الأولى عندما فاجأنا قرارُ فرنسا باعتبارِ جماعةِ الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، والثانية عندما بدأنا سلسلةَ مقالاتٍ أخرى حول «الأمن القومي العربي»
واليوم نواصلُ مع تقييم مهدي عاكف للأوضاع في فرع الإخوان بأمريكا، عقب زيارته الشهيرة لها عام 1991، فبعد استماعه لكافة آراء قيادات الفرع من مؤيدين ومعارضين لفكرة العلانية، لم يكن التقريرُ مجردَ ملاحظاتٍ إدارية، بل كان “تشخيصًا تنظيميًا” لأزمةٍ داخلية في قلب الولايات المتحدة.
يبدأ عاكف بالتأكيد على أن الوضع في أمريكا يحتاج إلى تدخلٍ حاسمٍ وسريع، لكن بشرطٍ أساسي: أن يراعي القرارُ “التوازن” بين كل التوجهات، حتى لا يظن فريقٌ أن القرار جاء لصالح طرفٍ دون آخر (ويقصد هنا الخلاف حول السرية والعلانية: هل يُعلن التنظيم عن نفسه ويمارس نشاطه بشكلٍ علنيٍّ وقانوني، أم يعمل بشكلٍ سريٍّ وغير مُعلن).
ثم يضع يده على جوهر الخطر: الثقة مفقودة بين الجميع، وهذا – من وجهة نظره – أخطرُ من الخلاف نفسه.
ثم يذهب إلى لُبّ المسألة، من وجهة نظره كجيلٍ ينتمي إلى جيل المرشد المؤسس حسن البنا؛ “التربية”:
يقول عاكف إن منهج التربية هناك (أي في أمريكا) يساعد على وهن الالتزام؛ لأن الجانب الإداري يكاد يسيطر على العلاقات سيطرةً شبه كاملة، بينما الجانب التربوي يعتمد على “المدخل الثقافي” وحده، ويتوسع فيه توسعًا قد لا يلائم مستويات “الأخوة الدعوية”.
أما التربية الروحية، وإحياء القيم، وتأصيل الانتماء، وتعميق فقه “الجندية” وضوابط الأداء… فكل ذلك يكاد يكون غائبًا. ويضيف أن المخيمات والدورات تخلو من هذا تمامًا، وهو ما فتح الطريق – في رأيه – أمام التعصب للآراء وحدّة المجادلات، حتى يصل الأمر إلى التجريح المتبادل.
وعلى مستوى الحلول، يقترح عاكف أن العمل السريع يقتضي قرارًا حاسمًا وملزمًا يفرض “تسكين الخلافات”، وعدم السماح بتحولها إلى حديثٍ دائم، مع تشكيل مجموعة تسوية تنشط في ترسيخ مفاهيم فقه الدعوة، وتعميق قيم الجندية والحب والأخوة والتجرد وصدق القصد، على أن تكون “رسائل الإمام الشهيد” مدخلًا رئيسيًا للتربية والتوجيه، وأساسًا لا ينازعه سواه.
الملاحظة هنا أن الرجل يعالج مشكلةً تدور فصولها في أمريكا، بلد الحريات والنقاش الحر، فيُعلي من قيم الجندية، وينصح باعتماد رسائل البنا كأساسٍ دون غيرها، في انفصالٍ كاملٍ عن الواقع، أدى في الحقيقة – وليس في أمريكا فقط، ولكن في كل أوروبا والغرب عمومًا – إلى أن تحوّل الإخوان، وحوّلوا الإسلام والمسلمين، إلى مجموعةٍ من الانفصاليين، يتم استخدامهم وقت الحاجة إليهم كفزاعة، سواء للحكام العرب أو للمجتمعات الغربية على حدٍّ سواء.
ويشدد مهدي عاكف على ضرورة تقويم المسؤولين بجهودهم في الاتصال بالقواعد وفق هذه الأسس، بدقةٍ تامة والتزامٍ متين. وينتهي إلى توصيةٍ عملية: تكثيف الزيارات إلى أمريكا، وبخاصة من قيادات مصر، على أن تكون مهمة هذه الزيارات “التأصيل التربوي قبل كل شيء”، والعمل على توثيق علاقات القيادات بعضها ببعض.
ملاحظات أساسية على التقرير:
يُظهر التقرير حجم الجدل الذي ثار في بداية التسعينيات حول سرية وعلانية العمل في الولايات المتحدة. وقد كان الأغلب الأعم من قيادات الجماعة في أمريكا يميلون إلى رفض العلانية، تحسبًا لمخاوف تلخصت في:
• أمن التنظيم وقياداته، خصوصًا القادمين والعائدين من الشرق.
• انخفاض مستوى الالتزام الحركي أو الفكري أو التربوي.
• إحراج تنظيمات الشرق، خصوصًا مع الدول الصديقة لأمريكا.
• صعوبة الجمع بين إخوة يعملون بشكلٍ سريٍّ وآخرين يعملون بشكلٍ علني في تنظيمٍ واحد.
• قلة الكفاءات القيادية السرية لقيادة تنظيمٍ علني.
وعرض عاكف بدائل للخروج من الأزمة، أهمها:
1. أن تكون “الإسنا” (ISNA) هي الشكل العلني للعمل الدعوي بعد تعديلات في النظام واللوائح.
2. تنظيم عام وآخر خاص، منفصلان تمامًا، وقيادتان منفصلتان.
3. تنظيم واحد وقيادة واحدة، بذات فرعين: علني وسري.
4. بقاء الوضع كما هو، لأن أي تصرفٍ سريع غير مرغوبٍ فيه الآن.
أسئلة مشروعة:
• إذا كان الإخوان يشكون من التضييق في دول الشرق، ويعلنون أنهم لا يفضلون السرية، فلماذا رفضوا العلانية في “أم الديمقراطيات” وحبذوا السرية؟
• إذا كانوا يفكرون في تنظيمٍ برأسين (علني/سري) في أمريكا، فلماذا كانوا ينفون وجود تنظيمين في مصر، أحدهما علني والآخر سري؟
• لماذا كانوا ينكرون دائمًا أن مصلحة التنظيم تأتي دائمًا قبل مصلحة الوطن، وهم حين خُيّروا بين أمن التنظيم وتحسين صورة المسلمين في الغرب، اختاروا أمن التنظيم، في إعلاءٍ واضحٍ لمصلحة التنظيم على أي اعتبارات أخرى، حتى لو كانت صورة الإسلام والمسلمين في الغرب؟
وللحديث بقية…
ونواصل غدًا…
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
مرةً أخرى إلى سلسلةِ مقالاتِ «الإخوان وأمريكا»، والتي كُنّا قد اضطررنا إلى قطعِها مرتين؛ الأولى عندما فاجأنا قرارُ فرنسا باعتبارِ جماعةِ الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، والثانية عندما بدأنا سلسلةَ مقالاتٍ أخرى حول «الأمن القومي العربي»
واليوم نواصلُ مع تقييم مهدي عاكف للأوضاع في فرع الإخوان بأمريكا، عقب زيارته الشهيرة لها عام 1991، فبعد استماعه لكافة آراء قيادات الفرع من مؤيدين ومعارضين لفكرة العلانية، لم يكن التقريرُ مجردَ ملاحظاتٍ إدارية، بل كان “تشخيصًا تنظيميًا” لأزمةٍ داخلية في قلب الولايات المتحدة.
يبدأ عاكف بالتأكيد على أن الوضع في أمريكا يحتاج إلى تدخلٍ حاسمٍ وسريع، لكن بشرطٍ أساسي: أن يراعي القرارُ “التوازن” بين كل التوجهات، حتى لا يظن فريقٌ أن القرار جاء لصالح طرفٍ دون آخر (ويقصد هنا الخلاف حول السرية والعلانية: هل يُعلن التنظيم عن نفسه ويمارس نشاطه بشكلٍ علنيٍّ وقانوني، أم يعمل بشكلٍ سريٍّ وغير مُعلن).
ثم يضع يده على جوهر الخطر: الثقة مفقودة بين الجميع، وهذا – من وجهة نظره – أخطرُ من الخلاف نفسه.
ثم يذهب إلى لُبّ المسألة، من وجهة نظره كجيلٍ ينتمي إلى جيل المرشد المؤسس حسن البنا؛ “التربية”:
يقول عاكف إن منهج التربية هناك (أي في أمريكا) يساعد على وهن الالتزام؛ لأن الجانب الإداري يكاد يسيطر على العلاقات سيطرةً شبه كاملة، بينما الجانب التربوي يعتمد على “المدخل الثقافي” وحده، ويتوسع فيه توسعًا قد لا يلائم مستويات “الأخوة الدعوية”.
أما التربية الروحية، وإحياء القيم، وتأصيل الانتماء، وتعميق فقه “الجندية” وضوابط الأداء… فكل ذلك يكاد يكون غائبًا. ويضيف أن المخيمات والدورات تخلو من هذا تمامًا، وهو ما فتح الطريق – في رأيه – أمام التعصب للآراء وحدّة المجادلات، حتى يصل الأمر إلى التجريح المتبادل.
وعلى مستوى الحلول، يقترح عاكف أن العمل السريع يقتضي قرارًا حاسمًا وملزمًا يفرض “تسكين الخلافات”، وعدم السماح بتحولها إلى حديثٍ دائم، مع تشكيل مجموعة تسوية تنشط في ترسيخ مفاهيم فقه الدعوة، وتعميق قيم الجندية والحب والأخوة والتجرد وصدق القصد، على أن تكون “رسائل الإمام الشهيد” مدخلًا رئيسيًا للتربية والتوجيه، وأساسًا لا ينازعه سواه.
الملاحظة هنا أن الرجل يعالج مشكلةً تدور فصولها في أمريكا، بلد الحريات والنقاش الحر، فيُعلي من قيم الجندية، وينصح باعتماد رسائل البنا كأساسٍ دون غيرها، في انفصالٍ كاملٍ عن الواقع، أدى في الحقيقة – وليس في أمريكا فقط، ولكن في كل أوروبا والغرب عمومًا – إلى أن تحوّل الإخوان، وحوّلوا الإسلام والمسلمين، إلى مجموعةٍ من الانفصاليين، يتم استخدامهم وقت الحاجة إليهم كفزاعة، سواء للحكام العرب أو للمجتمعات الغربية على حدٍّ سواء.
ويشدد مهدي عاكف على ضرورة تقويم المسؤولين بجهودهم في الاتصال بالقواعد وفق هذه الأسس، بدقةٍ تامة والتزامٍ متين. وينتهي إلى توصيةٍ عملية: تكثيف الزيارات إلى أمريكا، وبخاصة من قيادات مصر، على أن تكون مهمة هذه الزيارات “التأصيل التربوي قبل كل شيء”، والعمل على توثيق علاقات القيادات بعضها ببعض.
ملاحظات أساسية على التقرير:
يُظهر التقرير حجم الجدل الذي ثار في بداية التسعينيات حول سرية وعلانية العمل في الولايات المتحدة. وقد كان الأغلب الأعم من قيادات الجماعة في أمريكا يميلون إلى رفض العلانية، تحسبًا لمخاوف تلخصت في:
• أمن التنظيم وقياداته، خصوصًا القادمين والعائدين من الشرق.
• انخفاض مستوى الالتزام الحركي أو الفكري أو التربوي.
• إحراج تنظيمات الشرق، خصوصًا مع الدول الصديقة لأمريكا.
• صعوبة الجمع بين إخوة يعملون بشكلٍ سريٍّ وآخرين يعملون بشكلٍ علني في تنظيمٍ واحد.
• قلة الكفاءات القيادية السرية لقيادة تنظيمٍ علني.
وعرض عاكف بدائل للخروج من الأزمة، أهمها:
1. أن تكون “الإسنا” (ISNA) هي الشكل العلني للعمل الدعوي بعد تعديلات في النظام واللوائح.
2. تنظيم عام وآخر خاص، منفصلان تمامًا، وقيادتان منفصلتان.
3. تنظيم واحد وقيادة واحدة، بذات فرعين: علني وسري.
4. بقاء الوضع كما هو، لأن أي تصرفٍ سريع غير مرغوبٍ فيه الآن.
أسئلة مشروعة:
• إذا كان الإخوان يشكون من التضييق في دول الشرق، ويعلنون أنهم لا يفضلون السرية، فلماذا رفضوا العلانية في “أم الديمقراطيات” وحبذوا السرية؟
• إذا كانوا يفكرون في تنظيمٍ برأسين (علني/سري) في أمريكا، فلماذا كانوا ينفون وجود تنظيمين في مصر، أحدهما علني والآخر سري؟
• لماذا كانوا ينكرون دائمًا أن مصلحة التنظيم تأتي دائمًا قبل مصلحة الوطن، وهم حين خُيّروا بين أمن التنظيم وتحسين صورة المسلمين في الغرب، اختاروا أمن التنظيم، في إعلاءٍ واضحٍ لمصلحة التنظيم على أي اعتبارات أخرى، حتى لو كانت صورة الإسلام والمسلمين في الغرب؟
وللحديث بقية…
ونواصل غدًا…
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
