الدكتور عمر الرداد في حوار خاص للبوابة نيوز : تصنيف إخوان السودان "استدراك" أمريكي لخطورة التنظيم (1)

الخميس 12/مارس/2026 - 11:00 ص
طباعة الدكتور عمر الرداد حوار حسام الحداد
 
شبكات الاستثمار والواجهات الخيرية.. كيف ستحاصر واشنطن أموال الإخوان؟
 من سيد قطب إلى الصراع المسلح: هل تنجح إدارة ترامب في تفكيك "جذور الإرهاب"؟
خيارات انتحارية أم تسوية تاريخية؟ مستقبل الحركة الإسلامية بعد الحظر الأمريكي.

في لحظة فارقة تمر بها القارة الأفريقية، يبرز قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية عالمية (SDGT) كتحول استراتيجي يتجاوز كونه مجرد إجراء قانوني، ليعيد رسم توازنات القوى في قلب الصراع السوداني المحتدم. يأتي هذا الحوار مع الدكتور عمر الرداد، الباحث في الشؤون الاستراتيجية، ليغوص في أعماق هذا القرار، مستعرضاً دلالاته كتصحيح لمسار السياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي، وكأداة "براغماتية" تهدف إلى تجفيف منابع الأيديولوجيا المتطرفة التي تتغذى عليها النزاعات المسلحة، مع تسليط الضوء على كيفية تحول الحركة الإسلامية من شريك في السلطة إلى "عقبة" أمام السلام تحت ضغط العقوبات الدولية.
يمتد الحوار ليفتح ملفات شائكة تتعلق بالارتباطات العابرة للحدود، خاصة التقاطعات بين جماعة الإخوان والمشروع الإيراني في المنطقة، وكيف يسعى هذا التصنيف إلى عزل الوكلاء الإقليميين وتقليص نفوذهم في أفريقيا والخليج. ومن خلال تحليل معمق لبنية الجماعة وتداخلها التاريخي مع مؤسسات الدولة السودانية، يرسم الرداد سيناريوهات مستقبلية معقدة؛ حيث يضع القرار الحركة أمام مأزق الوجود السياسي، وفي الوقت ذاته يمنح القادة العسكريين الوطنيين فرصة للتفاوض بعيداً عن ضغوط الأيديولوجيا "الصفرية"، مما يفتح باباً موارباً -وإن كان صعباً- نحو تسوية سياسية شاملة قد تغير وجه السودان والمنطقة.

نص الحوار:
"دكتور عمر، هل يمكن اعتبار هذا التصنيف الأمريكي في هذا التوقيت تحديداً انعكاساً لتحول في تقييم واشنطن لـ 'محركات النزاع' في السودان؟ وهل نحن أمام بداية استراتيجية أمريكية أوسع لتجفيف منابع التمويل الأيديولوجي للنزاعات في المنطقة؟"
نعم، أعتقد أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين بالسودان -وهي الجماعة الشريكة بالحكم على الأقل وطرف رئيسي بالصراع تحت غطاء الجيش السوداني (البرهان)- أعتقد أنه يعبر عن تحول جديد، لا أقول تحول، بل هو استدراك على ما مضى، لسبب أنه كان لكل المتابعين للإسلام السياسي ولجماعة الإخوان كان مثار استغراب الحقيقة ألا يتم شمول جماعة الإخوان المسلمين بهذا التصنيف، أي أنها جماعة إرهابية، لا سيما وأنها الجماعة الوحيدة التي لها دور بالحكم بعد أن تم تحييدها بمصر وبتونس وبمناطق مختلفة، وبقيت فقط تحمل السلاح إلى جانب الأيدلوجية المتطرفة داخل السودان.
فأعتقد هذا نوع من التوازن الأمريكي والإدراك لخطورة هذا التنظيم وضرورة أن تكون هناك شمولية بالتعامل مع تنظيماته القطرية، وخاصة بالساحة السودانية التي تشهد صراعاً واضحاً منذ أكثر من سنتين، ثلاث سنوات بين جماعة (حميدتي) الدعم السريع والجيش السوداني، وهي تتغطى داخل الجيش السوداني بعد التحالف الذي سبق وبناه حسن الترابي ما بين القوميين وعلمانيين وجماعات مختلفة مع جماعة الإخوان المسلمين بالسودان.

"برأيك، كيف سيؤثر هذا التصنيف على التوازنات الميدانية والعسكرية على الأرض؟ وهل سيؤدي ذلك إلى مزيد من التصلب في مواقف أطراف النزاع، أم أنه قد يضيق الخيارات أمام 'الحركة الإسلامية' السودانية ويضعف موقفها التفاوضي مستقبلاً؟"
نعم، إلى حد كبير جداً، هذا جزء من مشروع أمريكي أعتقد أنه طويل بخصوص تجفيف منابع المرجعية الأيديولوجية للنزاعات بالمنطقة. اليوم نرى على الجانب الآخر، على الشق الآخر من الإسلام السياسي الشيعي، هناك ضرب لمقولات دينية ومقولات الحرب الدينية، ومقولات إخضاع الدين لصالح السياسي ولصالح صراعات لدى أطراف كثيرة. اليوم حزب الله يخوض الحرب على هذه الأسس، أيضاً الحرس الثوري الإيراني يخوض الحرب على هذه الأسس.
وعلى الجانب الآخر، الشق الآخر من الأيديولوجيا المتطرفة التي يتم تبنيها من قبل الجماعات، نجد جماعة الإخوان المسلمين التي لا تختلف في عمق أيديولوجياتها لا بل تتقاطع مع مقولات داعش والقاعدة وغيرها من تنظيمات السلفية الجهادية بالمنطقة. مسألة تجفيف المرجعيات الأيديولوجية المتشددة والمتطرفة بهذه الصيغة أعتقد أنها تحتاج لوقت، وهي خلاف للفصائل أو للجماعات التي تمارس عملاً مسلحاً. بمعنى أنك تستطيع أن تحيد الجماعات التي تمارس الأعمال المسلحة بأعمال مسلحة مقابلة لها.
لكن مسألة الأيديولوجيا هذه تحتاج إلى وقت الحقيقة، وهذا ما بدا عليه التفسخ على الأقل بأيامنا هذه؛ فمنذ السابع من أكتوبر تصدعت الكثير من المقولات الأيديولوجية وحدثت انكشافات عميقة جداً ما بين السياسي والدعوي، السياسي والأيديولوجي المتطرف، السياسي والدين بعناوينها العامة. أصبحت اليوم خلافاً لأي حروب سابقة ولأي صراعات سابقة، هذه المسائل أصبحت مطروحة اليوم على بساط البحث، ويبدو أن الأصوات التي بدأت باكتشاف الحقيقة واستثمار هذه الجماعات للدين تكبر يوماً بعد يوم، وتكتشف أن هذه الجماعات هي جماعات سياسية لكنها تتغطى بالدين وتستثمر مقولات دينية وأيديولوجية، وأن هذا الاستثمار بدأ بالانكشاف وهو ما سينعكس مستقبلاً على صعيد المنطقة ككل.
كما أعتقد الحركة الإسلامية أو جماعة الإخوان بالسودان ستواجه مأزقاً وستضيق بالفعل سلة خياراتها في ظل الصراع القائم حالياً وحتى لو ذهبنا إلى المفاوضات ستكون -بما أنها تحت قائمة الإرهاب الأمريكية- ستكون بموقف صعب.
لا سيما وأنه يتردد اليوم وعلى نطاق واسع أن المستقلين أو القوميين داخل الجيش السوداني لديهم رغبة بالتوصل لاتفاق مع الطرف الآخر وإنجاز تسوية. لكن المشكلة الحقيقية بجماعة الإخوان المسلمين الموجودين داخل السلطة "الشرعية" المعترف بها على الأقل بالسودان بقيادة البرهان، ولطالما سُئلت هذه القيادة عن حجم ومستوى التدخل والتأثير للحركة الإسلامية بالقرارات التي يمكن أن يتخذها البرهان وقيادة الجيش بهذه المرحلة.
وأنا تقديري أنه بالفعل قيادات الجيش المهنية والمستقلة لديها الرغبة بالوصول إلى توافقات مع الطرف الآخر (الدعم السريع)، لكن واضح جداً أن الحركة الإسلامية تشكل عقبة في ظل مقولات إسلاموية مغلقة الحقيقة بـ "كل شيء أو لا شيء".
هذا مؤكد أنه سينعكس بمزيد من الضعف على مواقف الحركة وحتى على الصعيد المدني، بمعنى التعامل مع الحركة من قبل القوى السياسية السودانية؛ اليوم ستبقى أمام تساؤلات إذا ما تعاملت مع حركة إسلامية موصوفة بأنها إرهابية وستخضع لعقوبات من قبل الأمريكان. بمعنى أن هذه الحركة مؤكد أنها ستعيش عزلة، ستضعف مواقفها بشكل كبير، وربما نكون أمام نتائج لهذا الحظر تكون إيجابية بالنسبة للسودان والقضية السودانية ومستقبل السلام."

أشار البيان الأمريكي بوضوح إلى أدوار إقليمية معينة، خاصة الربط مع إيران. كيف تقرأ الرسالة الأمريكية الموجهة للقوى الإقليمية من خلال هذا التصنيف؟ وهل يمثل هذا القرار ضغطاً إضافياً على إيران عبر وكلائها في القارة الأفريقية؟
أعتقد إن هذه الجماعة في إطار ارتباطها مع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين ولجماعات قطرية أيضاً بالمنطقة، وعلى ضوء المواجهات الحالية بين إيران ومن جهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ مواقف الجماعة اليوم واضح أنها تقف إلى جانب إيران.
ولعل السؤال المطروح كان على جماعة الإخوان المسلمين في قطر الذين لم -رغم كل ما قدمته قطر لهذه الجماعة- إلا أنه يبدو أن تحالفهم مع إيران كان أقوى بكثير، فلا حماس ولا قيادات الإخوان ولا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الموجود في قطر وتركيا، الحقيقة لم يدن -ليست يعني ربما كان مقبولاً أن لا يدين الضربات الإيرانية على أهداف مدنية بالإمارات أو بالبحرين أو بالكويت والسعودية- لكن على الأقل حتى قطر لم تنجُ من ذلك.
ويبدو إنه صحيح صدر عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بقطر (وهو واجهة إخوانية) إدانة لكنها كانت خجولة، ربطت بين ثنائية إسرائيل وإيران وأن الأولوية لمواجهة العدو الصهيوني وما شابه من هذا الخطاب، دون إدانة صريحة ومطلقة لاستهدافات إيران لأهداف مدنية ومراكز حيوية في قطر وبقية دول الخليج.
علاوة على ذلك بالسودان تحديداً ظهرت الكثير من الفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بكل أسف لقادة من جماعة الإخوان المسلمين بمن فيهم رتب عسكرية بالقوات المسلحة السودانية يقدمون مقاربات غريبة الحقيقة تؤيد إيران وتطالب بالوقوف إلى جانب إيران ضد الهجمات الصهيوأمريكية عليها، وعلى قاعدة الوقوف ضد إسرائيل، في حين الكل يعلم (يعني كل الأطراف المتصارعة بالسودان) كانت هناك تسريبات تصل إلى حقائق بأن الجميع يرتبط بعلاقات مع إسرائيل، بمعنى أن الأطراف المتصارعة ارتبطت بعلاقات بمستويات مختلفة مع إسرائيل، ربما لا زال بعضها أو كثيراً منها لا زال قائماً حتى اللحظة.
لكن أن يصدر الخطاب بهذه الصيغة أعتقد أنه كان أحد الأسباب ربما التي قُدمت أو اكتُشفت من قبل الولايات المتحدة وكانت مدعاة لضم الإخوان المسلمين بالسودان إلى قائمة الحظر وقائمة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، والتي اقتصرت حتى اللحظة على إخوان الأردن والجماعة الإسلامية في لبنان والإخوان المسلمين في مصر. بالسودان أعتقد هذا مهم، هذا القرار مهم لأنه يؤسس لاتجاهات سلام واتجاهات جديدة بميدان المعارك والمشهد السياسي والعسكري السوداني، وباتجاه (يعني ستكون من أولى مخرجاته) عزل هذه الحركة وعدم التعامل معها بالصيغة التي كانت سابقاً، وكشف تسللها أو استمرار استخدامها غطاءات الجيش السوداني كمؤسسة شرعية تستثمر من قبلها لتنفيذ أجندتها.
وبالنسبة للقارة الأفريقية وجماعة الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي فيها وتحالفه مع إيران؛ نعم، السودان تنظيم الإخوان من أبرز التنظيمات الإخوانية القطرية في أفريقيا. لا شك اليوم الكل سيبتعد عن إيران بصيغة أو بأخرى، ربما نبقى في إطار ما نشهده من بيانات ومواقف إعلامية أو من محللين عبر الفضائيات وعبر منصات إعلامية مختلفة، لكن الحقيقة اليوم إيران هي مهزومة وهي تحت عقوبات، وأصبح كل من يقترب منها الحقيقة سيكون شريكاً لها بالهزيمة وشريكاً لها بالعقوبات.
لذلك، من المتوقع أن بقية التنظيمات الإسلاموية القطرية في أفريقيا الحقيقة ستذهب باتجاهات الابتعاد عن إيران خشية العقوبات الأمريكية، وخشية أن تتعرض الحقيقة لإجراءات ربما أكثر من مستويات العقوبات فقط، بل ربما تتعرض لأعمال عسكرية مضادة، بمعنى أنها تتعرض لاعتقالات، تتعرض لهجوم يفقدها مراكزها وقوة تأثيرها في مناطقها.

شارك