«الصائم عن الضوء». الراهب نور رائد الإعلام المسيحي
الثلاثاء 07/أبريل/2026 - 10:58 ص
طباعة
روبيرالفارس
في يوم الجمعة العظيمة، حسب التقويم الغربي أسلم الراهب نور روحه بهدوء الناسك الذي عاش ومضى بعيداً عن الأضواء، تاركاً وراءه إرثاً إعلامياً وروحياً واجتماعياً كبيراً. قليلون يعرفون أن هذا الرجل المتقشف، الذي آثر الخفاء، هو المؤسس الفعلي لإذاعة صوت المحبة، وتلفزيون تيلي لوميار وباقة قنوات نور سات، التي لعبت دوراً محورياً في نشر الكلمة الإنجيلية وخدمة المسيحيين في العالم العربي.
وُلد الراهب نور، واسمه قبل الرهبنة " جهاد جورج بسيليس"، في حلب لأبٍ سوري وأم من كسروان. تخصّص في الفلسفة وعلم الاجتماع، وعمل أستاذاً في معهد الرسل – جونية، قبل أن يتخذ في عام 1975 قراراً مصيرياً غيّر مسار حياته بالكامل.
ففي السابعة والعشرين من عمره، اختار طريق النسكية وسط العالم، لا في عزلة الصحراء فحسب. لبس الخيش، ومارس الفقر الاختياري، مبتعداً عن الإعلام والظهور، حتى وُصف بأنه «الصائم عن الضوء». قصد دير مار أشعيا الأنطوني في المتن، حيث عاش الصمت العميق والتأمل، قبل أن يعود لينطلق في مبادرات اجتماعية وروحية تخدم الإنسان أينما كان
عُرف الراهب نور بتقشفه الشديد وبساطة عيشه. لم يسعَ إلى منصب كنسي أو لقب رسمي، بل فضّل أن يكون «الجندي المجهول» خلف المشاريع الكبرى. عاش الفقر كخيار روحي، لا كشعار، وجعل من ذاته أداة لخدمة الآخرين. وقد ساندته شخصيات سياسية واجتماعية بارزة في لبنان، من بينهم الرئيس الراحل شارل حلو، إضافة إلى وجوه اقتصادية واجتماعية معروفة، إيماناً منهم بأهمية رسالته
سبق الراهب نور عصره في فهم قوة الإعلام. ففي زمن كانت فيه الكنائس تكتفي بالمنابر التقليدية، أدرك هو أن الأثير يمكن أن يتحول إلى مذبح، وأن الشاشة قد تصبح منبراً للتبشير والتثقيف الروحي.حيث
أسس «صوت المحبة» ليصل الإنجيل إلى البيوت في أزمنة الحرب والاضطراب، ثم أطلق «تيلي لوميار» كأول قناة مسيحية في المنطقة، قبل أن تتوسع الرسالة عبر «نور سات» لتشمل العالم العربي والانتشار. لم تكن هذه المشاريع إعلامية فحسب، بل حملت بعداً ثقافياً وإنسانياً، فدعمت التعليم، والحوار، والعمل الاجتماعي، وأسهمت في تثبيت الحضور المسيحي في الشرق.
وقد تميّزت هذه القنوات بخطاب روحي جامع، سعى إلى مخاطبة الإنسان العربي بلغته وثقافته، بعيداً عن الانغلاق، ما جعلها مساحة لقاء بين الإيمان والواقع اليومي.
إلى جانب الإعلام، أطلق الراهب نور مؤسسات ومبادرات اجتماعية متعددة لخدمة الفقراء والمهمشين، انطلاقاً من قناعة بأن الكرازة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية. فبالنسبة إليه، لم تكن الرسالة مجرد وعظ، بل التزاماً عملياً بقضايا الإنسان وكرامته.
برحيله عن عالمنا ، بدا وكأن حياته اكتملت في رمزيتها: رجل عاش الفقر والاختفاء، وأسلم الروح في يوم الفداء. لم يكن اسمه يتصدر الشاشات التي أنشأها، لكنه كان العقل المدبر والقلب النابض خلفها.
سيذكره كثيرون كقديس معاصر عاش في قلب العالم دون أن ينتمي إليه، وكرّس الإعلام ليكون أداة رجاء للمسيحيين العرب. أما إنجازه الأكبر، فربما كان إيمانه بأن الكلمة قادرة على أن تعبر الحدود، وأن نور الرسالة لا يُحجب مهما اشتدت العتمة.
