الدكتور عمر الرداد في حوار خاص لـ"البوابة نيوز": تصنيف إخوان السودان "استدراك" أمريكي لخطورة التنظيم (2)
الخميس 12/مارس/2026 - 11:04 ص
طباعة
حوار حسام الحداد
بعد أن أبحر بنا الدكتور عمر الرداد في الجزء الأول من هذا الحوار في تفكيك دلالات القرار الأمريكي بتصنيف إخوان السودان كجماعة إرهابية، ملقياً الضوء على التحولات في تقييم واشنطن لمحركات النزاع السوداني وتقاطعات الجماعة مع المحور الإيراني، ننتقل في هذا الجزء الثاني والأخير لمناقشة الأبعاد الإجرائية والميدانية الأكثر تعقيداً لهذا القرار. حيث يتناول الضيف مدى نجاعة سلاح العقوبات في ملاحقة شبكات الاستثمار العابرة للحدود والالتفافات التنظيمية التي تتقنها الجماعة عبر واجهات "العمل الخيري" والمدارس والمراكز البحثية. كما يستشرف الرداد مستقبل الدور السياسي للحركة الإسلامية داخل بنية الجيش السوداني، وفرص الوصول إلى تسوية سياسية في ظل هذا الضيق الدولي المتزايد، وصولاً إلى قراءة استراتيجية في مدى استمرارية هذه العقيدة الأمريكية تجاه "الإسلام السياسي" مع تعاقب الإدارات في البيت الأبيض.
لطالما تفاوتت الآراء حول فعالية تصنيفات الإرهاب كأداة ضغط سياسي. من منظور خبرتكم، هل تملك واشنطن أدوات حقيقية لتنفيذ هذا القرار بعيداً عن الجانب الرمزي؟ وما هي الثغرات التي قد تستغلها التنظيمات للالتفاف على هذه العقوبات؟"
لا شك أن هناك جانب رمزي بالعقوبات ومدى نجاعتها وقدرتها الحقيقية على تنفيذ العقوبات، لكن يجب ألا نقلل من أهمية العقوبات، خاصة التي تشمل أفراد وكيانات وقيادات من جماعة الإخوان المسلمين. هذه القيادات معروف أنها تملك الكثير من الأموال واستولت على تبرعات ولديها الكثير من الاستثمارات الخفية والمعلنة ربما التي لا تخفى على الأجهزة الأمنية والاستخبارات الأمنية.
لذلك، أعتقد صحيح أنها تتخذ جانباً رمزياً بالعقوبات، لكن العقوبات مؤذية بالنسبة للجماعات الإسلامية، للإخوان المسلمين وقياداتها. ربما تملك بعض الوسائل للالتفاف على هذه العقوبات، نعم، كما هي العصابات العالمية؛ لأنها تعمل بطريقة عصابات كما هي أساليب داعش والقاعدة وحتى أساليب شبكات الجريمة المنظمة بالتحايل على التحويلات المالية والاستثمارات وتسجيلها بأسماء آخرين بلا سجلات أمنية. نعم، كل هذا وارد، لكنه يبقى تحت المتابعة الاستخبارية.
ولا نفترض أن نتائج العقوبات يمكن تطبيقها بين عشية وضحاها، هذه عملية مستمرة وتراكمية وربما تحتاج تستغرق بعض الوقت للكشف عنها، وهذه سلسلة ربما أيضاً ترتبط بتحقيقات أمنية؛ بمعنى أنه بمجرد الإمساك من قبل الأمريكان بطرف خيط ربما تكتشف استثمارات مالية للإخوان في إندونيسيا يشترك فيها، أو في ماليزيا أقصد، يشترك فيها العديد من قيادات الإخوان، قيادات إخوان ربما متمركزة في تركيا أو في لندن أو حتى بالأردن وفي مصر وفي تونس وأيضاً من ليبيا، خاصة مناطق الغرب الليبي، بالإضافة إلى السودان وغيرها من المناطق.
بمعنى أنك أمام شبكة عالمية خَبِرت القرارات الدولية وتستطيع أن تستثمر بأموالها وتستطيع أن تتخفى باستخدام غطاءات وعناوين ويافطات جديدة كالعمل الخيري والعمل الذي لا يدخل في مجالات التصنيف، بمعنى التصنيف العسكري أو تهريب الأسلحة أو تجارة الأسلحة، إنما يدخل فقط ربما يكون كما هو الحال في أوروبا: جمعيات إغاثة، وبناء مساجد، مراكز أكاديمية، مراكز دراسات بحثية، مدارس كبرى، مراكز إسلامية. كل ذلك الحقيقة يستطيعون أن يتحايلوا من خلال هذه الغطاءات بإخفاء أموالهم والتحايل على القرارات الأمريكية.
في ظل الانقسام الحاد الذي يشهده المجتمع السياسي والمدني في السودان، هل سيساهم هذا التصنيف في توحيد جبهة معارضة لـ 'الإسلاميين'؟ أم أنه قد يفاقم من تعقيدات الوصول إلى تسوية سياسية شاملة نظراً لعمق تداخل هذه الحركة في بنية الدولة السودانية تاريخياً؟
لا شك أن الموقف معقد في السودان بحكم تداخل الحركة الإسلامية ببنية الدولة السودانية، خاصة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. لكن مع ذلك، تتعدد السيناريوهات أمام مستقبل دور الإسلاميين وانعكاسات وتداعيات هذا الحظر وشمولهم بالعقوبات على دورهم المستقبلي، سواء لجهة التصعيد أو لجهة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
لكني أعتقد وأرجح أنه كلما تم التضييق على الحركة الإسلامية، كلما تعززت سيناريوهات وإمكانات الوصول إلى تسوية؛ لأن الوضع بالسودان ربما يكون مختلفاً قليلاً عن بقية الصراعات التي تشهدها المنطقة، إذ أن الحركة الإسلامية هي جزء من الجيش الوطني السوداني التاريخي كما قلنا، دخلوا من خلال تحالف حسن الترابي مع الجيش وتشكيل جبهة الإنقاذ عام 89 والتي تحكم السودان ربما حتى اليوم.
لكن كلما قل دورهم الحقيقي، كلما كان هناك إمكانية للتوصل إلى سلام. أنا لدي قناعة أن قادة الجيش الوطنيين بالسودان لا مشكلة لديهم، لا بل يسعون إلى التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية بالسودان، لكن وجود الإسلاميين بمن فيهم قادة بهذا الجيش يحولون دون ذلك ويصرون على استمرار المواجهة والحسم الصفري داخل السودان. الوضع الجديد في ظل العقوبات المفروضة عليهم ربما تضعف مواقفهم بشكل أكبر وهم ليسوا بموضع من يستطيع تحدي القرار أو الذهاب بعيداً باتجاهات انتحارية.
هذا القرار يتبع سلسلة من التصنيفات الأمريكية لفروع جماعة الإخوان في المنطقة مؤخراً. هل نحن بصدد عقيدة أمريكية جديدة تجاه 'الإسلام السياسي' تعتبره تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية، أم هي 'براغماتية' أمنية فرضتها ظروف الحروب الراهنة؟
أعتقد الولايات المتحدة اليوم بظل قيادة الرئيس ترامب سبق وطرحت موضوع الإخوان المسلمين ووضعهم على قوائم الإرهاب عام 2017، أي بولاية الرئيس ترامب الأولى. اليوم تجدد هذا العنوان واتخذ القرار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
يبدو، كما أعتقد، أن الولايات المتحدة توفرت لديها الكثير من الأدلة حول مسؤولية الإخوان على الأقل بتعزيز خطاب التطرف وخطاب الكراهية والخطاب المؤسس للإرهاب. ويجب أن نتذكر هنا وبكل صراحة أن كل التنظيمات السلفية الجهادية التي ظهرت هي كانت على صلة بصيغة أو بأخرى مع مقولات سيد قطب (الحاكمية والجاهلية وغيرها)، وتعتبر مقولات التيارات المتشددة داخل الإخوان هي مرجعيات فكرية ودينية وأيديولوجية مؤسسة لأعمالها الإرهابية المادية التي تقوم بها.
ولا أريد أن أتوسع بهذا الموضوع كثيراً لكني أشير إلى أن أيمن الظواهري بالأصل هو من جماعة الإخوان والتيار المتشدد، وكذا الأمر بالنسبة لأسامة بن لادن؛ بمعنى أن هذه الجماعات لا تستطيع أن تنكر اليوم أن جذورها الفكرية مرتبطة بالإخوان.
بالنسبة للولايات المتحدة أعتقد أن القرار جاد جداً وسيتوسع، وربما سيشمل تنظيمات إخوانية أخرى ربما تتخذ مسميات أخرى في تونس وبالجزائر وبالمغرب وغيرها من الدول، وحتى بليبيا فيما يتعلق بأفريقيا، إضافة لامتدادات إخوانية أخرى عبر عناوين إغاثية أو جمعيات أو مدارس في دول ذات أغلبية إسلامية مثل دول غرب أفريقيا ودول أيضاً بالقرن الأفريقي.
على أية حال، أعتقد الإشكالية والسؤال المركزي الرئيسي أو الاستراتيجي فيما يخص هذه القرارات الأمريكية اليوم: كيف يمكن الحصول على ضمانات بأنها تستمر فيما لو خسر الجمهوريون الانتخابات القادمة وجاءت إدارة ديمقراطية؟ ونحن نعلم أن إدارتي أوباما وبايدن (أي الديمقراطيين) كانوا متحالفين مع جماعة الإخوان المسلمين، وكان التحالف وثيقاً خاصة بمرحلة ما سمي بالربيع العربي.
لذا أعتقد على المستوى الأمني والمستوى السياسي أن الأمر سيكون مرتبطاً بالقدرة على تحقيق إنجازات وقرارات حاسمة وإجراءات تنفيذية خلال الثلاث سنوات المتبقية للرئيس ترامب.
ختاماً، يرسم هذا الحوار خارطة طريق لفهم التحولات الجذرية في السياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي، حيث يرى الدكتور عمر الرداد أن تصنيف إخوان السودان ليس مجرد عقوبة قانونية، بل هو معركة أيديولوجية ومالية تهدف إلى فك الارتباط بين التنظيمات المتطرفة ومؤسسات الدولة. ومع بقاء التساؤلات حول قدرة واشنطن على إغلاق ثغرات الالتفاف المالي واستدامة هذه الاستراتيجية أمام التقلبات السياسية في البيت الأبيض، يظل الثابت الوحيد أن السودان والمنطقة أمام مرحلة "انكشاف" كبرى، قد تُفضي إما إلى تسويات تاريخية تنهي هيمنة الأيديولوجيا الصفرية، أو تدفع ما تبقى من هذه الجماعات نحو عزلة دولية تضعف قدرتها على التأثير في مستقبل الإقليم.
