هل يصبح باب المندب "هرمز جديد" في معادلة الصراع الإقليمي؟

الجمعة 10/أبريل/2026 - 09:44 ص
طباعة هل يصبح باب المندب فاطمة عبدالغني
 
في لحظة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية وتتداخل فيها مسارات الصراع من الخليج إلى البحر الأحمر، لم يعد أمن الممرات البحرية قضية فنية تخص الملاحة فقط، بل أصبح ورقة ضغط سياسية واقتصادية تُستخدم في إدارة الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية. 
فمع استمرار الجدل حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتزايد نشاط الحوثيين في البحر الأحمر، بدأت المخاوف تتجه نحو ممرات بديلة قد تتحول سريعًا إلى ساحات توتر جديدة، وعلى رأسها باب المندب.

من هذا المنطلق، يأتي تقرير مجلة TIME للكاتب تياجو فينتورا ليقدم قراءة متماسكة لهذا التحول، حيث ينتقل من رصد التصعيد السياسي والعسكري الجاري، إلى تفكيك أهمية مضيق باب المندب كأحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، موضحًا كيف يمكن أن يتحول من مجرد ممر تجاري إلى أداة تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، في ظل التهديدات الإيرانية واعتماد طهران على حلفائها في المنطقة، خاصة الحوثيين، لفرض واقع جديد في البحر الأحمر.
باب المندب… عقدة جغرافية تتحكم في التجارة

يقع مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن، وهو ممر لا يتجاوز عرضه نحو 18 ميلًا في أضيق نقاطه. ورغم ضيقه، تمر عبره شحنات ضخمة من النفط والسلع، ما يجعله شريانًا حيويًا يربط الخليج العربي بأوروبا والأسواق العالمية.

أهمية هذا المضيق لا تختلف كثيرًا عن هرمز، فكلاهما يمثل نقطة اختناق يمكن لأي اضطراب فيها أن ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي. ولهذا، فإن مجرد التلويح بإغلاقه كفيل بإرباك الأسواق قبل وقوع أي تصعيد فعلي.

تهديدات إيرانية… ورسائل غير مباشرة

في الأيام الأخيرة، صدرت تصريحات من مسؤولين إيرانيين توحي بأن باب المندب قد يتحول إلى ورقة ضغط جديدة. مستشار المرشد الإيراني حذر صراحة من أن تعطيل التجارة العالمية "قد يتم بخطوة واحدة"، في إشارة واضحة إلى حساسية هذه الممرات.

كما أن تساؤلات رئيس البرلمان الإيراني حول حجم التجارة العابرة للمضيق لم تكن بريئة، بل بدت كتمهيد لفهم نقاط التأثير القصوى في حال استخدامه كورقة تفاوض.

لكن إيران، بحسب التقرير، لا تملك حضورًا عسكريًا مباشرًا في باب المندب كما هو الحال في هرمز، ما يعني أن أي تحرك هناك سيمر عبر حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم الحوثيون في اليمن.

الحوثيون… ذراع ميداني يعيد تشكيل المعادلة

منذ عام 2023، أثبتت جماعة الحوثي قدرتها على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، ليس فقط عبر الهجمات المباشرة، بل أيضًا من خلال خلق بيئة خطرة تدفع شركات الشحن إلى تجنب المنطقة.

التقرير يوضح أن التأثير لم يكن قائمًا على استهداف كل سفينة، بل على خلق حالة ردع غير مباشرة: شركات التأمين ترفع الأسعار أو ترفض التغطية، والسفن تختار طرقًا أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا.

هذا ما يفسر قرار شركات كبرى مثل "ميرسك" تعليق المرور عبر باب المندب وقناة السويس مؤقتًا، وهو قرار يعكس حجم المخاطر أكثر مما يعكس حجم الهجمات نفسها.

أرقام تكشف حجم التأثير

تُظهر البيانات أن تدفقات النفط عبر المضيق ارتفعت بشكل ملحوظ حتى عام 2023، قبل أن تنخفض بشكل حاد بعد هجمات الحوثيين. هذا التراجع لا يعني تراجع أهمية المضيق، بل يعكس حجم الخطر الذي بات يحيط به.

ورغم انخفاض الحركة، لا يزال باب المندب مسارًا حيويًا، خاصة بعد أن بدأت بعض الدول، مثل السعودية، في تحويل صادراتها عبر البحر الأحمر كبديل عن الخليج، ما يزيد من حساسية أي اضطراب فيه.

ماذا لو أُغلق المضيق؟

التقرير يقارن السيناريو المحتمل بما حدث في مضيق هرمز، حيث أدى التوتر إلى قفزات حادة في أسعار النفط. وإذا تكرر السيناريو في باب المندب، فإن التأثير قد يكون مضاعفًا، نظرًا لاعتماد مسارات بديلة عليه بالفعل.

أي إغلاق أو حتى تهديد جدي سيؤدي إلى:

ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا
تعطيل سلاسل الإمداد
زيادة تكاليف الشحن
ضغط إضافي على الاقتصادات الهشة

والأهم، أن هذه التأثيرات لا تتوقف عند حدود المنطقة، بل تمتد إلى الأسواق العالمية، بما فيها الدول المستوردة للطاقة والغذاء.

خلاصة القول أن ما يقدمه تقرير "تايم" ليس مجرد شرح جغرافي لمضيق بحري، بل قراءة في كيفية تحوّل الممرات البحرية إلى أدوات صراع جيوسياسي. فباب المندب لم يعد مجرد طريق للتجارة، بل أصبح ورقة ضغط محتملة في صراع أوسع.

ورغم أن إيران لا تتحكم فيه بشكل مباشر، فإن نفوذها عبر الحوثيين يجعل التهديد واقعيًا، حتى لو ظل حتى الآن في إطار الرسائل السياسية. لكن في منطقة تتصاعد فيها الأزمات بسرعة، يكفي التلويح بالإغلاق ليدفع العالم كله ثمن القلق.

شارك