بين باقري كني وسعيد جليلي.. صراع "الصقور والبراغماتيين" لخلافة لاريجاني

الثلاثاء 17/مارس/2026 - 09:09 م
طباعة بين باقري كني وسعيد علي رجب
 
أثار الإعلان عن اغتيال علي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية في طهران، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل توازنات السلطة في البلاد، في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

ويأتي هذا التطور في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي يواجه أول اختبار حقيقي لسلطته منذ توليه القيادة، وسط تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الضغوط الدولية. ولا ينظر إلى اغتيال لاريجاني باعتباره حادثا أمنيا معزولا، بل كتحول استراتيجي قد يعيد رسم خريطة النفوذ داخل النظام.

اختبار مبكر للقيادة الجديدة
مع غياب لاريجاني، تبرز قضية تعيين سكرتير جديد للمجلس الأعلى للأمن القومي كأحد أهم القرارات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

ورغم أن الدستور يمنح الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان حق ترشيح المنصب، فإن الكلمة الفصل تبقى بيد المرشد الأعلى، ما يجعل القرار بمثابة إعلان غير مباشر عن توجهات القيادة الجديدة.

علي باقري كني.. صهر خامنئي
وتدور التكهنات حول عدة أسماء بارزة، من بينها علي باقري كني، الذي يعد من الشخصيات المقربة من دوائر الحكم، ويتمتع بخبرة واسعة في الملف النووي، حيث قاد فريق التفاوض خلال فترة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي. ويثير باقري كني اهتمام المراقبين بسبب تحول ملحوظ في خطابه، إذ أبدى في تصريحات حديثة انفتاحا نسبيا على استئناف المفاوضات مع الغرب، ما دفع البعض لوصفه بوجه “براغماتي جديد” داخل التيار المحافظ.

سعيد جليلي... صعود التيار المتشدد
في المقابل، يبرز اسم سعيد جليلي كخيار يعكس توجها أكثر تشددا. ويعرف جليلي بمواقفه الصلبة تجاه الولايات المتحدة والغرب، وبمعارضته الشديدة للاتفاق النووي لعام 2015. كما يحظى بثقة تقليدية داخل أروقة السلطة، خاصة لدى التيارات التي تفضل نهج “المقاومة” والتصعيد.

ويرى محللون أن غياب لاريجاني، الذي كان يمثل تيار “الواقعية السياسية”، قد يضعف التوازن داخل النظام، ويفتح المجال أمام سيطرة أوسع للتيار الراديكالي، ما قد ينعكس على سياسات إيران الإقليمية والنووية خلال الفترة المقبلة.

قاليباف.. لاعب المرحلة
وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، كأحد أبرز المستفيدين من التحولات الجارية. ويتمتع قاليباف بموقع فريد يجمع بين الخبرة العسكرية والسياسية، إضافة إلى علاقاته الوثيقة مع الحرس الثوري، ما يجعله لاعبا محوريا في تثبيت توازنات السلطة.

وينظر إلى قاليباف على أنه شريك محتمل للمرشد الجديد في إدارة المرحلة الانتقالية، خاصة أنه لعب دورا بارزا في دعم انتقال القيادة، ويعتقد أنه يحظى بثقة الدائرة المقربة من مجتبى خامنئي. كما أن صورته الأقل حدة مقارنة ببعض المتشددين قد تمنحه هامشا للتحرك دبلوماسيا إذا اقتضت الظروف.

مرحلة مفصلية للنظام
يرى مراقبون أن اغتيال لاريجاني لم يقتصر تأثيره على فراغ منصب حساس، بل أزال أيضا شخصية كانت تلعب دور “صمام الأمان” بين التيارات المختلفة داخل النظام. ومع غيابه، تبدو إيران أمام مفترق طرق واضح: إما التوجه نحو مزيد من التشدد والتصعيد، أو تبني مقاربة أكثر براغماتية توازن بين الأمن والانفتاح السياسي.

وتتزامن هذه التحولات مع تصاعد التوترات في المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضع القيادة الجديدة أمام خيارات صعبة. فكل قرار داخلي بات يحمل أبعادا إقليمية ودولية، خاصة في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة.

في المحصلة، ستحدد الأيام المقبلة، ولا سيما قرار تعيين خليفة لاريجاني، الاتجاه الذي ستسلكه إيران في هذه المرحلة الحساسة. وبين صعود التيارات المتشددة واحتمالات البراغماتية الحذرة، يبقى مستقبل التوازن داخل النظام مفتوحا على جميع السيناريوهات، بما في ذلك احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط.

شارك