بعد عامٍ من الرحيل... ماذا يبقى من البابا فرنسيس؟
الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 10:18 ص
طباعة
روبيرالفارس
يواكب اليوم الثلاثاء 21 ابريل ذكري مرور عامٍ على رحيل البابا الذي جاء من أقاصي العالم ليجلس على كرسي بطرس، لا تزال صورته حاضرة في الذاكرة الكاثوليكية والعالمية: رجلٌ اختار اسم “فرنسيس” تيمّنًا بقديس الفقراء، وفضّل البساطة على المظاهر، وفتح نوافذ الكنيسة على رياح الأسئلة المعاصرة.
بابا الأطراف لا المركز
منذ انتخابه في مارس 2013، كأول بابا من أميركا اللاتينية وأول يسوعي يتولى السدة البابوية، قدّم فرنسيس نفسه صوتًا لـ“الأطراف” لا لـ“المراكز”. لم تكن عباراته عن الفقراء واللاجئين والمهمّشين مجرد خطابٍ رعوي، بل تحوّلت إلى محور رؤية كنسية واجتماعية. ظلّ يذكّر العالم بأن “الكنيسة مستشفى ميداني”، وأن الإيمان ليس نظرية بل مرافقة للمتألمين.
إصلاحات الداخل. ومقاومة التغيير
أمضى سنوات حبريته في محاولة إصلاح الإدارة المالية والبيروقراطية في الفاتيكان، ومعالجة أزمات عميقة، أبرزها فضائح الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة. فتح الباب أمام قدرٍ أكبر من الشفافية والمساءلة، وأعاد هيكلة عدد من الدوائر الفاتيكانية. لكن مسيرته لم تخلُ من مقاومة داخلية وانتقادات من تيارات محافظة رأت في بعض توجهاته جرأةً زائدة.
لغة جديدة في قضايا قديمة
تميّز خطابه بالاقتراب من القضايا الحساسة بلغة راعوية لا إقصائية. تحدّث عن البيئة في رسالته العامة “كن مسبّحًا”، رابطًا بين الإيمان والعدالة المناخية، ودعا إلى اقتصادٍ أكثر إنسانية. وفي قضايا الأسرة والشباب، سعى إلى مقاربة تقوم على الإصغاء والتمييز بدل الإدانة السريعة.
دبلوماسية الجسور
في السياسة الدولية، اختار فرنسيس أن يكون صانع جسور. لعبت دبلوماسيته دورًا في تقاربٍ تاريخي بين دول متخاصمة، ورفع صوته مرارًا ضد الحروب، منددًا بمنطق السلاح. كانت زياراته الرسولية رسائل سياسية وروحية في آن، تؤكد أن الحوار هو الطريق الأقصر إلى السلام.
صورة البابا القريب
ما يبقى من فرنسيس ليس فقط الوثائق والإصلاحات، بل الصورة الإنسانية: بابا يتصل هاتفيًا بأشخاص عاديين، يحتضن الأطفال، ويغسل أقدام السجناء في خميس العهد. هذا القرب جعل كثيرين، حتى من خارج الكنيسة، يشعرون أنه يخاطبهم شخصيًا.
إرث مفتوح على المستقبل
بعد عام من رحيله، تبدو بصمته ممتدة في مسارات متعددة منها
اولا كنيسة أكثر انفتاحًا على الحوار الداخلي والخارجي.
ثانيا خطاب عالمي يربط الإيمان بالعدالة الاجتماعية والبيئية.
ثالثا جرأة في مواجهة أزمات الداخل بلا مواربة.
غير أن السؤال الأكبر يبقى: هل ستستمر الكنيسة في المسار الذي رسمه، أم ستعود إلى مقاربات أكثر تحفظًا؟
ربما يكون الجواب في العبارة التي أحب ترديدها: “الواقع أهم من الفكرة”. واقع الكنيسة والعالم اليوم يحمل كثيرًا من التحديات، لكن إرث البابا فرنسيس يظل حاضرًا كدعوةٍ إلى الرحمة أولًا، وإلى شجاعة الإصلاح ثانيًا.فبعد عام من الرحيل، يبقى البابا فرنسيس في الذاكرة لا كبابا عابر في التاريخ، بل كصوتٍ حاول أن يجعل من الإيمان فعلَ محبةٍ يومي، ومن الكنيسة بيتًا مفتوحًا للجميع.
