حسام الحداد يكتب: "فقه الهلاك".. كيف يطوع "داعش" السنن الإلهية لتبرير انكساراته؟
الأحد 19/أبريل/2026 - 09:19 ص
طباعة
تمثّل الافتتاحية الأخيرة لصحيفة "النبأ" العدد 543 والصادر مساء الخميس 16 ابريل 2025، لسان حال تنظيم "داعش"، محاولة دعائية مكثفة لإعادة بناء "السردية المنهارة" عبر استدعاء ترسانة من المفاهيم العقائدية والسنن الكونية، وصبّها في قالب سياسي يخدم استراتيجية البقاء النفسي والميداني. ففي ظل التراجعات العسكرية والعزلة الدولية، لا يجد التنظيم مفرًا من الهروب إلى "المتخيّل الغيبي"، حيث يُعاد تفسير الواقع المعقد ليس من منظور موازين القوى أو الأخطاء الاستراتيجية، بل كجزء من حتمية إلهية مُعدّة سلفًا، تضع التنظيم في كفّة "الحق المطلق" وما عداه في كفّة "الباطل المتربص به الهلاك"، وهو ما يعكس استمرار الماكينة الإعلامية للتنظيم في استخدام النص المقدس كساتر دفاعي لترميم الشروخ التي أصابت بنية التنظيم الفكرية والروحية.
إن الخطورة الكامنة في هذا الخطاب لا تتوقف عند حدود التلاعب بالألفاظ الشرعية، بل تمتد لتشكل "هندسة اجتماعية ونفسية" لعقول الأتباع، تهدف إلى عزلهم عن المنطق الواقعي واستبداله بمنطق "دائري" يغذي الراديكالية ويبرر الفشل. فالمقال يسعى بجهد دؤوب إلى "تأميم" الإرادة الإلهية لصالح مشروع عسكري ضيق، محولاً مفاهيم مثل "الاستدراج" و"الإمهال" إلى أدوات لشرح التفوق المادي للخصوم، وصناعة وعي زائف يرى في النعم دمارًا وفي الهزائم تمحيصًا. ومن هنا، يغدو تفكيك هذا الخطاب ضرورة ملحة لكشف زيف "المنطق المشوّه" الذي تعيش عليه هذه الجماعات، والذي يحاول تحويل الانكسارات الميدانية إلى انتصارات غيبية مؤجلة.
كيف يحوّل التنظيم "المصطلحات الشرعية" إلى أدوات سياسية وعسكرية؟
تتجلى في افتتاحية "النبأ" استراتيجية ثابتة تعتمد على "إعادة تدوير" المفاهيم العقائدية الكبرى كـ (الاستدراج، والتمكين، وسنن الله) وإخراجها من سياقها الوعظي العام لتتحول إلى "ترسانة" أيديولوجية تخدم الأهداف المرحلية للتنظيم. هذا "التسييس" للنص الديني يهدف بالدرجة الأولى إلى صياغة وعي جمعي لدى الأتباع، يوهمهم بأن كل تحرك عسكري أو صراع سياسي عالمي ليس إلا فصلاً من فصول مسرحية كونية كُتبت نتائجها سلفاً لصالحهم، مما يمنح التنظيم قدرة فائقة على تبرير الوقائع المتغيرة وتطويعها لتلائم روايته الرسمية، مهما بدت النتائج على الأرض مناقضة لتوقعاتهم.
وفي سياق ترسيخ "ثنائية الضحية والمختار"، يعمد المقال إلى احتكار صفة "المؤمنين" وحصرها في دائرة التنظيم الضيقة، ممارساً عملية "إقصاء عقدي" شاملة ضد كل من يقع خارج حدود "بيعة" التنظيم. فبينما يضع الجماعة في مقام "الفئة المصطفاة" التي يوافق مسارها السنن الإلهية، يندفع نحو وصم العالم أجمع بصفات "الظلم" و"الردة"؛ حيث لا يفرق الخطاب هنا بين قوى دولية كبرى، أو دول إسلامية سنية، أو طوائف مخالفة. هذا التقسيم الحاد للعالم إلى "فسطاطين" لا يهدف فقط إلى شحذ العقيدة القتالية، بل يسعى لتجريد "الآخر" من شرعيته الإنسانية والدينية، مما يجعل من استهدافه أو الفرح بهلاكه نتيجة منطقية و"سُنّة إلهية" واجبة النفاذ.
أما على صعيد تفسير "الصراعات الدولية"، فيلجأ الخطاب إلى "القراءة التبسيطية" للأحداث الجيوسياسية المعقدة، مصوراً الحروب والتحالفات العالمية كأنها مجرد "عقوبة إلهية" يسلط الله فيها الظالمين بعضهم على بعض. هذا التفسير يخدم غرضاً دعائياً مزدوجاً؛ فهو من جهة يرفع الروح المعنوية للأتباع عبر إيهامهم بانهيار خصومهم ذاتياً وقدرة التنظيم على البقاء كمراقب لهذا السقوط، ومن جهة أخرى يهدف إلى التعمية على العوامل الموضوعية والموازين العسكرية الحقيقية. إنها محاولة لـ "غيبيّة" الواقع، حيث يتم استبدال التحليل العسكري الرصين بنبوءات هلاك الخصوم، مما يوفر للتنظيم مخرجاً نفسياً من الهزائم الميدانية عبر تحويلها إلى "إمهال" مؤقت يسبقه "استدراج" إلهي للأعداء.
مغالطات "المنطق المشوّه" والهروب من استحقاقات الواقع
يسعى تنظيم "داعش" من خلال هذه الافتتاحية إلى صياغة "بناء منطقي زائف" يعتمد على الالتفاف حول الحقائق المادية الصلبة عبر بوابة التأويل الغيبي. تبرز في هذا السياق مغالطة "الاستدراج بالنعم" كأداة نفسية فعالة للالتفاف على الفوارق الهائلة في القوة المادية والتكنولوجية بين التنظيم وخصومه. فبدلاً من الاعتراف بالتفوق العسكري والتقني للأطراف الدولية، يعيد الخطاب تفسير هذا النجاح باعتباره "مكراً إلهياً" وفتحاً لأبواب النعم تمهيداً لهلاك محتوم. يهدف هذا التبرير بالدرجة الأولى إلى "تحييد الشعور بالهزيمة" لدى العناصر المقاتلة، ومنع تسلل اليأس إلى نفوسهم نتيجة الضعف الميداني، عبر إيهامهم بأن قوة خصومهم ليست دليلاً على صحة منهجهم، بل هي "فخ إلهي" يسبق لحظة السقوط الكبير.
وفي مستوى آخر من التضليل، يمارس المقال ما يمكن تسميته بـ "الربط القسري" بين النص القرآني والواقع السياسي المعقد. فعند استحضار الآية الكريمة "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً"، لا يقدمها التنظيم كقاعدة تاريخية أو أخلاقية عامة، بل يسقطها فوراً وبشكل "تعسفي" على خارطة الخصوم الحاليين (التحالف الدولي، القوى الإقليمية، والطوائف المخالفة). هذا الإسقاط يحوّل النص الديني من قيمة مطلقة إلى "أداة لتصفية الحسابات السياسية"، حيث يتم استدعاء الآيات لتعليب الواقع وفرضه على القارئ كحقيقة إيمانية لا تقبل الجدل، مما يغلق الباب أمام أي قراءة موضوعية لموازين القوى أو مسببات الصراعات السياسية والمصالح الاستراتيجية الدولية.
إن هذا التوظيف للمغالطات المنطقية يهدف في جوهره إلى تبرير حالة "العزلة الكونية" التي يعيشها التنظيم؛ فحين يصور العالم أجمع ككتلة من "الظالمين" الذين يضرب بعضهم بعضاً، فإنه يشرعن انغلاقه وفشله في بناء تحالفات أو كسب حاضنات شعبية. إنها استراتيجية "الهروب إلى الأمام" بالاعتماد على منطق دائري: (نحن ضعفاء مادياً لأننا مؤمنون ننتظر نصر الله، وهم أقوياء لأن الله يستدرجهم للهلاك). وبذلك، تتحول النصوص الدينية في يد الآلة الإعلامية للتنظيم من هداية للبشر إلى "قوالب جاهزة" لتفسير الفشل الميداني، وتسكين القلق الوجودي لدى أفراد التنظيم الذين يجدون أنفسهم في مواجهة عالم لا يعترف بوجودهم.
الأهداف الاستراتيجية لخطاب الوعيد والتحريض
خلف ستار اللغة الوعظية الكثيفة، تمارس افتتاحية "النبأ" دوراً وظيفياً يهدف إلى احتواء الأزمات الداخلية التي تعصف بصفوف التنظيم، وعلى رأسها أزمة "استبطاء النصر". يقر المقال بشكل غير مباشر بوجود حالة من التململ والتساؤل بين العناصر والمؤيدين حول سر بقاء "الظالمين" وتأخر هلاكهم الموعود، وهي التساؤلات التي يصفها التنظيم بـ "ضعف الإيمان". لذا، تأتي هذه الافتتاحية كجرعة "تخدير أيديولوجي" تهدف إلى امتصاص هذا الاحتقان عبر فكرة "الموعد المقدر"؛ حيث يتم نقل الصراع من دائرة الفعل البشري والزمن الواقعي إلى دائرة الغيب المؤجل، مما يمنح القيادة وقتاً إضافياً لتبرير الإخفاقات المستمرة تحت لافتة "القدر الذي لا يُستعجل".
وفي مسار موازٍ، يسعى الخطاب إلى رصف الطريق لشرعنة "ديمومة العنف" من خلال حصر مفهوم التمكين في "قوة الجهاد" كسبيل وحيد لا بديل عنه. يضع المقال أتباعه أمام طريق مسدود، معتبراً أن أي مسار آخر—سواء كان سياسياً، دعوياً، أو حتى إصلاحياً—هو "باب موصد" لا يفضي إلا إلى الفشل. هذا الربط الحصري بين نصر الله وبين العمل العسكري التصادمي يهدف إلى إغلاق كافة منافذ التراجع أو المراجعة الفكرية، وحشر المنتسبين للتنظيم في "زاوية الصدام الدائم" مع العالم؛ فالتنظيم يدرك أن بقاءه مرهون باستمرار حالة الحرب، وأن أي أفق للتعايش أو الحلول السلمية يعني بالضرورة انتهاء مبرر وجوده ككيان "جهادي" متطرف.
إن هذه الأهداف الاستراتيجية تندمج لتشكل في النهاية نظاماً تحريضياً يغذي "راديكالية اليأس"؛ فمن خلال إيهام الأتباع بأنهم الأداة القدرية لتنفيذ سنن الله في الأرض، يتم تجريدهم من ملكة النقد أو التساؤل عن جدوى العمليات العسكرية الانتحارية أو الاستنزافية. المقال، في جوهره، ليس مجرد قراءة في السنن الإلهية، بل هو "مانيفستو" تعبوي يستهدف تحويل المقاتل إلى أداة صماء في معركة يصورها التنظيم على أنها حتمية كونية، ضارباً بعرض الحائط كل المعطيات السياسية والإنسانية، ليضمن استمرار تدفق الدماء في آلة الحرب التي لا تعيش إلا على الأزمات والصدام.
بين "الاستعلاء الإيماني" وفلسفة "التشفي"
تطغى على المقال نبرة "استعلائية" حادة، حيث يضع الكاتب نفسه وقارئه المستهدف في مقام "المراقب المتعالي" الذي يمتلك الحقيقة المطلقة ويجلس في مقاعد المتفرجين ليشاهد حتمية سقوط الآخرين. هذه اللغة الاستعلائية لا تكتفي بتمجيد الذات، بل تعيد صياغة العلاقة مع الواقع من منظور "الصفوة المختارة"، مما يخلق فجوة نفسية هائلة بين أتباع التنظيم وبقية المجتمعات. إن استخدام ضمائر الثبات واليقين في الحديث عن "سنن لا تخطئ" و"مسارات متكررة" يهدف إلى زرع شعور زائف بالتفوق الأخلاقي والقدسي، بحيث يرى الفرد المنتمي للتنظيم نفسه جزءاً من إرادة إلهية نافذة، بينما يرى الآخرين مجرد "حالات دراسية" للهلاك والدمار، وهو ما يعزز العزلة الشعورية ويقطع أي صلة وصل إنسانية مع العالم الخارجي.
وفي موازاة هذا الاستعلاء، يغرق النص في سوداوية مفرطة تركز على مفردات "العقاب، التنكيل، والأخذ الأليم"، محولاً الخطاب الديني إلى سلسلة من صور الوعيد والترهيب. هذه "السوداوية الوظيفية" لا تهدف فقط إلى تخويف الخصوم، بل تسعى لترسيخ "ثقافة التشفي" والكراهية كعقيدة محركة للأتباع؛ فبدلاً من تقديم خطاب يحمل قيم الرحمة أو البناء، يركز المقال على لحظات الانكسار والدمار (مثل الإشارة إلى نهايات القذافي وصدام وشوران). إن الاحتفاء بصور "البطش" و"العقوبة المعجلة" يغذي غريزة الانتقام لدى القارئ، ويحول مفهوم العدالة الإلهية من قيمة أخلاقية سامية إلى وسيلة للإشباع النفسي الناتج عن رؤية معاناة "الآخر"، مما يساهم في راديكالية المشاعر وتجهيز الأفراد نفسياً لقبول وممارسة أقصى درجات العنف تحت مبررات "السنن القدرية".
في المحصلة، تظل افتتاحية "النبأ" وثيقة كاشفة لآلية عمل "العقل المتطرف" في لحظات الحصار والأزمة؛ فهي لا تهدف إلى تقديم هداية دينية بقدر ما تسعى لإنتاج "وهم الجماعة الناجية" التي تراقب فناء العالم من شرفات استعلائها الإيماني. إن الركون إلى فكرة "الموعد الذي لا يتخلف" هو اعتراف مضمر بالعجز عن مواجهة استحقاقات الواقع السياسي والعسكري، ولجوء يائس إلى غيبيات مشوهة تهدف لإبقاء جذوة العنف مشتعلة في صدور الأتباع. وبناءً عليه، فإن مواجهة هذا الفكر لا تقتصر على الأدوات العسكرية فحسب، بل تبدأ من تجريد هذه التنظيمات من "سلاح التأويل"، وكشف زيف ادعائها باحتكار السنن الإلهية التي جعلها الله رحمة للعالمين، لا صكوكًا للهلاك والتشفي كما يروج لها صانعو الكراهية.
