حسام الحداد يكتب: بين مطرقة الإرهاب وسندان القضاء.. قصة جالو وفشل الرقابة الأمنية
الأربعاء 18/مارس/2026 - 12:53 م
طباعة
حسام الحداد
تحولت أروقة جامعة "أولد دومينيون" في ولاية فرجينيا، يوم 12 مارس 2026، من منارة للعلم إلى ساحة مواجهة دموية، إثر هجوم إرهابي نفذه "محمد بايلور جالو" البالغ من العمر 36 عاماً. ففي لحظة مباغتة، اقتحم المهاجم إحدى القاعات الدراسية مطلقاً الرصاص وسط صرخات "الله أكبر"، مما أسفر عن مقتل مدرب في برنامج تدريب ضباط الاحتياط (ROTC) وإصابة طالبين آخرين بجروح متفاوتة. هذا الاعتداء لم يمر كحادث عابر، بل صنفّه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كعمل إرهابي صريح مرتبط بتنظيم داعش، معيداً إلى الأذهان شبح الذئاب المنفردة التي تستهدف الرموز العسكرية والتعليمية في قلب الولايات المتحدة.
أبعد من كونه مجرد خرق أمني، يمثل هجوم فرجينيا نموذجاً صارخاً لفشل منظومة "الإفراج المشروط" والرقابة الوقائية في التعامل مع العناصر المتطرفة عالية الخطورة. فالمهاجم "جالو" ليس غريباً على الدوائر الأمنية، بل هو مدان سابق في قضايا دعم الإرهاب، وكان من المفترض أن يقضي عقوبة رادعة خلف القضبان. غير أن قرار إطلاق سراحه المبكر قبل انتهاء مدته الرسمية وضع المجتمع في مواجهة مباشرة مع خطر لم يتم تحييده فعلياً، مما أثار موجة عارمة من التساؤلات حول جدوى برامج التأهيل المتبعة. إن وقوع هذا الهجوم على يد إرهابي معروف يضع السياسات القضائية والأمنية تحت مجهر المساءلة، ويكشف عن ثغرات قانونية سمحت لـ "قنبلة موقوتة" بالانفجار داخل حرم جامعي كان من المفترض أن يكون آمناً.
خلفية المهاجم وخطأ الإفراج
تمثل حالة "جالو" تجسيداً لخلل بنيوي في منظومة مكافحة الإرهاب، حيث لم تكن سنوات سجنه الـ11 التي بدأت في 2017 كافية لردعه أو تحييد خطره. إن إطلاق سراحه المبكر في ديسمبر 2024، قبل استيفاء مدة عقوبته كاملة، يضع برامج "إعادة تأهيل المتطرفين" تحت مجهر النقد الشديد، إذ أثبتت الوقائع أن الأيديولوجيا المتطرفة التي تبناها (محاولة دعم تنظيم داعش) ظلت كامنة بانتظار فرصة التنفيذ. هذا الإخفاق في التقييم الأمني لم يغفل فقط عن نواياه العدائية، بل تجاهل أيضاً خطورة خلفيته المهنية كعضو سابق في الحرس الوطني؛ وهي الخلفية التي منحته دراية تكتيكية مكنته من اختيار "صف ROTC" كهدف استراتيجي مدروس، مما يشير إلى أن المهاجم لم يتحرك بعشوائية، بل استغل تدريبه العسكري السابق لتنفيذ هجوم نوعي يعكس فشل السلطات في مراقبة "العناصر عالية الخطورة" بعد الإفراج عنها.
وتعيد هذه الحادثة إلى الأذهان سيناريوهات سابقة اتسمت بالتساهل القضائي، مثل حالة "ناثانيل فيلدينغ"، حيث أدى غياب الحزم في التعامل مع المؤشرات التحذيرية إلى وقوع هجمات كان يمكن تلافيها. وتصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لسياسات إدارة بايدن السابقة في ملف الإرهاب الداخلي، حيث يرى مراقبون أن التركيز على الاعتبارات الحقوقية وتخفيف العقوبات قد جاء على حساب الأمن القومي. إن الربط بين "الإفراج المشروط" وبين وقوع الهجوم يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول المسؤولية السياسية والقانونية عن إطلاق سراح أفراد لم تثبت مراجعاتهم الفكرية بشكل قطعي، مما يجعل من قضية جالو نموذجاً صارخاً لما يصفه البعض بـ "سياسة الباب الدوار" التي تمنح المتطرفين فرصة ثانية لممارسة العنف بدلاً من ضمان اندماجهم السلمي.
بطولة الطلاب مقابل ضعف الاستجابة الرسمية
تجلت روح البطولة في أبهى صورها عندما نجح طلاب برنامج "ROTC" في تحويل مسار الهجوم من كارثة محققة إلى عملية سيطرة بطولية؛ فبرغم مباغتة المهاجم وإصابة اثنين من زملائهم، لم يمنعهم الارتباك من الاشتباك المباشر معه وإسقاطه طعناً، مما حال دون وقوع مجزرة أوسع نطاقاً. هذا التصدي لم يكن مجرد رد فعل غريزي، بل عكس الفعالية القصوى للتدريب العسكري الذي يتلقاه هؤلاء الطلاب، حيث مكنهم الانضباط التكتيكي وسرعة البديهة من تحييد خطر "ذئب منفرد" يمتلك خبرة عسكرية سابقة. وقد جاءت إشادة مدير الـ FBI، كاش باتيل، لتؤكد أن شجاعة هؤلاء الشباب كانت هي الخط الدفاعي الأخير والناجح، مسلطةً الضوء على أهمية الوعي القتالي حتى في البيئات الأكاديمية عند مواجهة تهديدات غير متوقعة.
على الجانب الآخر، وضعت هذه الحادثة السلطات الأمنية وإدارة الجامعة تحت سياط النقد اللاذع نتيجة التباين الصارخ بين سرعة الاستجابة الميدانية وبطء الإجراءات التنسيقية. ورغم نجاح تأمين الحرم الجامعي عبر الإغلاق الفوري، إلا أن انتقادات "باتيل" وجهت سهامها نحو الفشل في استباق التهديد ومنعه رغم وجود تحذيرات وسوابق أمنية في سجل المهاجم. وما زاد من حالة الاستياء هو الغموض الذي لفّ هوية المهاجم في الساعات الأولى؛ حيث اعتبر مراقبون أن التأخير في الكشف عن خلفيته يمثل تراجعاً في مستوى الشفافية المطلوبة في مثل هذه الأزمات الوطنية. هذا القصور المؤسسي أثار تساؤلات حول جدوى أنظمة الإنذار المبكر، ومدى قدرة البيروقراطية الأمنية على مواكبة سرعة التهديدات الإرهابية المتطورة التي باتت تستهدف المؤسسات التعليمية.
الدروس والتداعيات الأوسع
تضع هذه الواقعة الدولة أمام حقيقة قاسية تتعلق بحدود القدرات الأمنية الحالية في كبح جماح "الإرهاب الداخلي"، خاصة في ظل سياسات الإفراج المبكر التي أثبتت فشلها في ضمان التوبة الفكرية للمتطرفين. إن عودة "جالو" وأمثاله إلى ساحة العنف بعد قضاء فترات سجن غير مكتملة تستوجب ثورة في القوانين المنظمة للإفراج المشروط في قضايا الإرهاب، بحيث لا يُكتفى بتقييم السلوك داخل السجن بل يتم التركيز على "الأهلية الأيديولوجية". وتتعاظم الحاجة اليوم لفرض رقابة صارمة واستثنائية على الأفراد الذين يجمعون بين "الفكر المتطرف" و"الخلفية العسكرية"، حيث تتحول مهاراتهم القتالية إلى سلاح فتاك ضد الدولة ومؤسساتها، وهو ما دفع الرئيس ترامب للمطالبة بتبني نهج "القبضة الحديدية" وتشديد الإجراءات الوقائية لضمان عدم تكرار مثل هذه الثغرات الكارثية.
في نهاية المطاف، يبقى نجاح طلاب "ROTC" في شل حركة المهاجم بمثابة "مُسكّن" يخفف من ألم الفشل النظامي، لكنه لا يعفي المؤسسات الأمنية والسياسية من المساءلة المباشرة. فبينما قدم الشباب نموذجاً ملهماً في الاعتماد على الذات والتدريب الفعال، كشف الحادث عن فجوة أمنية بين رصد التهديد وبين اتخاذ قرار استباقي لمنعه. إن الاعتماد على "بطولة الصدفة" لإنقاذ الأرواح هو اعتراف ضمني بضعف آليات الحماية الرسمية؛ لذا فإن التداعيات الأوسع لهذا الهجوم يجب أن تتجاوز مجرد الإشادة بالشجعان، لتصل إلى إصلاح جذري في منظومة العدالة الجنائية، يضمن ألا يخرج من السجون إلا من انقطعت صلتهم بالتطرف قولاً وفعلاً، حمايةً للمجتمع من خطر "الأبواب المواربة".
