قراءة في الصحف العالمية.. الشرق الأوسط على صفيح ساخن

الأربعاء 04/مارس/2026 - 10:20 ص
طباعة  قراءة في الصحف العالمية.. حسام الحداد
 
مع دخول العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يومها الخامس، وجدت المنطقة نفسها أمام تحولات ميدانية متسارعة كسرت كل التوقعات الأولية بشأن طبيعة الصراع، حيث تطورت العمليات من ضربات "جراحية" محدودة إلى مواجهة عسكرية إقليمية مفتوحة وشاملة بدأت ملامحها تتشكل بوضوح على مساحات جغرافية واسعة. وقد تصدرت هذه التطورات الدراماتيكية عناوين كبرى الصحف ووكالات الأنباء العالمية، بدءاً من "نيويورك تايمز" وصولاً إلى "رويترز" و"سي إن إن"، التي رصدت بوضوح توسع رقعة النزاع وانتقاله إلى ساحات الخليج ولبنان، مما وضع المجتمع الدولي برمته أمام مشهد جيوسياسي ملتهب يهدد أمن الطاقة العالمي ويؤذن باضطرابات اقتصادية كبرى، وسط خطاب سياسي أمريكي يصر على تقويض القدرات الإيرانية وضغوط ميدانية وإنسانية متفاقمة جعلت من الصعب التنبؤ بأي مسارات للتهدئة في ظل أزمة بدأت تفرض منطق "كسر العظم" على الجميع.

المشهد الميداني: تصعيد وتوسيع للرقعة الجغرافية
تتسم العمليات العسكرية التي أطلقت عليها واشنطن اسم "إيبك فيوري" (Epic Fury) بتصاعد غير مسبوق في حدة العمليات، متجاوزةً التوقعات الأولية لمحدودية المواجهة. ووفقاً لـ "نيويورك تايمز"، فقد شنت إسرائيل موجة واسعة من الضربات المركزة التي استهدفت مواقع إطلاق الصواريخ والدفاعات الجوية الإيرانية، مدعومة بقوة نارية أمريكية هائلة تشمل مشاركة أكثر من 50 ألف جندي و200 طائرة وحاملتي طائرات، في عمليات وصفها القادة العسكريون بأنها ضربات مستمرة على مدار الساعة "من قاع البحر إلى الفضاء". وفي المقابل، أشار تقرير "رويترز" إلى أن هذه الحملة تبدو "أمام الجدول الزمني" المخطط له، مع تدمير أكثر من 2000 هدف إيراني، بما في ذلك إغراق 17 سفينة وتدهور شبه كامل للقدرات الدفاعية البحرية والجوية الإيرانية، مما جعل طهران تبدو كـ "مدينة أشباح" تحت وطأة القصف المستمر.
على صعيد التوسع الجغرافي للنزاع، لم تعد المواجهة محصورة بين طهران وتل أبيب، بل اتخذت طابعاً إقليمياً سريع الامتداد. أفادت "سي إن إن" بأن إيران وسعت نطاق ردها العسكري ليشمل استهدافات في دول الخليج، مما دفع المملكة العربية السعودية إلى تفعيل دفاعاتها وإسقاط مسيرات وصواريخ كروز، في حين أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء فورية لـ 16 منطقة في جنوب لبنان بعد قصفها لمبنى في منطقة أرمون. هذا التحول نحو "استراتيجية نشر النطاق" يهدف بوضوح إلى إرباك التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وتشتيت جهوده الدفاعية والهجومية عبر عدة جبهات في آن واحد، وهو ما انعكس في تهديدات ترامب العلنية بأن القوات الجوية والبحرية الإيرانية قد تم "إخراجها" من المعادلة العسكرية.
تفرض هذه الحرب فاتورة بشرية متزايدة تضع ضغوطاً سياسية محلية وعالمية مكثفة على الدول المعنية، وهو ما تبرزه التقارير الغربية بوضوح. فقد أكدت "نيويورك تايمز" مقتل 4 جنود أمريكيين في الكويت، بينما نقلت "سي إن إن" مقتل فتاة في الحادية عشرة من عمرها جراء شظايا في الكويت أيضاً، بالإضافة إلى مقتل 3 مسعفين في لبنان. وتتفاقم المأساة الإنسانية مع تقرير "رويترز" الذي وثق سقوط 787 قتيلاً مدنياً، من بينهم 165 طفلة في إحدى المدارس، وهو ما أثار انتقادات حادة من دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا التي نددت بـ "انتهاك القانون الدولي". هذا التداخل بين الخسائر العسكرية المباشرة والمعاناة المدنية الواسعة يعقد المشهد الميداني ويجعل مسارات التهدئة أكثر صعوبة مع كل يوم يمر من عمر المواجهة.

التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية
تتوالى التداعيات الاقتصادية لتتحول إلى المحرك الرئيسي للقلق في العواصم العالمية، حيث يواجه الاقتصاد الدولي صدمة حادة مع دخول الحرب يومها الخامس. فقد أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الأسواق الآسيوية شهدت انهيارات متسارعة نتيجة حالة الذعر المرتبطة بتصاعد التوترات العسكرية، بينما أكدت "سي إن إن" في تحديثاتها المباشرة أن هذا التراجع الحاد في الأسواق ليس إلا انعكاساً لمخاوف المستثمرين من تداعيات القفزات غير المسبوقة في أسعار النفط الخام. تعكس هذه الأرقام الاقتصادية قناعة دولية متزايدة بأن الأزمة الحالية تجاوزت نطاقها العسكري لتصبح أزمة مالية عالمية قد تعيد صياغة خريطة التجارة الدولية على المدى القريب.
وعلى صعيد أمن الطاقة، يمثل إغلاق مضيق هرمز تحدياً وجودياً لسلاسل الإمداد العالمية، إذ أكد تقرير "رويترز" أن إيران قد بدأت بالفعل في إغلاق المضيق جزئياً، متبوعة بهجمات مباشرة على سفن ومنشآت طاقة في الخليج، مما دفع الإدارة الأمريكية لدراسة خيارات تصعيدية حاسمة. وفي هذا السياق، كشفت "رويترز" عن تداول مقترحات أمريكية تتضمن توفير مرافقة بحرية ناقلات النفط التجارية، وهو تحرك إن تم تنفيذه سيعني تعزيزاً عسكرياً دولياً غير مسبوق في الممرات المائية الحيوية، مما قد يحول الطرق التجارية المدنية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، ويزيد من تعقيد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
أما الموقف الأوروبي، فيشهد تباعداً واضحاً بين الخطاب السياسي والتحركات الميدانية العملية. فقد رصدت "رويترز" انتقادات حادة من قبل ألمانيا وفرنسا، اللتين نددتا بـ "المخاطر" الكبيرة لهذه العمليات واعتبرتاها انتهاكاً للقانون الدولي، مما يعكس هوة دبلوماسية مع الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، فإن هذا النقد يواجه واقعاً عملياً مختلفاً؛ إذ أفادت "سي إن إن" بأن الدول الأوروبية تسارع الآن لإجلاء رعاياها من المنطقة، بالتزامن مع أوامر أمريكية بتقليص طاقم السفارات في كل من السعودية وعُمان وقبرص. هذا التناقض بين الخطاب الدبلوماسي الرافض والتحرك العاجل للإجلاء يعد مؤشراً قوياً على انعدام الثقة الدولية في إمكانية احتواء النزاع أو التوصل إلى تهدئة وشيكة.

قراءة في الخطاب السياسي
تتبنى الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس ترامب، خطاباً عسكرياً يركز على "تقويض القدرات الإيرانية" كأولوية استراتيجية عليا، واضعةً نصب عينيها شلّ القوة العسكرية الإيرانية بشكل كلي. وفقاً لتقارير "نيويورك تايمز"، تركز واشنطن ضمن عملية "إيبك فيوري" (Epic Fury) على تحييد الدفاعات الجوية والبحرية الإيرانية لمنع أي رد فعل مؤثر، وهو ما أكدته تصريحات ترامب حول أن القوات الإيرانية قد تم "إخراجها" من ميزان القوى. هذا الخطاب لا يكتفي بالرد العسكري، بل يطرح أهدافاً سياسية بعيدة المدى، حيث تشير تغطيات "سي إن إن" إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في هذه الضربات فرصة لفرض واقع جيوسياسي جديد، معتمدة في ذلك على تفوق جوي وبحري واسع يهدف إلى عزل مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية عن الميدان بشكل كامل.
على الجانب الآخر، وعلى الرغم من "الضربات القاسية" التي وصفتها "رويترز" بأنها حولت العاصمة الإيرانية إلى ما يشبه "مدينة أشباح"، تظهر طهران خطاً خطابياً يحاول الحفاظ على "تماسك استراتيجي" رغم الخسائر الكبيرة. تبرز التقارير أن طهران تحاول استيعاب الصدمة عبر توزيع المسؤوليات العسكرية والاستمرار في استهداف مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو ما يعكس محاولة إيرانية لنقل المعركة من كونها "حرباً مباشرة" إلى "حرب استنزاف إقليمية". وبينما تشدد "سي إن إن" على حجم الخسائر البشرية في صفوف المدنيين والقادة، تشير التحليلات الميدانية إلى أن خطاب القيادة الإيرانية يراهن على تشتيت التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من خلال توسيع رقعة النزاع، في محاولة يائسة لإثبات أن الهيكل العسكري لا يزال قادراً على الرد رغم تعرضه لتفكيك ممنهج لمركزه القيادي.

خلاصة القول:
نحن أمام مرحلة "كسر العظم" في الشرق الأوسط. الصحافة العالمية تعكس الآن قلقاً متزايداً من أن الديناميكيات العسكرية، التي كانت تهدف في البداية إلى "الردع" أو "التحجيم"، بدأت تفرض منطقها الخاص على الأرض، مما يجعل العودة إلى التهدئة أمراً معقداً للغاية في المدى المنظور.

شارك