هندسة الإقصاء: كيف يحوّل تنظيم "داعش" العقيدة إلى "مقصلة سياسية" ضد الأمة؟

الأحد 08/مارس/2026 - 08:56 ص
طباعة هندسة الإقصاء: كيف حسام الحداد
 
تأتي افتتاحية العدد 537 من صحيفة "النبأ" لتمثل ذروة التوظيف الأيديولوجي للأحداث الدولية، حيث يحاول تنظيم "داعش" إعادة صياغة الواقع الجيوسياسي المتفجر عبر عدسة "المفاصلة العقدية" المطلقة. يسعى الخطاب في جوهره إلى تجريد المسلم من أدواته السياسية والاجتهادية، دافعاً إياه نحو زاوية حرجة لا تعترف إلا بـ "نقاء التنظيم" في مقابل "كفر العالم" أجمع. إن هذا الطرح لا يكتفي بمجرد توصيف الصراع بين القوى الكبرى (الأمريكية والإيرانية) كصراع بين "أهل الظلم"، بل يتجاوز ذلك ليجعل من موقف المتفرج الشامت عبادةً شرعية، ومن التحليل السياسي البراغماتي ردةً عما يصفه بأصول الدين، محاولاً بذلك سد المنافذ أمام أي حراك إسلامي شعبي قد يتقاطع موضوعياً مع قوى إقليمية لا تروق لمزاجه الحركي.
وفي عمق هذا التفكيك، نجد أن التنظيم يمارس نوعاً من "الابتزاز الأيديولوجي" الذي يخلط عمداً بين الثوابت العقدية والمتغيرات السياسية، محولاً الدين من مظلة جامعة للأمة بشتى أطيافها إلى "مانيفستو" إقصائي ضيق. إن استخدام نصوص الولاء والبراء وسنن التدافع في هذا السياق لا يستهدف العدو الخارجي بقدر ما يستهدف "تحصين" الأتباع من الانخراط في قضايا الأمة الكبرى -كالقضية الفلسطينية أو مواجهة المشاريع الاستعمارية- بدعوى عدم نقاء الرايات. إنها محاولة هندسية لعزل الوعي المسلم داخل "جزر منعزلة"، حيث يتم استبدال فقه المقاصد والموازنات بعقيدة صفرية انتحارية، تجعل من الفوضى الشاملة بيئة مثالية لإعادة تدوير التنظيم لنفسه كبديل وحيد وشرعي في قلب الدمار.

حصر "الولاء" في النموذج التنظيمي
يعمد خطاب "النبأ" إلى ممارسة عملية "اختطاف دلالي" للمفاهيم القرآنية الكبرى، وفي مقدمتها مفهوم "حزب الله" الوارد في قوله تعالى: $وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ$. يستخدم التنظيم هذا النص ليحصر صفة "الإيمان" و"الحزبية الربانية" حصرياً في أتباعه ومن دان ببيعة أميره، معتبراً أن "الولاء" لا يتحقق إلا بالانضواء تحت هيكليته التنظيمية. هذا التضييق يتصادم مع التفسير المقاصدي للآية؛ حيث يذكر الإمام الطبري في "جامع البيان" أن "الذين آمنوا" هم عامة المؤمنين الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرائعه، دون حصرهم في جماعة حركية بعينها، مما يجعل محاولة التنظيم "تأميم" هذا الوصف لصالحه نوعاً من تحريف دلالة النص لخدمة أغراض سياسية ضيقة.
وفي سياق التفكيك العقدي، يمارس التنظيم ما يمكن تسميته بـ "احتجاز الولاء"، حيث ينقل مفهوم "الولاء والبراء" من فضاء العقيدة القلبي الذي يربط المسلم بأمته، إلى فضاء "التبعية التنظيمية" الصارمة. وبموجب هذا الفهم، يصبح "الولاء لله" مرادفاً "للولاء للتنظيم"، وكل من يخرج عن هذه الدائرة يوضع في خانة "العداء" أو "نقص الإيمان". هذا المسلك ينقده الإمام الشاطبي في "الاعتصام" حين حذر من "التحزب" الذي يفرق الأمة ويجعل لكل طائفة أصلاً تعادي عليه وتوالي عليه غير أصل الإسلام الجامع. إن التنظيم بهذا الفعل يحاول تنصيب نفسه "وكيلاً حصرياً" عن الله في الأرض، معتبراً أن "الغلبة" الموعودة في الآية هي غلبة عسكرية لمشروعه الخاص، وليس انتصاراً للقيم والمبادئ الإسلامية الكبرى.
أما على مستوى النقد الواقعي والشرعي، فإن هذا الحصر يؤدي إلى إخراج مئات الملايين من المسلمين من دائرة "الولاء الإيماني" لمجرد اختلافهم السياسي أو المذهبي مع رؤية التنظيم المتطرفة. إن الولاء في الإسلام، كما يقرر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"، هو ولاء مشترك يثبت لكل مؤمن بقدر ما عنده من إيمان وتقوى، ولا يجوز قطعه بالكلية لمجرد وقوع العبد في معصية أو تأويل سائغ أو اختلاف في الاجتهاد السياسي. إن ادعاء التنظيم بأنه "الفسطاط الوحيد" للإيمان هو إلغاء لكيان "الأمة" واستبداله بـ "العصبية الحركية"، وهو ما يحوّل الدين من رحمة للعالمين إلى أداة للصراع الصفري وتفتيت المجتمعات المسلمة من الداخل تحت ستار التوحيد المزعوم.

توسيع دائرة "البراء" ليشمل الخصوم السياسيين
يمارس خطاب "النبأ" عملية تصعيد خطيرة في مفهوم "البراء"، حيث ينقله من كونه بغضاً للكفر والمعاصي إلى كونه أداة لتكفير الخصوم السياسيين والحركات المنافسة. يرى النص أن أي شكل من أشكال "التقاء المصالح" مع أطراف دولية أو إقليمية (مثل المحور الإيراني أو الغربي) هو "خروج عن الملة" وردة مغلظة، معتبراً أن "المصلحة السياسية" ما هي إلا قناع لـ "التقاء المناهج" الكفرية. هذا التفكيك العقدي المتشدد يتجاوز ما استقر عليه أئمة الإسلام؛ فـ الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" يفرق بوضوح بين "الموالاة" التي هي نصرة الكافر على دينه، وبين "الاستعانة" أو "المعاملة" التي تفرضها الضرورات والمصالح الدنيوية، وهو تفريق يهدمه التنظيم ليجعل من كل مناورة سياسية كفراً مخرجاً من الملة.
وفي سياق النقد الشرعي، يغفل الخطاب تماماً "فقه الضرورات" والقواعد الحاكمة للسياسة الشرعية التي تبيح للمسلمين اتخاذ مواقف براغماتية لحماية بيضة الإسلام. فالسيرة النبوية زاخرة بنماذج للتحالفات مع غير المسلمين لدرء مفاسد أكبر؛ مثل "حلف الفضول" الذي أثنى عليه النبي ﷺ، أو استعانته بقبيلة "خزاعة" وهم على شركهم في مواجهة قريش، وكذلك عقد "صلح الحديبية" الذي رآه البعض في وقتها "دنية في الدين" بينما سماه القرآن فتحاً مبيناً. وبحسب الإمام الشاطبي في "الموافقات"، فإن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، وهو ما ينسفه التنظيم باستبدال "فقه الموازنات" بـ "عقيدة صدامية" انتحارية تستعدي العالم أجمع في وقت واحد، وتلغي أي مساحة للمناورة الاستراتيجية.
إن هذا التوسيع المتعمد لدائرة "البراء" يهدف إلى عزل الشعوب المسلمة عن أي مشروع مقاومة واقعي لا يتبنى أيديولوجيا التنظيم الصفرية. فمن خلال وصم كل من يتحالف مع قوة إقليمية ضد أخرى بـ "التبعية والردة"، يحاول التنظيم تجريد الأمة من خياراتها الدفاعية ووضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الفناء تحت وطأة القوى العظمى، أو الانضواء تحت رايته التي لا تعترف بتعقيدات الواقع. إن النتيجة النهائية لهذا الفكر، كما يؤكد العلامة ابن عاشور في "مقاصد الشريعة"، هي إيقاع الأمة في "الحرج الضيق" الذي رفعه الله عنها، وتحويل الدين من حصن للمؤمنين إلى قيد يمنعهم من حماية أنفسهم واسترداد حقوقهم بوسائل السياسة المتاحة.

توظيف "الاستراحة من الكفار"
يعتمد خطاب "النبأ" على استدعاء تراثي لتبويب الإمام النسائي في "سننه" تحت عنوان "باب الاستراحة من الكفار"، مستشهداً بحديث الجنازة الشهير: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها... والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب». يحاول التنظيم عبر هذا الاستدعاء إضفاء صبغة "تعبدية" على مشاعر الشماتة بهلاك الخصوم السياسيين، وتصوير موتهم كنعمة تستوجب الشكر استناداً لقوله تعالى: $فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ$. بيد أن هذا التوظيف يغفل سياق الحديث الذي يفرّق فيه الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" بين الفجور الذي يؤذي العباد والبلاد وبين الصراعات السياسية والمذهبية المعقدة، محولاً النص من كونه توصيفاً لمصير الأخروي أو أثر اجتماعي عام، إلى "صك غفران" لأي عملية اغتيال أو هلاك عارض لخصوم التنظيم.
وفي سياق التفكيك العقدي، تبرز الخطورة في خلط التنظيم المتعمد بين (الكفر الاعتقادي المخرج من الملة) و(الخلاف المذهبي التاريخي) و(الخصومة السياسية المعاصرة). فبينما يقرر الإمام البغوي في "معالم التنزيل" أن الحمد في الآية المذكورة هو تعليم للمؤمنين بحمد الله على كفاية شر الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله بالكلية، نجد التنظيم يسحب هذا الحكم على كل من يختلف معه في "مشروعه الحركي"، معتبراً هلاكهم "استراحة للأمة". هذا الخلط المنهجي يلغي الفوارق بين عدوٍ محارب للأمة ككيان، وبين طرفٍ إقليمي يخوض صراعاً جيوسياسياً مع قوى دولية أخرى؛ مما يجعل "الظلم" في قاموس التنظيم مرادفاً لكل من لا يبايعه، وهو تضييق مخل للمفاهيم الشرعية الواسعة.
أما من الناحية النقدية، فإن "الفرح" الذي يروّج له الخطاب ليس احتفاءً باستقرار الأمة أو أمنها، بل هو "احتفاء بتعزيز الفوضى" وتوسيع دائرة الصراع. فبينما يرى الفقهاء أن "الاستراحة" تتحقق بزوال الأذى وحقن الدماء وعمارة الأرض، يرى التنظيم أن هلاك هؤلاء القادة بأيدي قوى دولية أخرى هو نجاح لسياسته الصفرية. إن هذا الموقف، كما ينبه ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين"، يتنافى مع "مقاصد الشريعة" التي تدور حول درء المفاسد؛ فغياب قيادات إقليمية في ظل تغوّل قوى استعمارية قد يؤدي إلى مفاسد أعظم وفتن أعم، وهو ما يتجاهله التنظيم الذي يقتات على "فراغ السلطة" وانهيار الدول ليعيد تدوير نفسه كبديل وحيد في ساحات الدمار.

المأزق العقدِي في خطاب "النبأ"
يمارس خطاب "النبأ" ما يمكن تسميته بـ "الابتزاز العقدِي" ضد الحركات الإسلامية والشعوب التي أبدت تعاطفاً مع خصوم أمريكا وإسرائيل في المنطقة، واصفاً مواقفهم بأنها "سقوط في أصول الدين". يسعى التنظيم من خلال هذا الطرح إلى حشر المسلم في زاوية ضيقة وخيارين صفريين: إما الفرح المطلق بهلاك خصم التنظيم (المحور الإيراني) لإثبات "صحة العقيدة"، أو اعتبار الحزن عليهم "ردة وتولياً للروافض". هذا المنطق الصدامي يتجاهل تماماً القاعدة الفقهية التي قررها الإمام العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام"، والتي تنص على أن "تقديم أهون الشرين واجب عند تزاحم المفاسد"، حيث قد يرى المسلم في بقاء طرفٍ كاسرٍ لشوكة عدوٍ أشد خطراً (مثل الكيان الصهيوني) مصلحةً راجحةً للأمة، دون أن يعني ذلك إقراراً بعقيدته أو منهج الفصيل المهلك.
وفي سياق التفكيك التحليلي، يرفض التنظيم تماماً "الخيار الثالث"، وهو الموقف العقلاني المستند إلى "فقه الموازنات" و"المصالح العليا للأمة". فبينما يصر خطاب "النبأ" على أن الموالاة والبراء تقتضي القطيعة المطلقة والشماتة في المصائب، يؤكد العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين" أن الأحكام تدور مع المصالح وجوداً وعدماً، وأن الحزن على فقدان جبهة مقاومة (بغض النظر عن هويتها) في مواجهة تغوّل استعماري هو موقف سياسي استراتيجي لا يمس أصل الدين. إن التنظيم بهذا التعنت يغلق الأبواب أمام أي قراءة واقعية لتوازن القوى، معتبراً أن "المفاصلة" تعني بالضرورة خسارة الأمة لجميع أوراق قوتها وتصادمها مع كل الأطراف في آنٍ واحد، وهو ما يخالف الحكمة النبوية في تقليل الأعداء وتكثير الحلفاء.
إن المأزق الحقيقي في هذا الخطاب يكمن في محاولة "تأميم المشاعر" وتوظيفها لخدمة أهداف حركية تحت ستار "التوحيد". فالإحراج الذي يحاول التنظيم توجيهه لـ "الإسلاميين" هو محاولة لفك الارتباط الشعبي عن أي قضية تجمع الأمة (مثل قضية فلسطين) إذا كان أحد أطرافها يتقاطع مع خصوم التنظيم. وبحسب الإمام الشاطبي في "الموافقات"، فإن الشريعة تهدف إلى حفظ الضروريات الخمس، ومنها حفظ "النفس والبيضة"، وهو ما قد يتطلب في مراحل تاريخية معينة الصبر على "شرٍ أدنى" ليدفع الله به "شراً أعظم". وبذلك، يكشف خطاب "النبأ" عن انفصال تام عن مقاصد الشريعة، مفضلاً "النقاء الأيديولوجي" المتخيّل على نجاة الأمة وكيانها الوجودي في مواجهة المشاريع الاستئصالية.

الخلاصة
إن استخدام أدلة "الولاء والبراء" في هذا المقال هو تسييس للدين بامتياز. فبينما يدعي التنظيم تطهير العقيدة، فإنه في الواقع يستخدمها "كغسيل مخ" لمنع عناصره من التفكير في أي مشروع نهضوي أو مقاوم يتجاوز حدود تنظيمهم الضيقة. هو خطاب يريد للأمة أن تبقى "جزرًا منعزلة" يضرب بعضها بعضاً، ليبقى هو "الناجي الوحيد" في فوضى الحروب.

شارك