صراع الإسلام والبترول: كيف فكك حازم صاغية لغز العلاقات الإيرانية الخفية؟
الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 10:55 ص
طباعة
حسام الحداد
يعد كتاب "صراع الإسلام والبترول في إيران" للكاتب والباحث السياسي حازم صاغية مرجعاً فكرياً استثنائياً يغوص في أعماق الجغرافيا السياسية الإيرانية، محاولاً الربط بين المحرك الديني (الأيديولوجيا) والمحرك الاقتصادي (الطاقة). تكمن أهمية هذا العمل في قدرة صاغية على قراءة المشهد الإيراني بعيداً عن السطحية، حيث يفكك التناقضات بين الخطاب الثوري المعلن وبين المصالح البراجماتية التي تحرك الدولة، مما يجعله كتاباً محورياً لفهم الجذور التاريخية للصراعات الحالية في المنطقة.
في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الدائرة اليوم وتصاعد وتيرة التهديدات المتبادلة، تكتسب أطروحات حازم صاغية أهمية مضاعفة؛ إذ يسلط الضوء على "قواعد اللعبة" الخفية التي حكمت علاقة إيران بخصومها المفترضين لعقود. الكتاب يساعدنا في إدراك أن الصراع الحالي، رغم ضجيجه العسكري، لا ينفصل عن تاريخ طويل من الصفقات السرية وتغليب المصالح الاستراتيجية (خاصة النفطية والعسكرية) على الشعارات الرنانة، مما يوفر للمحلل والمتابع رؤية كاشفة لما وراء دخان الانفجارات وتصريحات قادة الطرفين.
من خلال استعراض التعاون التقني والعسكري التاريخي، وصولاً إلى الدور المحوري للبترول في صياغة التحالفات، يقدم صاغية تحليلاً يفسر حالة "العداء الوظيفي" التي تخدم استقرار الأنظمة داخلياً. إن قراءة هذا الكتاب اليوم تمنحنا القدرة على التمييز بين الصراع "الصوتي" الموجه للجماهير، وبين الصراع الحقيقي على الموارد والنفوذ، وهو ما يفسر لماذا تظل المنطقة رهينة لتوازنات دقيقة تمنع الانفجار الشامل رغم وصول الأزمة إلى ذروتها، مما يجعل العمل مفتاحاً لا غنى عنه لفهم تعقيدات عام 2026.
طبيعة العلاقات الخفية بين إيران وإسرائيل
يوضح الكتاب أن طبيعة العلاقات بين إيران وإسرائيل تتسم بازدواجية حادة؛ فبينما يطغى الخطاب العدائي المعلن وشعارات "المقاومة" ومحو إسرائيل من الخريطة، توجد خلف الكواليس علاقات خفية وتاريخ من المصالح المشتركة والصفقات السرية
ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه العلاقات الخفية حسب ما ورد في الكتاب فيما يلي:
تغليب المصلحة على الشعارات: يشير الكتاب إلى وجود "تاريخ مثمر من العلاقات المشبوهة" خلف الخطاب العدائي المتبادل
فبينما ترفع إيران شعارات المقاومة، فإنها "تمد أيديها تحت منضدة الصراخ وتعقد الصفقات" عندما تقتضي المصلحة ذلك، لدرجة إمكانية عقد "صفقة مع الشيطان"
التعاون العسكري والتقني (فترة الشاه وما بعدها):
باعت إسرائيل لإيران أسلحة متنوعة، منها الرشاش "عوزي"
ساهمت إسرائيل في بناء منشأة لتجميع الصواريخ في وسط جنوب إيران
استمرت التقارير في الكشف عن صفقات سلاح ونفط سرية حتى بعد الثورة، حيث كشفت جريدة "هآرتس" عام 1981 عن معلومات تتعلق بهذا التعاون
كانت إيران المصدر الرئيسي لواردات النفط الإسرائيلية، خاصة خلال حربي 1967 و1973
وقد تم مد خط أنابيب نفط (إيلات-أشكلون) لضخ النفط الإيراني الخام عبر إسرائيل إلى البحر المتوسط ومنه إلى دول أخرى
استثمر أصحاب رؤوس الأموال الإسرائيليون في مشاريع إيرانية زراعية وصناعية، وساهموا في بنوك وشركات إنتاج مشتركة
يشير الكتاب إلى أن الجالية اليهودية في إيران (حوالي 30 ألفاً) تحظى باهتمام كبير من قِبل رؤساء إيران، وبتوصيات خاصة من علي خامنئي، في حين يوجد نحو 200 ألف يهودي إيراني في إسرائيل يحظون باهتمام حكومتهم
ويلفت النظر إلى التناقض بين هذا الاهتمام وبين التضييق على فئات أخرى داخل إيران
اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على بناء تحالفات مع دول "المحيط الأبعد" للعالم العربي، ومنها إيران (قبل الثورة)، لتجاوز المحيط العربي المعادي لها، وقد وجدت في إيران حليفاً استراتيجياً بسبب الاختلاف المذهبي والمنازعات على الخليج
بناءً على ذلك، يصف الكتاب العلاقة بأنها صراع صوتي مرتفع لا تنطلق فيه رصاصة واحدة في النهاية، حيث يعرف الطرفان "معزوفة الحرب الكاملة" لكنهما يلتزمان بقواعد لعبة تضمن مصالحهما تحت الطاولة
كيف ساهمت إسرائيل في بناء منشآت الصواريخ الإيرانية؟
ساهمت إسرائيل بشكل ملموس ومباشر في بناء القدرات العسكرية الإيرانية خلال عهد الشاه من خلال إنشاء منشأة متخصصة لتجميع الصواريخ، وذلك وفق التفاصيل التالية الواردة في المصادر:
قامت إسرائيل ببناء منشأة لتجميع الصواريخ في منطقة وسط جنوب إيران
حرصاً من الشاه على علاقاته مع المحيط العربي، اشترط على الجانب الإسرائيلي تقديم ضمانات وتطمينات بعدم استخدام تلك الصواريخ ضد أي دولة عربية
وافق مناحم بيجن على طلب الشاه بتقديم هذه الضمانات، وبرر ذلك برغبته وسعيه الجاد لتحقيق السلام مع العرب
لم يقتصر التعاون على منشأة الصواريخ، بل شمل أيضاً تزويد إيران بأسلحة إسرائيلية متنوعة مثل الرشاش "عوزي"، بالإضافة إلى التعاون في مشاريع زراعية وصناعية واستثمارات مالية مشتركة في بنوك وشركات إنتاج
يوضح الكتاب أن هذا النوع من التعاون كان يجري بعيداً عن الأعين، ضمن ما يوصف بـ "التاريخ المثمر من العلاقات المشبوهة" التي كانت تهدف لتحقيق مصالح استراتيجية متبادلة تحت غطاء من السرية
كيف أثر الصراع على البترول على السياسة في إيران؟
لعب البترول دوراً محورياً في تشكيل السياسة الإيرانية، داخلياً وخارجياً، حيث تحول من مجرد مورد اقتصادي إلى أداة استراتيجية لبناء التحالفات وإدارة الصراعات الإقليمية، وفقاً لما ورد في الكتاب:
استخدمت إيران، خاصة في عهد الشاه، مواردها النفطية لتدعيم علاقاتها مع دول الجوار غير العربية (مثل إسرائيل وتركيا وإثيوبيا)
هذا التعاون البترولي أتاح لإيران الخروج من حصارها السياسي والإقليمي وتجاوز المحيط العربي المعادي لها
اعتمدت السياسة الإيرانية على استغلال حاجة إسرائيل للبترول لبناء تحالف استراتيجي؛ حيث كانت إيران المصدر الرئيسي لواردات النفط الإسرائيلية، لا سيما خلال حربي 1967 و1973
تجسد أثر البترول في السياسة من خلال مشاريع ضخمة مثل خط أنابيب (إيلات-أشكلون)، الذي تم مده لضخ النفط الإيراني الخام عبر إسرائيل إلى البحر المتوسط، مما خلق روابط مصالح عميقة وخفية خلف الستار
كان البترول يفرض على السياسة الإيرانية نوعاً من التوازن؛ فبينما كانت تصدر النفط لإسرائيل، كانت تحاول الحفاظ على مظهر معين أمام العرب. على سبيل المثال، اتخذت حكومة "مصدق" قراراً بإغلاق القنصلية الإيرانية في القدس، وهو ما وصفه المراقبون بأنه قرار صوري لتفادي استفزاز العرب بينما استمرت العلاقات الجوهرية
من خلال عائدات البترول والتعاون مع إسرائيل، تمكنت إيران من الاستثمار في مشاريع عسكرية متطورة، مثل بناء منشأة لتجميع الصواريخ في وسط جنوب إيران، واستيراد أسلحة متطورة مثل الرشاش "عوزي"
حتى بعد الثورة الإيرانية وتغير الخطاب الرسمي إلى العداء المعلن، استمر "صراع البترول" في إدارة السياسة الخفية؛ حيث كشفت تقارير (مثل ما نشرته جريدة هآرتس عام 1981) عن معلومات تتعلق بصفقات نفط وسلاح سرية بين الطرفين، مما يؤكد أن المصالح النفطية كانت تُغلب أحياناً على الشعارات السياسية المعلنة
باختصار، يظهر الكتاب أن البترول كان "الوقود" الذي حرك المحركات السياسية الإيرانية، مما مكنها من بناء تحالفات سرية قوية وضمان بقائها الاستراتيجي في منطقة مليئة بالصراعات.
كيف تغيرت صفقات السلاح السرية بعد الثورة الإيرانية؟
بعد الثورة الإيرانية، لم تتوقف صفقات السلاح تماماً، بل تحولت إلى نمط يتسم بـ السرية التامة والازدواجية الحادة بين ما يُعلن رسمياً وما يحدث خلف الكواليس، وذلك وفقاً لما ورد في الكتاب:
بعد أن كان التعاون العسكري (مثل بناء منشآت الصواريخ وبيع رشاشات "عوزي") يتم في إطار تحالف استراتيجي في عهد الشاه، انتقلت الصفقات بعد الثورة إلى ما وصفه الكتاب بمد الأيدي "تحت منضدة الصراخ"؛ حيث يرتفع صوت الشعارات العدائية بينما تُعقد الصفقات سراً
ورغم وصف إيران لإسرائيل بـ "الشيطان الأصغر" ورفع شعارات محو إسرائيل، يوضح التاريخ أن الطرفين لديهما الاستعداد لعقد "صفقة مع الشيطان" طالما جمعتهما المصالح المشتركة، وهو ما جعل الصفقات بعد الثورة قائمة على "المصلحة" التي تتجاوز أي عداء أيديولوجي
كشفت جريدة "هآرتس" الإسرائيلية لأول مرة في أكتوبر 1981 (أي بعد الثورة) عن معلومات تتعلق بـ صفقات سرية للنفط والأسلحة جرت بين الطرفين، مما يؤكد استمرار تدفق المصالح العسكرية رغم التغيير الجذري في نظام الحكم
تغيرت طبيعة العلاقة لتصبح صراعاً صوتياً مرتفعاً (شعارات المقاومة)، بينما يلتزم الطرفان بقواعد لعبة تضمن عدم الصدام المباشر، مع الحفاظ على "تاريخ مثمر من العلاقات المشبوهة" التي تستمر في الخفاء
باختصار، تغيرت الصفقات من تعاون استراتيجي علني لدولة حليفة إلى صفقات سرية اضطرارية تحكمها لغة المصالح بعيداً عن ضجيج الشعارات الثورية المعلنة.
ختاماً، يضعنا حازم صاغية في هذا الكتاب أمام مرآة كاشفة لواقع السياسة الإيرانية، حيث يتشابك المقدس (الإسلام) مع المدنس (المصالح البترولية) في علاقة جدلية معقدة. إن الحقيقة التي يخلص إليها الكتاب هي أن لغة الأرقام والصفقات تحت الطاولة كانت دائماً أعلى صوتاً من رصاصات المواجهة المباشرة، وأن فهم حاضر الحرب الإيرانية-الإسرائيلية يتطلب بالضرورة العودة إلى تلك الجذور التي فككها صاغية ببراعة، لنعرف أن الصراع في جوهره هو صراع بقاء ونفوذ يُدار بأدوات اقتصادية مغلفة بغطاء أيديولوجي.
