يهود إيران ضد حرب أمريكا وإسرائيل…" القصة الكاملة"
الجمعة 06/مارس/2026 - 10:23 ص
طباعة
روبير الفارس
قد لا يعرف كثيرون أن هناك جالية يهودية ما زالت تعيش داخل إيران حتى اليوم، وهي من أقدم الجماعات اليهودية في العالم. والمفارقة أن غالبية هذه الجالية تعلن معارضتها للصهيونية وترفض الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الدائرة حالياً ضد إيران.
وتتسم مواقف القيادات اليهودية داخل إيران بالحذر الشديد. فبحكم طبيعة النظام السياسي والصراع الحاد بين طهران وتل أبيب، يحرص قادة الجالية على التأكيد دائماً على التمييز بين اليهودية كدين والصهيونية كمشروع سياسي. وغالباً ما تصدر عنهم بيانات تنتقد السياسات الإسرائيلية أو تدين الهجمات العسكرية التي تتعرض لها إيران.
وفي هذا السياق أعلن ممثل اليهود في البرلمان الإيراني " همايون سميح نجف آبادي" أن ما وصفه بـ«النظام الصهيوني» هو المسؤول عن التصعيد العسكري ضد إيران، مؤكداً أن يهود البلاد يقفون إلى جانب وطنهم في مواجهة أي اعتداء خارجي.
ومع ذلك، يعيش يهود إيران وضعاً دقيقاً وحساساً بين هويتهم الدينية والواقع السياسي المحيط بهم. فالصراع المستمر بين إيران وإسرائيل يجعلهم أحياناً عرضة للشك أو للتساؤلات حول موقفهم، ولذلك يُطلب من قياداتهم في بعض المناسبات إعلان الولاء للدولة الإيرانية وإدانة السياسات الإسرائيلية، في محاولة لتجنب أي ضغوط سياسية أو اجتماعية.
عددهم
اليوم يتراوح عدد اليهود داخل إيران بين نحو ثمانية آلاف وخمسة عشر ألف شخص وفق تقديرات مختلفة، بعد أن كان عددهم يقارب مائة ألف يهودي قبل الثورة الإسلامية عام 1979. وقد هاجر معظمهم بعد الثورة إلى إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، بينما فضّل قسم منهم البقاء في وطنهم التاريخي. وتتركز الجالية الحالية أساساً في مدن طهران وأصفهان وشيراز ويزد
ورغم صغر عددهم، تعترف الدولة الإيرانية رسمياً باليهودية كإحدى الديانات المعترف بها في البلاد. ولليهود مقعد مخصص في البرلمان الإيراني (مجلس الشورى)، كما توجد عشرات المعابد والمدارس والمؤسسات الخاصة بالجالية. ويُعد النائب اليهودي حالياً "همايون سميح نجف آبادي" ممثلاً للجالية في البرلمان.
أما على المستوى الديني، فتُعد أبرز شخصية حاخامية في إيران اليوم الحاخام الأكبر "يهودا جيرامي"، الذي يقود المؤسسات الدينية اليهودية في البلاد. وقد ظهر في مناسبات عدة يؤكد أن اليهود في إيران يعتبرون أنفسهم جزءاً من المجتمع الإيراني، ويمارسون شعائرهم الدينية بصورة علنية داخل المعابد والمدارس اليهودية.
قصة اليهود في إيران
يهود إيران اليوم هم بقايا واحدة من أقدم الجماعات اليهودية في الشرق. ويعود أصل وجودهم في بلاد فارس إلى ما يقرب من 2700 عام، عندما نُقل عدد كبير من اليهود إلى المنطقة بعد السبي البابلي(العراق ) في القرن السادس قبل الميلاد. وبعد سقوط بابل، سمح الملك الفارسي كورش الكبير لليهود بالعودة إلى القدس، غير أن قسماً كبيراً منهم فضّل البقاء في الأراضي الفارسية، حيث استقروا هناك وشكلوا نواة الجالية اليهودية التي استمرت عبر القرون.
لذلك فإن معظم يهود إيران المعاصرين يُعدّون امتداداً تاريخياً لتلك الجالية القديمة التي استقرت في الإمبراطورية الفارسية منذ العصور التوراتية.
ويذكر القمص أنطونيوس فكري في شرحه للأسفار التاريخية في العهد القديم أن السبي البابلي انتهى عندما سقطت مملكة بابل بيد كورش ملك فارس، الذي عُرف بكرمه وتسامحه مع الشعوب الخاضعة لحكمه. ويشير إلى أن تقدير كورش لليهود ولإلههم ازداد – بحسب الروايات الدينية – بعد حادثة النبي دانيال في جب الأسود، التي نجا منها دون أذى.
كما تذكر بعض الروايات أن النبي دانيال أطلع كورش على النبوات التي وردت في سفر إشعياء والتي تذكر اسمه صراحة، وكذلك نبوات إرميا الخاصة بمدة السبي وسقوط مملكة بابل، فاعتبر كورش ذلك بمثابة دعوة إلهية لإطلاق سراح اليهود والسماح لهم بالعودة إلى أورشليم.
ويضيف القمص أنطونيوس في تفسيره أن الذين عادوا من السبي لم يفقدوا تبعيتهم السياسية لملك فارس، بل ظلوا خاضعين لسلطته، وكان هناك والي فارسي يحكم أورشليم وما حولها. كما كانت أحوال الشعب في تلك الفترة صعبة للغاية، إذ أحاطت بهم شعوب معادية كانت تستغل أي فرصة للشكوى منهم لدى السلطات.
وكان عليهم كذلك دفع الجزية والخراج للملك، إضافة إلى الضرائب المحلية، بينما كانت الأرض فقيرة الإنتاج، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الاستدانة من إخوتهم، كما يذكر سفر نحميا. ومع ذلك، سمح كورش لليهود بحرية العبادة وممارسة شعائرهم الدينية، وهو ما مكّنهم من إعادة تنظيم حياتهم الدينية وبناء مجتمعهم من جديد.
وهكذا، فإن وجود اليهود في إيران اليوم ليس نتيجة هجرة حديثة، بل هو امتداد تاريخي لجالية عاشت في هذه المنطقة منذ آلاف السنين. ورغم تقلص عددهم بشكل كبير بعد ثورة 1979، ما زالت هذه الجالية تمارس شعائرها الدينية وتحافظ على مؤسساتها، لكنها تعيش في الوقت نفسه توازناً دقيقاً بين الحفاظ على هويتها الدينية وبين واقع الصراع السياسي الحاد بين إيران وإسرائيل.
