مع اقتراب رمضان.. الفقر يتسع والحوثيون يصعّدون الجبايات والفعاليات التعبوية
السبت 14/فبراير/2026 - 01:23 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
يستعد اليمنيون لاستقبال شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل واحدة من أقسى الأزمات المعيشية التي عرفتها البلاد منذ عقود، حيث يتقاطع الانهيار الاقتصادي مع ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية، واستمرار انقطاع المرتبات، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
ومع اقتراب الشهر الفضيل، تتبدد مظاهر الفرح والبهجة التي لطالما ميّزت الاستعداد لرمضان، لتحل محلها مشاعر القلق والعجز عن تلبية أبسط الاحتياجات اليومية.
في مقابل هذا الواقع المثقل بالمعاناة، تمضي جماعة الحوثي في استثمار الظروف الاقتصادية الصعبة لتعزيز نفوذها، عبر تكثيف الفعاليات التعبوية ذات الطابع الطائفي، وفرض جبايات إضافية على السلع الغذائية، ورفض صرف رواتب الموظفين، في سياسات يرى مراقبون أنها تقوم على التجويع والإخضاع، وتوجيه الموارد لخدمة مصالح ضيقة على حساب المجتمع.
ففي الوقت الذي كان يستقبله فيه اليمنيون رمضان بشغف كبير، حيث تبدأ الاستعدادات منذ منتصف شعبان، وتزدحم الأسواق بالمتسوقين، وتنتشر الزينة في الشوارع، وتحرص الأسر على تخزين المؤن الرمضانية، إلا أن هذه الطقوس تلاشت تدريجيًا خلال سنوات الحرب، ليغدو الشهر الذي كان ضيفًا عزيزًا عبئًا ثقيلًا على غالبية السكان.
في صنعاء، بدت الأسواق شبه خالية من الحركة، وغابت الزينة التي كانت تملأ الأزقة الشعبية، فيما اكتفى المواطنون بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية، ويعزو التجار هذا الركود إلى التضخم المتسارع، وسحب العملة الأجنبية بسعر منخفض غير واقعي، والارتفاع الكبير في أسعار الدقيق والسمن والسكر والأرز، ما أدى إلى تقليص المشتريات الرمضانية إلى أضيق الحدود.
ولم يقتصر الركود على الأسر، بل طال التجار أيضًا، حيث تراجعت حركة البيع إلى مستويات غير مسبوقة، بعد أن كانت الأسر تشتري مؤن رمضان بالجملة، لتتحول اليوم إلى شراء بالكيلو أو أقل، هذا إلى جانب اختفاء شبه كامل لمبيعات الكماليات، ما فاقم معاناة أصحاب المحلات الصغيرة.
وتتزامن هذه الأوضاع مع تراجع حاد في المساعدات الإنسانية بمناطق سيطرة الحوثيين، عقب مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة ووقف برامجها، بعد مداهمة مكاتبها واعتقال عشرات العاملين فيها، وتقدّر منظمات إغاثية أن نحو 13 مليون شخص باتوا على حافة الجوع، في ظل انعدام الأمن الغذائي وتوقف المرتبات وغياب فرص العمل.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم، كثفت جماعة الحوثي ما تسميه "فعاليات التهيئة والاستعداد لرمضان"، وهي أنشطة ذات طابع تعبوي وطائفي، يقول موظفون إن تمويلها يتم عبر استنزاف إيرادات المكاتب التنفيذية وفرض إتاوات إضافية، بدلًا من توجيه الموارد لصرف المرتبات أو تحسين الخدمات.
ومع اقتراب الشهر الفضيل، تتجدد آمال الفقراء بوصول الصدقات والمساعدات، إلا أن الحوثيين يفرضون قيودًا تمنع توزيع الصدقات مباشرة على المحتاجين، ويحتجزون أو يغرمون من يخالف تلك التعليمات، ويرى تجار أن الجماعة تسعى لاحتكار العمل الخيري وكسب الولاء الاجتماعي، بينما تُحرم شريحة واسعة من الفقراء من المساعدات.
في المقابل، تعتمد الجماعة نظام قسائم تموينية مخصصة لمنتسبيها وقياداتها، تتيح لهم شراء احتياجات رمضان كاملة، وأحيانًا مواد كمالية، في وقت يبحث فيه آلاف المحتاجين عن الحد الأدنى من الغذاء، وسط توقف شبه كامل للمشاريع الإنسانية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه السياسات يكرّس اقتصاد الجباية على حساب الاقتصاد الإنتاجي، ويعمّق الفجوة بين فئات المجتمع، حيث تتآكل الطبقة الوسطى وتتوسع دائرة الفقر.
ويؤكدون أن تحويل شهر رمضان إلى موسم تعبئة أيديولوجية وجمع أموال يعكس توجّهًا ممنهجًا لاستغلال المعاناة الإنسانية، محذرين من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مزيد من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، ويهدد ما تبقى من قدرة المجتمع اليمني على الصمود.
