زلزال الشرق الأوسط في أسبوعه الثالث: الحرب تفتح فوهة الاقتصاد العالمي وتتجاوز مضيق هرمز
الأحد 15/مارس/2026 - 12:59 م
طباعة
حسام الحداد
دخلت الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، أسبوعها الثالث فوق صفيح ساخن، معلنةً عن أخطر تصعيد عسكري يشهده القرن الحادي والعشرون منذ اندلاع المواجهة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وبينما تتحول العمليات من ضربات جراحية إلى "حرب استنزاف" عابرة للحدود، تفرض حالة من الشلل التام سيطرتها على الممرات المائية الحيوية، وسط تحذيرات دولية من "زلزال اقتصادي" بدأ يضرب أسواقه بالفعل مع كسر أسعار النفط حاجز الـ 100 دولار، واقتراب المنظومة العالمية من حافة انهيار وشيك لم تشهده منذ عقود.
وفي ظل هذا المشهد الضبابي، تتصارع استراتيجيتان متناقضتان؛ إذ تندفع إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو خيار "الصدمة والترويع" سعياً خلف نصر خاطف وحسم عسكري ينهي التهديد الإيراني، يقابله إصرار من طهران بقيادتها الجديدة على تحويل المنطقة إلى فخ استنزاف طويل الأمد. ومع انسداد آفاق الدبلوماسية وسقوط المبادرات الإقليمية، لم تعد الحرب مجرد جولة قتالية تقليدية، بل تحولت إلى صراع وجودي يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك العالمي وخرائط النفوذ، مما يضع العالم بأسره أمام سؤال مصيري: هل يرضخ الطرفان لضغوط الانهيار الإنساني والاقتصادي، أم أن الانفجار الكبير بات قدراً لا مفر منه؟
خارك في المرمى.. وترامب يلوح بـ "المزيد"
تصدرت جزيرة "خارك" الإيرانية، الشريان العسكري والنفطي الأبرز في الخليج، عناوين الصحف العالمية مثل "رويترز" و"نيويورك تايمز"، عقب تصريحات مدوية للرئيس دونالد ترامب كشف فيها عن حجم الضربات الجوية المسددة للجزيرة. وأكد ترامب في مقابلة حصرية مع شبكة NBC News ومنشورات متلاحقة عبر منصة Truth Social، أن القوات الأمريكية تمكنت من "تدمير شبه كامل" للبنية التحتية العسكرية في الجزيرة، بما في ذلك مخازن الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة وشبكات الألغام البحرية. ولم يخلُ حديث الرئيس من لغته الاستعراضية المعهودة، حيث وصف العمليات بأنها "شديدة الدقة"، ملمحاً إلى أن واشنطن لن تتردد في تكرار القصف "لضمان تحييد التهديد الإيراني نهائياً"، وهو ما اعتبره مراقبون إعلاناً صريحاً عن تبني استراتيجية شل القدرات الدفاعية الإيرانية قبل الدخول في أي مفاوضات محتملة.
وفي تحول استراتيجي يهدف إلى تخفيف العبء العسكري والمالي عن واشنطن، وجه ترامب نداءً مباشراً ومثيراً للجدل إلى القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا، لمشاركة سفنها الحربية في تأمين مضيق هرمز. وبنبرة حملت طابع "الصفقة" (Deal)، شدد ترامب على أن الولايات المتحدة لن تستمر في لعب دور "الشرطي الوحيد" للممرات المائية التي تخدم اقتصادات العالم، قائلاً: "على الدول التي تعتمد حياتها الاقتصادية على تدفق النفط عبر هذا المضيق أن ترسل قواتها وتتحمل مسؤولية تأمين ممراتها؛ فنحن سنقدم الدعم، لكن زمن الحماية المجانية قد ولى". تعكس هذه الدعوة رغبة ترامب في تحويل الصراع من مواجهة أمريكية-إيرانية صرفة إلى أزمة دولية تضع القوى الكبرى أمام خيارين: إما الانخراط العسكري المباشر لحماية مصالحها، أو الضغط على طهران لتقديم تنازلات كبرى لإنهاء الحرب.
طهران تحكم القبضة: "المضيق مغلق أمام الأعداء"
في المقابل، ردت طهران على الضربات الأمريكية بلهجة تحدٍّ وصفتها الدوائر السياسية بأنها "انتحارية" أو "حاسمة"، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحات رسمية أن مضيق هرمز لم يعد ممرًا آمنًا لخصوم بلاده، مؤكدًا أن الممر الحيوي بات "مغلقاً تماماً أمام السفن الحربية والتجارية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها". وأوضح عراقجي أن هذا القرار ليس مجرد تهديد سياسي، بل هو واقع عسكري تفرضه سيطرة الحرس الثوري على ضفتي المضيق، مشيرًا إلى أن أي محاولة لكسر هذا الإغلاق بالقوة ستواجه "برد مزلزل". هذا الإعلان وضع الملاحة الدولية في حالة شلل تام، حيث توقفت شركات الشحن الكبرى عن إرسال ناقلاتها عبر المضيق، مما أدى إلى عزل أسواق الطاقة العالمية عن أهم مصادرها في الخليج.
ميدانياً، لم تكتفِ طهران بالبيانات، بل ترجمت وعيدها إلى هجمات واسعة النطاق استهدفت شرايين الاقتصاد في المنطقة؛ حيث شنت القوة الجوية للحرس الثوري هجمات متزامنة بأسراب من الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية "فرط صوتية" استهدفت موانئ حيوية، أبرزها "جبل علي" و"خليفة" و"الفجيرة" في دولة الإمارات، بالإضافة إلى منشآت طاقة في العمق السعودي، مما تسبب في حرائق هائلة وتعليق العمليات اللوجستية. وبالتوازي مع هذا التصعيد الإقليمي، عادت الساحة العراقية لتكون "صندوق بريد" نارياً، حيث استهدفت فصائل موالية لإيران السفارة الأمريكية في "المنطقة الخضراء" ببغداد بوابل من الصواريخ للمرة الثانية خلال أسبوع، في رسالة واضحة مفادها أن الوجود الأمريكي في المنطقة بأكملها بات تحت مرمى النيران الإيرانية، مما ينذر بتحول النزاع إلى حرب إقليمية شاملة لا تعترف بالحدود الجغرافية.
فاتورة بشرية باهظة وأزمة نزوح
ترسم الإحصائيات الميدانية الصادرة اليوم صورة "قاتمة ومروعة" للواقع الإنساني فوق الأرض، حيث وثقت المنظمات الدولية مقتل أكثر من 2100 شخص منذ اندلاع الشرارة الأولى للصراع، وسط ذهول من سرعة تصاعد وتيرة العنف. وتكشف البيانات أن المدنيين هم الوقود الحقيقي لهذه الحرب؛ إذ سجلت إيران وحدها سقوط ما يزيد عن 1348 قتيلاً جراء الموجات المتتالية من القصف الجوي الإسرائيلي-الأمريكي العنيف، فيما دفع لبنان ضريبة قاسية بسقوط 826 قتيلاً نتيجة الغارات التي استهدفت الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع. وفي المقابل، أعلن الجانب الإسرائيلي عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات بجروح متفاوتة إثر الرشقات الصاروخية الإيرانية المتكررة، مما يعكس هوة شاسعة في ميزان القوى وحجم الدمار الذي يطال المنشآت المدنية الإيرانية واللبنانية على حد سواء.
إلى جانب فاتورة الدم، تسببت العمليات العسكرية بـ "زلزال ديموغرافي" غير مسبوق في المنطقة، حيث انطلقت موجات نزوح جماعي ضخمة وصفت بالأكبر في القرن الحالي؛ إذ فرّ ما يقرب من 3.2 مليون إيراني من المدن الكبرى والمناطق المستهدفة نحو الأرياف والحدود، بينما يواجه لبنان أزمة وجودية مع نزوح 800 ألف مواطن فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم. وتزامنت هذه الهجرة القسرية مع تبادل اتهامات حادة بانتهاك القانون الدولي الإنساني؛ حيث تتهم طهران واشنطن وتل أبيب بتعمد استهداف "مراكز ثقافية وتعليمية" ومناطق سكنية مكتظة، في حين تبرر القوات المهاجمة ضرباتها باختباء القيادات العسكرية داخل المنشآت المدنية. هذا الوضع المتفجر ينذر بكارثة إنسانية طويلة الأمد، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير.
النفط والأسواق: العالم يدفع الثمن
بدأ الاقتصاد العالمي يترنح تحت وطأة "حرب الممرات"، حيث أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز — الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمي — إلى صدمة عنيفة في أسواق الطاقة لم تشهدها منذ عقود. لم يتوقف الأمر عند حدود القلق السياسي، بل ترجم ميدانياً بتعليق كامل ومفاجئ لعمليات شحن وتحميل النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي الاستراتيجي، وهو ما أحدث ارتباكاً في سلاسل التوريد العالمية. هذه التطورات دفعت بأسعار الخام لكسر كافة حاجز المقاومة، لتقفز فوق مستوى الـ 100 دولار للبرميل في تداولات سريعة ومذعورة، وسط تحذيرات من خبراء الطاقة في "وول ستريت" بأن استمرار النزاع لأسبوع آخر قد يدفع الأسعار نحو مستويات قياسية غير مسبوقة، مما يهدد بإدخال القوى الاقتصادية الكبرى في نفق الكساد التضخمي.
على الجانب الآخر من المحيط، بدأت التداعيات تلامس جيب المواطن الأمريكي بشكل مباشر، مما وضع إدارة ترامب في موقف سياسي محرج. فقد سجلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة قفزة صاروخية بنسبة بلغت 25% في غضون أيام قليلة، وهو ارتفاع وضع ضغوطاً هائلة على قطاعات النقل والخدمات اللوجستية وتسبب في موجة غلاء طالت السلع الأساسية. وتتحدث تقارير "واشنطن بوست" عن حالة من التذمر الشعبي بدأت تظهر في الولايات المتأرجحة، حيث بات الناخب الأمريكي يربط بين "طبول الحرب" وبين الانهيار المفاجئ في القوة الشرائية وتهاوي مؤشرات الأسهم في "داو جونز". هذا الضغط الاقتصادي المتزايد قد يجبر البيت الأبيض على إعادة تقييم استراتيجية "النصر السريع"، خاصة مع تزايد كلفة التأمين على الناقلات وتوقف الملاحة في واحدة من أهم نقاط الارتكاز المالي في منطقة الشرق الأوسط.
دبلوماسية "الباب الموصد": فشل الوساطات وتصلب المواقف
على الصعيد الدبلوماسي، يبدو أن ضجيج المحركات النفاثة وصافرات الإنذار قد غطى تماماً على أي صوت للتهدئة؛ حيث كشفت تقارير "رويترز" عن انهيار سلسلة من المبادرات السرية والعلنية التي قادتها قوى إقليمية وازنة مثل عُمان ومصر بهدف إرساء هدنة إنسانية مؤقتة. وبينما كانت هذه الأطراف تأمل في فتح ثغرة في جدار الأزمة، جاء الرد من البيت الأبيض حازماً برفض أي وقف لإطلاق النار في الوقت الراهن، بدعوى أن "الشروط الاستراتيجية لم تنضج بعد" لضمان أمن الملاحة واحتواء النفوذ الإيراني. هذا التصلب الأمريكي قابله إصرار إيراني موازٍ؛ حيث ترهن طهران أي حديث عن "خفض التصعيد" بوقف فوري وشامل للقصف الجوي الإسرائيلي-الأمريكي الذي تجاوز حاجز الـ 7000 غارة، واستهدف منشآت سيادية حساسة في أصفهان ومراكز البحث الفضائي، مما جعل العودة إلى طاولة المفاوضات تبدو في حكم المستحيل حالياً.
داخلياً، يواجه الرئيس دونالد ترامب اختباراً سياسياً هو الأعنف منذ توليه السلطة؛ فبعد ثلاثة أسابيع من القتال، بدأت "نشوة القوة" تتراجع أمام واقع الخسائر البشرية الأمريكية التي بلغت 13 قتيلاً على الأقل، فضلاً عن الانهيارات المتلاحقة في أسواق المال. وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن ترامب بات "يترنح سياسياً" مع تراجع ملحوظ في استطلاعات الرأي، حيث بدأ مؤيدوه قبل معارضيه بالتساؤل عن الجدوى الاقتصادية والبشرية لهذه المواجهة المفتوحة. يراهن ترامب على "استراتيجية الصدمة والترويع" لتحقيق نصر خاطف يكسر هيبة النظام الإيراني ويجبره على الاستسلام، لكن كلفة هذا الرهان تزداد يومياً مع ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد الانتقادات التي تتهمه بجر الولايات المتحدة إلى "حرب أبدية" جديدة في الشرق الأوسط.
عقيدة "مجتبى خامنئي": الاستنزاف سلاحاً للمواجهة
في المقابل، تبدو القيادة الإيرانية الجديدة بقيادة المرشد مجتبى خامنئي بعيدة كل البعد عن التراجع؛ إذ تتبنى طهران استراتيجية "النفس الطويل" القائمة على تحويل الحرب من مواجهة تقليدية إلى حرب استنزاف شاملة تعتمد على تشتيت القوات الأمريكية وحلفائها. وتعمل طهران على تفعيل مفهوم "وحدة الساحات" عبر تحريك كافة أذرعها في المنطقة، من "حزب الله" في لبنان إلى الفصائل المسلحة في العراق واليمن، لخلق حزام ناري يحيط بالمصالح الغربية. وترى طهران أن صمودها الاقتصادي، رغم القصف العنيف، وقدرتها على شل حركة النفط في مضيق هرمز، هما الورقتان الرابحتان اللتان ستجبران واشنطن في النهاية على القبول بالأمر الواقع، مما يضع المنطقة أمام "صراع إرادات" ممتد قد يستمر لشهور.
ختاماً، يتفق المحللون الاستراتيجيون على أن الأسبوع الرابع من الحرب سيكون حاسماً في تحديد مسار الصراع؛ فإما أن يؤدي الضغط الدولي المتزايد والانهيار الاقتصادي العالمي إلى "هدنة مفروضة" تحت رعاية الأمم المتحدة، أو أن المنطقة ستمضي نحو "حرب شاملة" لا تستثني أحداً. إن رهان واشنطن على "النصر السريع" يواجه صخرة الواقع الميداني وتعدد الجبهات، بينما رهان طهران على "الاستنزاف" يهدد بتفكيك نسيجها الداخلي تحت وطأة الغارات. وفي كلتا الحالتين، فإن ملامح الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي التي كانت سائدة قبل 28 فبراير قد ولت إلى غير رجعة، وما سينتج عن هذه الحرب هو خريطة جيوسياسية جديدة تماماً، تُرسم ملامحها بالدم والبارود وأسعار براميل النفط.
الخلاصة: إن ما يحدث اليوم ليس مجرد جولة قتال حدودية، بل هي حرب "إعادة رسم الخرائط" وتغيير قواعد الاشتباك العالمي. ومع استمرار إغلاق شريان الطاقة العالمي (هرمز)، يظل السؤال: هل تفرض الأسواق المنهارة والضغوط الإنسانية "هدنة الضرورة"، أم أن المنطقة تمضي نحو انفجار لا يمكن احتواؤه؟
