بين الرفض والقبول.. مقترح مكتوب يضع حماس في مواجهة مباشرة مع شروط ترامب
السبت 21/مارس/2026 - 02:44 م
طباعة
علي رجب
كشف مصدران مطلعان لوكالة “رويترز” أن مجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم مقترحا مكتوبا رسميا إلى حركة "حماس"، يتعلق بآليات نزع سلاحها، في خطوة تعد الأكثر مباشرة حتى الآن في مسار المفاوضات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة، الخطوة تأتي في وقت لا تزال فيه الحركة متمسكة برفض التخلي عن أسلحتها، وهو الملف الأشد حساسية في مسار خطة ترامب لإنهاء الحرب في القطاع.
مقترح في القاهرة.. والوسطاء على الطاولة
وفقا للمصدرين، جرى تقديم المقترح المكتوب لـ"حماس" خلال اجتماعات عقدت في القاهرة في الأسبوع الماضي، وهي الاجتماعات التي شهدت حضور شخصيتين بارزتين في المشهد الدبلوماسي الأمريكي نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام إلى غزة الذي عينه الرئيس ترامب، وأرييه لايتستون، المساعد الأول لمبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف.
وكانت مؤسسة "إن.بي.آر" الإعلامية الأمريكية أولى المؤسسات التي كشفت النقاب عن هذا المقترح، قبل أن تؤكده مصادر مستقلة أخر، وهو ما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تدار مفاوضاتها مع الأطراف المختلفة عبر قنوات متعددة، في مسعى لتكثيف الضغط الدبلوماسي في مرحلة بالغة الحساسية.
كما وجه ملادينوف رسالة مباشرة إلى "حماس" عشية عيد الفطر المبارك، حين نشر على منصة "إكس" منشورا لافتا وصف فيه المشهد الراهن بأنه يمثل لحظة فارقة، وأن المقترح بات "مطروحا الآن على الطاولة"، مطالبا الحركة بأن تتخذ "خيارا واحدا واضحا" يتمثل في التخلي الكامل عن السلاح دون أي استثناءات، وذلك من قبل "حماس" وكل الفصائل الفلسطينية في قطاع غزةعلى حد سواء.
وأضاف ملادينوف: "في هذا الوقت المفعم بالأمل، نأمل أن يتخذ المسؤولون الخيار الأنسب للشعب الفلسطيني"، في إشارة واضحة إلى أن قيادة "حماس" هي من تحمل في هذه اللحظة مفاتيح تحديد المسار.
وتكشف هذه الرسالة عن توجه أمريكي جديد يعتمد الوضوح وتحميل "حماس" مسؤولية القرار أمام شعبها، بعيدا عن التلميحات الدبلوماسية المعتادة. وهو خطاب يتوافق مع الأسلوب الذي درجت عليه إدارة ترامب في التعامل مع الملفات الشائكة.
خطة ترامب لغزة: الإطار الكبير
يأتي هذا المقترح في سياق رؤية شاملة طرحها الرئيس ترامب لمستقبل قطاع غزة، وقد وافقت عليها كل من إسرائيل و"حماس" في أكتوبر الماضي.
وتقوم هذه الخطة على ثلاثة محاور رئيسية متوازية وهي انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار الشاملة، وفي المقابل قيام "حماس" بإلقاء أسلحتها.
وتعد مسألة نزع سلاح "حماس" الخطوة الأكثر تعقيدا في هذه المعادلة، إذ ترفض الحركة حتى الآن اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه، معتبرة أن سلاحها يمثل ضمانتها الوحيدة في مواجهة أي تهديدات مستقبلية.
وفي المقابل، تصر إسرائيل والولايات المتحدة على أن نزع السلاح شرط غير قابل للتنازل في أي تسوية دائمة.
لفهم الثقل الدبلوماسي لهذا المقترح، لا بد من استيعاب طبيعة الجهة التي تقف وراءه، فمجلس السلام هو هيئة دولية جديدة نشأت بمبادرة مباشرة من الرئيس ترامب، وعقد اجتماعه التأسيسي الأول في التاسع عشر من فبراير الماضي في واشنطن.
وقبل ذلك، وقع ممثلون عن تسع عشرة دولة على ميثاق المجلس في الثاني والعشرين من يناير، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية.
وبموجب الاتفاق الإطاري المتعلق بالتسوية في قطاع غزة، سيتولى مجلس السلام إدارة شؤون القطاع في مرحلة ما بعد الصراع، غير أن تصريحات المسؤولين المنتسبين إليه توحي بأن طموحاته تمتد إلى ما هو أبعد من غزة، إذ يشار إلى أن نطاق عمله سيشمل منع النزاعات وتسويتها في مناطق أخرى من العالم، مما يجعله كيانا دبلوماسيا أوسع بكثير مما يبدو في ظاهره.
سلاح حماس إلى أين؟
في تصريحات أدلى بها الخميس الماضي، وصف ملادينوف الجهود الجارية بأنها "جادة"، مؤكدا أن الوسطاء توصلوا إلى إطار عمل تم التوافق عليه، ومن شأنه أن يشكل الأرضية التي ستنطلق منها عملية إعادة الإعمار في القطاع الذي تحولت أجزاء واسعة منه إلى أكوام من الركام جراء الحرب المتواصلة.
وتأتي هذه التصريحات في لحظة يبدو فيها المشهد الإنساني في غزة في أمس الحاجة إلى أفق سياسي واضح؛ إذ تتكدس الاحتياجات الإنسانية الهائلة في ظل حالة من الترقب، بينما يظل مصير إعادة الإعمار رهينا بما ستقرره "حماس" في نهاية المطاف تجاه ملف سلاحها.
وتجد "حماس" نفسها الآن في مواجهة مباشرة مع سيناريو شديد التعقيد، من جهة، تتراكم الضغوط الدولية والإقليمية الداعية إلى نزع السلاح كثمن للانخراط في مسار إعادة الإعمار، ومن جهة أخرى، تواجه الحركة حسابات داخلية دقيقة تتعلق بتماسكها الداخلي ومكانتها بين الفصائل المسلحة.
وفي الوقت الذي يضغط فيه الوسطاء عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، لا تزال الحركة تحجم عن إعطاء إجابة حاسمة، وإن كان تلقيها للمقترح المكتوب يعني أنها باتت أمام استحقاق رسمي يصعب تجاهله على المدى البعيد.
وتمثل هذه التطورات المتسارعة منعطفا في مسار الأزمة الغزية، وإن كانت الخبرة التاريخية في مسارات المفاوضات المماثلة تدعو إلى شيء من التحفظ قبل الحكم على أي مقترح بأنه بلغ نقطة اللاعودة. فمجلس السلام يخطو خطواته الأولى، و"حماس" لم تبد موقفا نهائيا بعد، فيما تحتفظ إسرائيل بحق رفض أي ترتيب لا يلبي شروطها الأمنية.
ما هو واضح حتى الآن أن الإدارة الأمريكية آثرت الانتقال من مرحلة التلميح إلى مرحلة التوثيق، بتقديم مقترح مكتوب يحمل التزامات قابلة للقياس والمراجعة، وهو في حد ذاته رسالة دبلوماسية مفادها: الباب مفتوح، لكنه لن يبقى كذلك إلى ما لا نهاية.
