حسام الحداد يكتب: بين النفي الدبلوماسي وواقع "المصالح المشتركة".. قراءة في التوتر الروسي الأمريكي

الأربعاء 18/مارس/2026 - 12:56 م
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
يأتي النفي القاطع والصارم الذي أصدره الكرملين مؤخراً حيال التقارير الاستخباراتية الأمريكية - والتي اتهمت موسكو بتزويد طهران بتكنولوجيا مسيّرات متطورة وبيانات رصد فضائية عالية الدقة - ليمثل فصلاً جديداً وأكثر تعقيداً في حرب "الروايات المتضاربة" بين القطبين الروسي والأمريكي.
فبينما تحرص موسكو بجدية على تسويق نفسها كطرف دولي ملتزم بالأطر القانونية والمعايير العالمية لمنع التسلح، محاولةً نفي أي دور لها في زعزعة الاستقرار الإقليمي، تشير كافة المعطيات الميدانية والتحركات الجيوسياسية إلى وجود تحالف "تحت الطاولة" يتجاوز في جوهره مفاهيم التبادل التجاري التقليدي أو صفقات السلاح العادية، لينتقل إلى مرحلة الاندماج الاستراتيجي الذي يعيد رسم خرائط النفوذ.
إن هذا السجال الدبلوماسي الحاد يكشف عن هوة سحيقة بين لغة المكاتب الرسمية وواقع "المصالح المشتركة" التي تفرضها ظروف الصراع الراهن؛ حيث تجد روسيا نفسها مدفوعةً لتعزيز شراكاتها مع خصوم واشنطن للرد على الضغوط الغربية المتزايدة. 
وفي هذا السياق، لم يعد التعاون الروسي-الإيراني مجرد تنسيق عابر، بل تحول إلى ما يمكن تسميته بـ"محور الضرورة الوجودية"، حيث تلتقي حاجة موسكو لتعويض استنزافها العسكري في أوكرانيا مع رغبة طهران في القفز فوق العزلة التقنية. 
هذا التناغم العسكري المتصاعد يجعل من النفي الروسي مجرد غطاء بروتوكولي، بينما الحقيقة تكمن في صياغة نظام أمني بديل يتحدى الهيمنة الأمريكية ويؤسس لمرحلة تكون فيها "المعلومة" هي الرصاصة الأولى في أي مواجهة قادمة.

سلاح "المعلومات" وتغيير قواعد الاشتباك
تتجاوز الاتهامات الأمريكية الأخيرة فكرة الدعم اللوجستي التقليدي المتمثل في بيع العتاد العسكري، لتصل إلى جوهر الصراع التكنولوجي: سلاح البيانات الاستخباراتية. إن الحديث عن تزويد روسيا لأطراف إقليمية بصور الأقمار الصناعية وبيانات الرصد اللحظية يعني عملياً "تغيير قواعد الاشتباك"؛ حيث لم يعد التفوق التكنولوجي الأمريكي بمنأى عن الاختراق. 
هذا النوع من التعاون الاستخباراتي يحول الأصول العسكرية الأمريكية والقواعد الاستراتيجية في المنطقة إلى أهداف "مكشوفة تكنولوجياً"، إذ تساهم الخبرة الروسية في فك شفرات التحرك الأمريكي وتجريد التحركات العسكرية من عنصر المفاجأة، مما يضع الهيمنة المعلوماتية الغربية في اختبار غير مسبوق.
من جهة أخرى، لا يمكن قراءة النفي الروسي لهذه التقارير بوصفه مجرد تنصل روتيني، بل هو مناورة دبلوماسية مدروسة تهدف إلى احتواء التصعيد قبل فوات الأوان. تدرك موسكو أن الإقرار بمشاركة بيانات حساسة قد يمنح واشنطن "الذريعة القانونية والسياسية" التي تحتاجها لفرض حزم عقوبات أكثر صرامة، أو الأسوأ من ذلك، اتخاذ خطوات تصعيدية مباشرة قد تشمل استهداف شبكات نقل المعلومات أو زيادة الانخراط العسكري المباشر. لذا، يظل النفي الروسي بمثابة حائط صد لمنع "شرعنة" أي رد فعل أمريكي عنيف، وللحفاظ على شعرة معاوية في توازن القوى الإقليمي الذي باتت تحكمه الخوارزميات وصور الفضاء أكثر من القذائف والمدافع.

مقايضة الخبرات: أوكرانيا مقابل الشرق الأوسط
لا يمكن فهم التطورات التقنية الحالية في الشرق الأوسط بمعزل عن الاستنزاف العسكري المستمر في الساحة الأوكرانية، إذ يبدو أننا أمام "مقايضة استراتيجية" متكاملة الأركان. 
ففي الوقت الذي وفرت فيه المسيرات الإيرانية من طراز (شاهد) طوق نجاة تكتيكياً لروسيا في لحظات حرجة من صراعها مع كييف، بات من المنطقي سياسياً وعسكرياً أن ترد موسكو "الجميل" عبر فتح خزائن خبراتها التقنية. هذا التعاون لا يقتصر على منح معدات، بل يشمل "تطوير" التكنولوجيا الإيرانية وتحسين خوارزمياتها وقدراتها على التخفي، بناءً على الدروس القاسية والبيانات الحية التي جمعها الروس من مواجهة أنظمة الدفاع الجوي الغربية في أوكرانيا، مما يجعل السلاح الإيراني اليوم أكثر فتكاً واعتماداً على خبرة ميدانية عالمية.
في هذا السياق، يتحول النفي الروسي الرسمي إلى مجرد "أداة لامتصاص الضغط" وبروتوكول دبلوماسي يفتقر إلى الانعكاس الحقيقي على أرض الواقع. فالمؤشرات الميدانية توحي بأن التنسيق المشترك تجاوز مرحلة التكهنات ليصبح ضرورة وجودية لكلا الطرفين؛ فموسكو بحاجة لاستمرار تدفق الدعم التسليحي، وطهران تسعى لكسر العزلة التكنولوجية وتحديث ترسانتها عبر "بوابة الكرملين". 
لذا، فإن الإنكار الروسي يهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب التبعات القانونية الدولية ومنع انزلاق المواجهة مع الغرب إلى مستويات غير محكومة، بينما تشير الحقائق على الرادار وفي غرف العمليات إلى أن "المقايضة" قد تمت بالفعل، وأن الميدان الأوكراني بات بمثابة المختبر الذي يعيد صياغة توازن القوى في الشرق الأوسط.

 رسائل الكرملين المزدوجة
عندما يسارع الكرملين إلى وصم التقارير الاستخباراتية بأنها محض "أخبار كاذبة" (Fake News)، فهو لا يكتفي بمجرد الدفاع، بل يتبنى استراتيجية هجومية تهدف إلى تقويض المصداقية الغربية برمتها. تخدم هذه السردية ترسيخ رؤية موسكو التي مفادها أن واشنطن وحلفاءها يعانون من "فشل سياسي ذريع" في إدارة ملفات الشرق الأوسط، وأنهم يحاولون اصطناع "عدو خارجي" شمّاعةً لإخفاقاتهم الاستراتيجية. 
هذا الخطاب الموجه للداخل الروسي وللحلفاء الإقليميين يصور الغرب ككيان "مصاب بالبارانويا"، يسعى لتبرير عسكرة المنطقة وتصعيد الضغوط عبر اختلاق قصص عن تعاون  استخباراتي روسي-إيراني لا أساس له من الصحة، مما يمنح موسكو أخلاقية "المظلومية السياسية".
خلف هذا الستار من الإنكار الرسمي، يبعث الكرملين بـ "رسالة ردع مشفرة" شديدة اللهجة إلى مراكز صنع القرار في الغرب؛ فمضمون النفي لا يعني بالضرورة عدم القدرة، بل هو تذكير مبطن بأن روسيا تمتلك "أوراق ضغط" تقنية واستخباراتية هائلة لم تستخدمها بالكامل بعد. 
هي رسالة مفادها أن استمرار التضييق الغربي على المصالح الروسية في أوكرانيا أو عبر العقوبات الاقتصادية، قد يدفع موسكو فعلياً نحو تحويل تلك "الأخبار الكاذبة" إلى واقع ملموس وتزويد خصوم واشنطن ببيانات تقلب موازين القوى. 
بذلك، يصبح النفي الروسي بمثابة تحذير صامت: "نحن ننكر الآن حفاظاً على قواعد اللعبة، لكننا نملك القدرة على كشف أصولكم العسكرية وجعلها أهدافاً سهلة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء".

الخلاصة
النفي الروسي هو إجراء بروتوكولي متوقع، لكن التناغم العسكري المتزايد بين موسكو وطهران يثبت أن "محور الضرورة" بينهما أصبح واقعاً لا يمكن إنكاره. التحدي الحقيقي ليس في صحة التقارير من عدمها، بل في عجز القوى الدولية عن كبح جماح هذا التعاون الذي بدأ يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

شارك