من الدعم الإيراني إلى اختبار البقاء.. مستقبل الحوثيين بعد غياب علي خامنئي

الجمعة 06/مارس/2026 - 10:04 ص
طباعة من الدعم الإيراني فاطمة محمد علي
 
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز تساؤلات متزايدة حول مستقبل شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تواجهها طهران. 
وفي هذا السياق، قدم مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية ورقة تحليلية تستعرض تداعيات غياب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي على بنية النظام الإيراني وعلى حلفائه الإقليميين، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن.
وتشير الورقة إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات عميقة تمس بنية النظام الإيراني وشبكة نفوذه العابرة للحدود، في وقت تتقاطع فيه الضغوط العسكرية الخارجية مع التحديات الداخلية.
 ووفقاً للتحليل، فإن غياب خامنئي لا يمثل مجرد فقدان لقيادة سياسية، بل قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى داخل إيران وخارجها، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على الجماعات المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة.
العلاقة بين إيران والحوثيين.. من الدعم إلى الشراكة الوظيفية
توضح الورقة أن العلاقة بين إيران والحوثيين لم تكن مجرد دعم سياسي عابر، بل تطورت عبر السنوات إلى شراكة وظيفية تقوم على المصالح الاستراتيجية والروابط الأيديولوجية، فقد عملت طهران على تحويل الجماعة إلى أداة ضمن استراتيجيتها لإدارة الصراع الإقليمي غير المباشر، خصوصاً في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية مثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
ومع مرور الوقت، توسعت هذه العلاقة لتشمل مجالات متعددة، أبرزها نقل التكنولوجيا العسكرية، وتقديم التدريب والدعم اللوجستي، إلى جانب الإسناد السياسي والإعلامي، وقد سمح هذا النموذج لإيران بممارسة الضغط على خصومها الإقليميين دون الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية.
لكن هذه المنظومة – وفق الورقة – تعتمد إلى حد كبير على وجود مركز قرار قوي في طهران قادر على تنسيق الأدوار بين مختلف الأذرع الإقليمية، وهو الدور الذي كان يمثله موقع المرشد الأعلى.
اختبار وجودي لشبكة النفوذ الإيراني
وترى الورقة أن غياب القيادة العليا في إيران، بالتزامن مع الضربات العسكرية التي تستهدف بنيتها الأمنية والعسكرية، يضع منظومة النفوذ الإيراني أمام اختبار حقيقي. فالنظام الإيراني لا يقوم فقط على المؤسسات الرسمية، بل يعتمد بدرجة كبيرة على شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والولاءات التي تتركز حول موقع المرشد.
وبالتالي فإن أي فراغ في هذا الموقع قد يؤدي إلى اهتزاز في آليات اتخاذ القرار، ويؤثر على قدرة طهران على إدارة علاقاتها مع حلفائها الإقليميين، بما في ذلك الحوثيون.
التأثير الأيديولوجي والرمزي على الحوثيين
تلفت الورقة إلى أن أولى تداعيات هذا التحول تظهر على المستوى الرمزي والعقائدي. فقد شكلت القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى، مرجعية معنوية تمنح الحوثيين شرعية تتجاوز حدودهم المحلية.
وفي حال غياب هذه المرجعية، قد تواجه الجماعة فجوة في خطابها الأيديولوجي، ما يدفعها إلى تصعيد خطابها التعبوي وتعزيز سرديات "المظلومية" و"المواجهة". وترى الورقة أن هذا التصعيد لا يعكس بالضرورة قوة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تثبيت الهوية في لحظة اضطراب سياسي.
تحديات الدعم العسكري واللوجستي
أما التأثير الأعمق فيتعلق – بحسب الورقة – بالجانب العملي المرتبط بالدعم العسكري. فقد لعبت إيران دوراً محورياً في تطوير القدرات القتالية للحوثيين، سواء عبر نقل التكنولوجيا العسكرية أو التدريب أو توفير الموارد.
لكن مع تعرض هذه الشبكات لضغوط متزايدة، قد يصبح استمرار هذا الدعم أكثر صعوبة، خاصة في ظل انشغال طهران بإدارة أزماتها الداخلية والخارجية. ولا يعني ذلك بالضرورة توقف الدعم بالكامل، لكنه قد يصبح أكثر محدودية وانتقائية، وهو ما قد يؤثر على قدرة الحوثيين في الحفاظ على مستوى عملياتهم العسكرية.
احتمالات التحول نحو الموارد المحلية
تشير الورقة أيضاً إلى أن تراجع الدور الإيراني قد يدفع الحوثيين إلى تعزيز اعتمادهم على الموارد المحلية. وقد يترجم ذلك إلى زيادة السيطرة الاقتصادية وفرض الجبايات لتأمين مصادر التمويل.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر داخلية، إذ قد يؤدي إلى تصاعد الاحتكاك مع المجتمع المحلي، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
مستقبل الحوثيين.. ثلاثة مسارات محتملة
ترى الورقة أن مستقبل الحوثيين في ظل هذه التحولات يمكن قراءته عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول يتمثل في الانكماش التدريجي، حيث يؤدي تراجع الدعم الإيراني إلى إضعاف قدرات الجماعة، ما يدفعها إلى التركيز على تثبيت سيطرتها داخل اليمن.
أما المسار الثاني فيتمثل في التحول نحو استقلال نسبي، بحيث تسعى الجماعة إلى إعادة تعريف نفسها كفاعل محلي يمتلك أجندته الخاصة، مع الإبقاء على روابط محدودة مع إيران.
في حين يتمثل المسار الثالث – وهو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير – في التصعيد غير المتوازن، حيث قد تلجأ الجماعة إلى تكثيف العمليات العسكرية لإثبات استمرار حضورها كقوة مؤثرة في المعادلة الإقليمية.
انعكاسات إقليمية ودولية
تؤكد الورقة أن التحولات داخل إيران قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، خاصة في المناطق الحيوية مثل البحر الأحمر. وقد يدفع ذلك القوى الدولية والإقليمية إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي بهدف احتواء أي تصعيد محتمل.
كما قد تفسر هذه التطورات على المستوى الدولي باعتبارها فرصة لإعادة إحياء مسار التسوية السياسية في اليمن، مستفيدة من احتمال تراجع أحد الأطراف الداعمة للصراع. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المحلية للدخول في عملية سياسية حقيقية.
ويرى المراقبون أن الورقة التي قدمها مركز المستقبل اليمني تعكس قراءة استراتيجية لتحولات قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي في حال حدوث فراغ في القيادة الإيرانية. فشبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية اعتمدت بدرجة كبيرة على مركزية القرار في موقع المرشد، وهو ما يجعل أي تغيير في هذا الموقع عاملاً مؤثراً على حلفائها الإقليميين.
ويعتقد محللون أن جماعة الحوثي قد تسعى في المدى القريب إلى إظهار قدر أكبر من التصعيد لإثبات حضورها في المعادلة الإقليمية، غير أن الاتجاه العام يشير إلى مرحلة إعادة تموضع قد تدفع الجماعة تدريجياً نحو التركيز على الداخل اليمني أو البحث عن صيغة جديدة للعلاقة مع إيران. وفي كل الأحوال، تبدو المرحلة المقبلة أكثر تقلباً، ليس فقط بالنسبة لليمن، بل للمنطقة بأكملها.

شارك