انسداد مسارات التهدئة.. الحوثيون من "الخيار المحلي" إلى "وحدة الساحات"
الجمعة 10/أبريل/2026 - 10:53 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تشهد الساحة اليمنية والإقليمية تحولاً جذرياً في سلوك جماعة الحوثي، التي انتقلت من مربع الدفاع عن "سلطة الأمر الواقع" في صنعاء إلى لعب دور المحرك الميداني ضمن ما يسمى "محور المقاومة". هذا التحول لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل ترجمة عملية لخيارات استراتيجية بدأت تتضح معالمها منذ أواخر مارس الماضي، حين أعلنت الجماعة انخراطها المباشر في المواجهة إلى جانب إيران، عبر هجمات مشتركة شملت الصواريخ والمسيّرات الموجهة نحو أهداف إسرائيلية.
معادلة "ربط الجبهات" ورفض التهدئة الجزئية
في قراءة لخطاب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، يبرز تمسك راديكالي بـ "معادلة وحدة الساحات". فقد حسم الحوثي الجدل حول أي مسار تهدئة جزئي، رابطاً وقف تصعيد جماعته بشكل عضوي بإنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزة. هذا الموقف يعكس رغبة الجماعة في فرض نفسها كرقيم صعب في أي تسويات إقليمية قادمة، ملمحاً إلى جاهزية قواته للانخراط المباشر والموسع إذا استمر الضغط على أطراف المحور الأخرى، وهو ما ينقل الصراع من حيزه الجغرافي الضيق إلى أفق إقليمي مفتوح على كافة الاحتمالات.
هواجس التوسع وقلق الدوائر القيادية
على الرغم من لغة التهديد، تسللت حالة من القلق إلى أروقة "حكومة الانقلاب" غير المعترف بها دولياً، حيث تعكس تصريحات القيادات الحوثية تخوفاً من أن تؤدي الغارات الإسرائيلية في لبنان إلى إعادة تشكيل مسارات المواجهة بما يطال العمق الحوثي، ويظهر هذا القلق في التحذيرات من "تداعيات واسعة" قد تطال الأمن والاقتصاد الإقليميين، وهو ما يفسره مراقبون بأنه محاولة لاستباق أي رد فعل دولي أو إسرائيلي محتمل على الهجمات التي تبنتها الجماعة مؤخراً، خاصة في ظل التضارب الدولي حول نطاق اتفاقات التهدئة المقترحة.
وفي هذا السياق قال عضو ما يسمى بالمكتب السياسي للجماعة محمد المفرح إن ما يحدث في لبنان يمثل تطوراً خطيراً، معتبراً أنه يأتي ضمن ما وصفه بسياق إقليمي متشابك، مشيراً إلى وجود ترتيبات تهدف – بحسب تعبيره – إلى إعادة تشكيل مسارات المواجهة في المنطقة.
وركزت تصريحاته على التحذير من أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام تداعيات أوسع تمس أطرافاً متعددة في الإقليم.
وأضاف المفرح أن أي استمرار للهجمات دون وقف شامل للتصعيد قد يؤدي – من وجهة نظره – إلى اتساع دائرة المواجهة، مشدداً على ضرورة وقف ما وصفه بالتصعيد في المنطقة، ومحذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد ينعكس على الأمن الإقليمي بشكل عام.
كما أشار ما يسمى بنائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين عبد الواحد أبوراس إلى أن التطورات في لبنان "لا يمكن تجاهلها"، على حد قوله، معتبراً أن ما يجري يمثل مؤشراً على تصاعد خطير في الأحداث، وأضاف أن استمرار الضربات قد يفاقم التوترات في المنطقة، في إشارة ضمنية إلى مخاوف من انعكاس ذلك على أطراف أخرى.
وفي السياق ذاته، كتب القيادي في ما يسمى بالمجلس السياسي الاعلى محمد علي الحوثي أن الجماعة ترفض أي استهداف للدول العربية أو الإسلامية، معتبراً أن ما يجري في لبنان يعكس اتساع رقعة التوتر في المنطقة، وأشار إلى احتمال صدور خطاب لزعيم الجماعة خلال الفترة المقبلة يتناول تطورات المشهد.
عسكرة الساحل.. التحصينات ونوايا التصعيد
ميدانياً، كشفت التحركات على الشريط الساحلي لمحافظة الحديدة عن نوايا تصعيدية وشيكة، فوفقاً لمصادر عسكرية وميدانية، قامت المليشيا بالدفع بتعزيزات ضخمة شملت:
منظومات صاروخية ومنصات مسيّرة: تم نشرها في مناطق التماس بمديرية التحيتا وجنوب الحديدة.
هندسة الأنفاق والخنادق: إنشاء شبكة أنفاق معقدة تربط الخطوط الخلفية بالواجهة البحرية، مما يمنح المقاتلين مرونة في الحركة بعيداً عن الرصد الجوي.
الألغام والتحصينات: توسيع نطاق حقول الألغام البرية والبحرية، وحفر خنادق تمتد لعشرات الكيلومترات تحيط بمناطق مأهولة.
ويؤكد العميد الركن إبراهيم معصلي، قائد محور الحديدة، أن هذه البنية التحتية العسكرية تهدف إلى تحويل الساحل الغربي إلى قلعة حصينة، محذراً من تحويل مئات الآلاف من المدنيين إلى دروع بشرية تحت وطأة هذه التحصينات التي تجعل من البحر الأحمر بؤرة صراع مفتوحة تهدد أمن الملاحة الدولية ومضيق باب المندب.
ويرى المراقبون أن جماعة الحوثي اختارت الهروب إلى الأمام عبر تبني خيار "التصعيد الشامل" كأداة للمساومة السياسية، مستفيدة من الدعم العسكري الإيراني لتعزيز موقفها التفاوضي.
ومع ذلك، يعتقد المحللون أن هذا الاندفاع نحو "وحدة الساحات" قد يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع تحالفات دولية لن تسمح بتهديد ممرات الطاقة العالمية لفترة طويلة.
ويحذر المراقبون من أن استراتيجية "عسكرة الساحل" وزراعة الألغام المكثفة تعكس عقلية "إدارة الأزمات بالحرائق"، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير فرص السلام الهشة في اليمن وتحويل البلاد إلى ساحة رئيسية لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.
