من “مذبحة بلا جدوى” إلى “كفى حربًا " كيف واجهه الباباوات الحروب ؟
الأربعاء 22/أبريل/2026 - 10:36 ص
طباعة
روبيرالفارس
في عالمٍ تتصاعد فيه النزاعات وتتضخم فيه ترسانات السلاح، يعود صوت الفاتيكان ليذكّر بأن الحرب لم تعد قابلة للتبرير بسهولة كما كان يُظن في عصور سابقة. فمنذ أكثر من قرن، يواصل الباباوات المتعاقبون على الكرسي الرسولي تطوير تعليم كنسي راسخ يضع السلام في صميم رسالتهم، مؤكدين أن قوة الأسلحة الحديثة تجعل الحديث عن “حرب عادلة” أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. و للكشف عن تاريخ مواجهات الباباوات للحروب نشر القسم الانجليزي لموقع الفاتيكان تقرير مهما للباحث اندريا تورنييلي رصد فيه هذا التاريخ وذلك علي خلفية رفض البابا لاون الرابع عشر للحرب الدائرة بين إسرائيل وامريكا وإيران وجاء في التقرير
اولا من بندكتس الخامس عشر إلى يوحنا الثالث والعشرين
في عام 1917، وصف البابا البابا بندكتس الخامس عشر الحرب العالمية الأولى بأنها “مذبحة بلا جدوى”، في رسالة تاريخية وجّهها إلى الدول المتحاربة، واضعًا الأساس لموقف كنسي واضح من ويلات الحروب الحديثة.
ومن بعده، بذل البابا البابا بيوس الثاني عشر جهودًا حثيثة لتجنب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ساعيًا عبر القنوات الدبلوماسية إلى تجنيب البشرية كارثة جديدة.
ومع دخول العالم العصر النووي، جاء تعليم البابا البابا يوحنا الثالث والعشرون في رسالته العامة Pacem in Terris (1963)، ليؤكد أن التفكير في الحرب كأداة لتحقيق العدالة أصبح “أمرًا يكاد يكون مستحيلًا” في ظل الأسلحة الذرية.
أما البابا بولس السادس، فقد أطلق صرخته الشهيرة من على منبر الأمم المتحدة: “لا مزيد من الحروب!”. وتوالت النداءات مع البابا البابا يوحنا بولس الثاني الذي حذّر مرارًا من كوارث الصراعات في الشرق الأوسط، داعيًا إلى تغليب لغة الحوار على صوت السلاح، وإن لم تلقَ دعواته دائمًا آذانًا صاغية.
ثانيا “الحرب العادلة” تحت مجهر التعليم الكنسي
يشير التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية إلى حق الدفاع المشروع عن النفس، لكنه يضع شروطًا صارمة للغاية لأي استخدام للسلاح، من بينها أن يكون الضرر واقعًا وخطيرًا ومؤكدًا، وأن تكون كل الوسائل السلمية قد استُنفدت، وأن توجد فرص حقيقية للنجاح، وألا يسبب استخدام القوة شرورًا أشد من الشر المراد دفعه.
غير أن تطور الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، إضافة إلى التقنيات الحديثة والطائرات المسيّرة الموجهة بدقة، يفرض – بحسب رؤية الكرسي الرسولي – أسئلة أخلاقية غير مسبوقة، ويجعل الكلفة الإنسانية لأي نزاع أكبر من أي مكسب مفترض، ما يعمّق الشكوك حول إمكانية الحديث عن “حرب عادلة” في زمننا الراهن.
ثالثا فرنسيس: “لن تكون الحرب حلًا”
خلال حبريته، شدّد البابا البابا فرنسيس على رفض الحرب بلهجة أكثر وضوحًا وحزمًا، لا سيما في رسالته العامة Fratelli tutti (2020)، حيث حذّر من تبرير النزاعات بذريعة الدفاع أو الاحتياط أو حتى الدوافع الإنسانية.
وأكد أن البشرية لم تمتلك يومًا هذا القدر من القدرة التدميرية، وأن مخاطر الحرب تفوق بكثير منافعها المتوهمة، مشددًا على أن “الحرب لا يمكن أن تكون حلًا”، ومطلقًا نداءً متجددًا: “لن تتكرر الحرب أبدًا”.
رابعا ليون الرابع عشر: السلام في قلب الحبرية
اليوم، يواصل البابا البابا ليون الرابع عشر هذا المسار، جاعلًا السلام محورًا أساسيًا في حبريته. ففي ظل سباق تسلح متصاعد وصراعات دامية أودت بحياة آلاف المدنيين، دعا خلال أمسية صلاة من أجل السلام في 11 أبريل إلى “إعادة السيف إلى غمده”، محذرًا من عبادة القوة والمال.
وأكد أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم الترسانات العسكرية، بل بقدرة الإنسان على خدمة الحياة وصون الكرامة البشرية. وقال إن الذين يصلّون يدركون حدودهم، فلا يهددون ولا يقتلون، بل يرفضون تحويل القوة إلى “صنم أخرس وأعمى وأصم”، داعيًا إلى كسر منطق العنف والانفتاح على مسارات الحوار والتفاوض.
وختم بنداء واضح: “كفى استعراضًا للقوة. كفى حربًا”.
وفي مواجهة تصاعد النزاعات وتعاظم قدرات الدمار، يؤكد الفاتيكان أن البشرية تقف اليوم على حافة خطيرة. ومن هنا، يظل صوت أسقف روما – على امتداد قرن من الزمن – شاهدًا على التزام الكنيسة بالدعوة إلى الحوار والتفاوض، رافضًا منطق السلاح، ومجدّدًا الإيمان بأن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية ملحّة تفرضها مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان وتجاه مستقبل العالم بأسره.
