الإسلام السياسي بعد الربيع العربي: من صدمة السلطة إلى حتمية التراجع
الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 10:59 ص
طباعة
حسام الحداد
يمثّل كتاب "الإخوان المسلمون وحركة النهضة: الانكفاء إلى الظل" للباحثة البريطانية أليسون بارجيتر، محاولة نقدية جريئة لتفكيك واحدة من أعقد التحولات السياسية في التاريخ العربي الحديث؛ وهي قصة صعود وسقوط حركات الإسلام السياسي عقب ثورات الربيع العربي. لا تكتفي بارجيتر بسرد الوقائع التاريخية، بل تغوص في "سيكولوجية التنظيم" لتبحث عن الأسباب الجوهرية التي حوّلت لحظة الانتصار الكاسح في مصر وتونس وليبيا إلى حالة من الانكفاء والتراجع. ينطلق الكتاب من تساؤل مركزي مفاده: لماذا فشلت هذه الحركات، رغم عقود من العمل المنظم والقاعدة الشعبية العريضة، في الصمود داخل أروقة الحكم؟ وكيف تحولت السلطة من حلم طال انتظاره إلى "فخ استراتيجي" كشف عجز هذه التنظيمات عن التكيف مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة.
وتستند المؤلفة في تحليلها إلى منهجية مقارنة رصينة، مستمدة من خبرتها الطويلة كمحللة للشؤون الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، ومدعومة بسلسلة من المقابلات المباشرة مع قيادات الصف الأول في هذه الحركات. تخلص بارجيتر إلى أن الأزمة لم تكن مجرد صراع على السلطة أو مؤامرات خارجية، بل كانت "أزمة بنيوية" ناتجة عن تصلب أيديولوجي وعجز عن الانتقال من منطق "الجماعة الدعوية" التي تعيش في الظل، إلى منطق "الدولة المؤسساتية" التي تدار بالعلم والكفاءة. ومن خلال هذا العرض، نكتشف كيف رسمت الباحثة ملامح "نهاية الأوهام" لإيديولوجيا ظنت أن شعاراتها الأخلاقية كافية لإدارة تعقيدات القرن الحادي والعشرين، لتجد نفسها في نهاية المطاف مجبرة على العودة إلى الهامش الذي خرجت منه.
السياق العام: من ذروة الصعود إلى هاوية السقوط
تستهل بارجيتر تحليلها برصد تلك اللحظة المفصلية التي أعقبت انفجار ثورات الربيع العربي، حيث انفتحت أبواب السلطة على مصراعيها أمام حركات الإسلام السياسي التي قضت عقوداً في دهاليز العمل السري ومواجهة القمع المنهجي. هذا التحول المفاجئ لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل كان "صدمة حضارية" لتنظيمات اعتادت أدوار الضحية والمعارضة الأخلاقية. فجأة، وجد قادة هذه الحركات أنفسهم ينتقلون من زنازين السجون ومنافي الاغتراب إلى كراسي الحكم ومكاتب اتخاذ القرار، محمولين على موجة شعبية عارمة ظنت أن "الشرعية الثورية" كفيلة بتذليل عقبات الحكم المعقدة.
توضح المؤلفة كيف تحولت الرغبة الجامحة في التمكن من مفاصل الدولة إلى "فخ استراتيجي" نصبته هذه الحركات لنفسها. فبدلاً من تبني استراتيجية التدرج وبناء التحالفات، اندفعت نحو الاستئثار بالمناصب السيادية، مما وضعها في صدام مباشر ومبكر مع "الدولة العميقة" بمؤسساتها العسكرية والأمنية والبيروقراطية التي لم تكن مستعدة للقبول بـ "وافد غريب" يهدد مصالحها. هذا الاندفاع، الذي وصفته بارجيتر بـ "النهم للسلطة"، أدى إلى استنفار القوى المدنية والليبرالية التي شعرت بالخوف على نمط الحياة والمستقبل السياسي، مما خلق جبهة معارضة واسعة النطاق لم تستطع الحركات الإسلامية احتواءها أو الحوار معها.
تُشرح بارجيتر الفجوة الهائلة بين الشعارات الأيديولوجية ومتطلبات إدارة الدولة الحديثة. فقد دخل الإسلاميون معارك الحكم وهم يمتلكون أدوات "التنظيم الحزبي" و"التجييش الدعوي"، لكنهم افتقروا تماماً للأدوات "التكنوقراطية" والبرامج الاقتصادية الواقعية القادرة على إدارة ملفات معقدة كالأزمات المالية، والأمن القومي، والسياسة الخارجية. هذا القصور المهني جعلهم يبدون كأجسام غريبة داخل جهاز الدولة، حيث عجزوا عن تقديم حلول ملموسة لمطالب الجماهير التي ثارت من أجل "الخبز والحرية"، مما عجّل بتحول التأييد الشعبي إلى سخط عارم مهد الطريق للسقوط السريع والعودة مجدداً إلى "الظل".
الحالة المصرية: صدمة التصلب التنظيمي
تستعرض بارجيتر في هذا الجزء كيف ظلّت جماعة الإخوان المسلمين أسيرة لتاريخها الطويل في العمل السري، وهو ما خلق لديها عقلية "القلعة المحصنة" التي تعطي الأولوية القصوى للحفاظ على تماسك التنظيم وهيبته فوق أي اعتبار وطني آخر. هذا التصلب التنظيمي جعل الجماعة تعتمد بشكل شبه كلي على "أهل الثقة" من داخل الصف الإخواني في شغل المناصب الحيوية، مفضلةً الولاء الأيديولوجي والسمع والطاعة على "الكفاءة الوطنية" والخبرة الفنية. وترى المؤلفة أن هذا النهج "الإقصائي" لم يؤدِّ فقط إلى ضعف الأداء الحكومي، بل عمّق الهوة بين مؤسسة الرئاسة وبيروقراطية الدولة التي رأت في هذا السلوك محاولة "لأخونة" مفاصل القرار.
تنتقل المؤلفة لتحليل الفشل الذريع للجماعة في إدارة علاقاتها مع الشركاء والخصوم السياسيين على حد سواء. فبدلاً من تقديم رسائل طمأنة للقوى المدنية والأقباط ومؤسسات الدولة السيادية بعد الوصول للحكم، اتسم خطاب الجماعة بالارتباك والتعالي أحياناً، مما غذّى المخاوف من مشروع "التمكين" الإخواني. هذا الإخفاق في بناء توافق وطني أدى إلى حالة من "الاستقطاب الحاد" في الشارع المصري، حيث تحولت الساحة السياسية إلى صراع صفري بين معسكرين لا يقبل أحدهما الآخر. وتعتبر بارجيتر أن هذا "العمى السياسي" هو الذي وحّد جبهة المعارضة وسهّل عملية التعبئة الشعبية ضد الجماعة في يونيو 2013.
في الفقرة الختامية لهذا الجزء، تسلط بارجيتر الضوء على الفجوة الكبيرة بين "الشعارات الحالمة" و"الواقع المرير". فقد اصطدم شعار "الإسلام هو الحل" ـ الذي كان ركيزة الدعاية الإخوانية لعقود ـ بملفات اقتصادية واجتماعية شائكة لم تكن الجماعة تملك لها حلولاً عملية. وتؤكد المؤلفة أن الجماعة لم تدرك أن الشرعية في الحكم لا تستند فقط إلى الصناديق، بل إلى القدرة على سداد الديون الخارجية، توفير القمح، وحل أزمات الوقود والكهرباء. هذا العجز عن الانتقال من "الخطاب الوعظي" إلى "الإدارة التكنوقراطية" جرد الجماعة من غطائها الشعبي، وأثبت أن الأدوات التي نجحت في العمل الدعوي والخيري فشلت تماماً في إدارة تعقيدات دولة بحجم مصر.
الحالة التونسية: "النهضة" وبراجماتية البقاء
تستعرض بارجيتر في هذا الجزء التباين الشاسع في التعاطي السياسي بين تونس ومصر، حيث تصف أداء حركة النهضة، بقيادة راشد الغنوشي، بأنه اتسم "بمرونة تكتيكية" مدهشة. فبينما كانت الجماعة في مصر تغرق في صراعها مع مؤسسات الدولة، كانت النهضة تراقب المشهد بدقة وتستخلص العبر. وترى المؤلفة أن قرار الحركة "بالانحناء أمام العاصفة" والتنازل الطوعي عن الحكم في عام 2013 لم يكن ضعفاً، بل كان خطوة براغماتية مدروسة لتفادي مصير الإبادة التنظيمية الذي واجهه الإخوان. لقد أدركت النهضة أن البقاء في "الظل" مع الحفاظ على الوجود القانوني والسياسي، أفضل بكثير من الاستمرار في السلطة مع المخاطرة بانهيار الحركة بالكامل.
تنتقل المؤلفة لتحليل كيفية إدارة النهضة للضغوط الداخلية والخارجية عبر سلسلة من التنازلات المؤلمة لأيديولوجيتها التقليدية. فقد وافقت الحركة على دستور 2014 الذي يخلو من الإشارة المباشرة للشريعة كمصدر أساسي للتشريع، وقبلت بتقاسم السلطة مع خصومها من "نداء تونس" لاحقاً. وتعتبر بارجيتر أن هذه البراغماتية كانت سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة، نجحت النهضة في تقديم نفسها كـ "حزب ديمقراطي إسلامي" مقبول دولياً ومحلياً، ومن جهة أخرى، بدأت تفقد تدريجياً "نقاءها الثوري" وجاذبيتها لدى القواعد المتشددة التي رأت في هذه المناورات تخلياً عن المبادئ الجوهرية للحركة.
في الفقرة الختامية لهذا المحور، تسلط بارجيتر الضوء على ما تسميه "حالة الفصام" التي عاشتها النهضة نتيجة محاولتها التوفيق بين هويتها الإسلامية العميقة وبين ممارستها السياسية التي غلبت عليها الصبغة "العلمانية الإجرائية". هذا الصراع الداخلي تجسد في مؤتمرها العاشر عام 2016، عندما أعلنت الفصل بين "الدعوي" و"السياسي". وتشرح المؤلفة أن هذا التحول خلق أزمة هوية حادة داخل الحركة؛ حيث وجدت نفسها في منطقة رمادية، فلا هي أصبحت حزباً مدنياً خالصاً قادراً على إقناع الليبراليين، ولا هي ظلت حركة إسلامية قادرة على إرضاء تطلعات المحافظين، مما جعل بقاءها في المشهد السياسي رهيناً بالتسويات والتحالفات القلقة لا بالشرعية الشعبية الصلبة.
الحالة الليبية:
تتناول بارجيتر في هذا الجزء الحالة الليبية بوصفها حالة فريدة من "الدولة المنهارة" بعد سقوط نظام القذافي، حيث وجدت جماعة الإخوان المسلمين (عبر ذراعها السياسي "حزب العدالة والبناء") نفسها أمام ساحة تخلو من المؤسسات والتقاليد السياسية. وتشرح المؤلفة كيف حاول الإسلاميون استغلال هذا الفراغ الأمني والمؤسسي لترسيخ وجودهم، معتقدين أن قدرتهم التنظيمية العالية ستمنحهم الأفضلية في تشكيل ملامح "ليبيا الجديدة". إلا أن هذا الرهان اصطدم بواقع مجتمعي يغلب عليه الطابع القبلي ويرتاب من التنظيمات المؤدلجة العابرة للحدود، مما جعل انطلاقتهم محفوفة بالتحديات منذ اللحظة الأولى.
تكشف بارجيتر عن إشكالية كبرى واجهت إخوان ليبيا، وهي "ضعف القاعدة الشعبية" مقارنة بنظرائهم في مصر أو تونس. ولتعويض هذا النقص في الشرعية الجماهيرية، اضطر الإخوان للدخول في تحالفات معقدة وقلقة مع مجموعات مسلحة وميليشيات جهوية كانت هي القوة الفاعلة على الأرض. وترى المؤلفة أن هذا التحالف كان "خياراً انتحارياً"؛ فبينما وفر للجماعة حماية مؤقتة ونفوذاً داخل العاصمة طرابلس، فإنه أدى في المقابل إلى تشويه صورتهم أمام الرأي العام الذي بات يربط بين الإسلام السياسي وفوضى السلاح، مما جعلهم يبدون كجزء من أزمة الدولة لا كجزء من الحل.
في الفقرة الختامية لهذا المحور، تحلل بارجيتر كيف أدى الانخراط في لعبة "المغالبة المسلحة" إلى إدخال البلاد في دوامة من الحروب الأهلية والشرذمة السياسية. وتوضح أن سعي الإسلاميين للحفاظ على مكتسباتهم عبر دعم تشكيلات عسكرية (مثل فجر ليبيا لاحقاً) أدى إلى رد فعل عكسي عنيف وقاد إلى ظهور جبهات مضادة قوية. وتخلص المؤلفة إلى أن هذه الاستراتيجية انتهت بالفشل؛ حيث وجد الإخوان أنفسهم في نهاية المطاف فاعلين "هامشيين" في المشهد الليبي، محاصرين بين مطرقة الرفض الشعبي وسندان القوى العسكرية الصاعدة، مما أدى إلى انحسار دورهم السياسي وتراجع قدرتهم على التأثير في صياغة مستقبل البلاد.
الأفكار المحورية التي يطرحها الكتاب:
تعتبر بارجيتر أن جذر الفشل يكمن في "أزمة الهوية" التي لم تستطع هذه الحركات حسمها؛ فهي ظلت تتأرجح بين كونها "جماعات دينية دعوية" تهدف لإصلاح الفرد والمجتمع، وبين كونها "أحزاباً سياسية مدنية" تتنافس على السلطة. هذا التذبذب خلق حالة من عدم الثقة لدى جميع الأطراف؛ فالجمهور العلماني والمدني ظل ينظر إليها كـ "حركات راديكالية" تتخفى وراء قناع الديمقراطية، بينما بدأت القواعد المتدينة تشعر بالخذلان نتيجة التنازلات السياسية التي قدمتها القيادات باسم البراغماتية. هذا الفصام جعل الحركات تفقد قدرتها على الحشد العقائدي دون أن تنجح في اكتساب ثقة الشارع السياسي العام.
تحلل المؤلفة بعمق ما تسميه "عقدة الضحية"، وهي حالة نفسية جمعية ترسبت عبر عقود من السجون والملاحقات الأمنية. ترى بارجيتر أن هذا الإرث جعل قادة الحركات الإسلامية يدخلون القصور الرئاسية وهم لا يزالون يعيشون بعقلية "المطارد". وبدلاً من الانفتاح على الدولة ومؤسساتها بمنطق "بناء الشراكة الوطنية"، تعاملوا مع الحكم بمنطق "الدفاع عن النفس" والتحصن ضد مؤامرات متخيلة أو حقيقية. هذا الشعور الدائم بالاستهداف حول السلطة في نظرهم من وسيلة لخدمة الشأن العام إلى "غنيمة" يجب حمايتها من "الأعداء"، مما عزلهم سياسياً وعجّل بالاصطدام مع القوى الوطنية.
تختم بارجيتر أطروحتها بتفنيد أسطورة "الإسلام هو الحل" عند اصطدامها بالواقع المعيشي. فقد اعتمدت هذه الحركات لسنوات طويلة على سمعتها في العمل الخيري والنزاهة الأخلاقية كمصدر للشرعية، لكن بمجرد وصولها للسلطة، اكتشفت الجماهير غياب البرامج الاقتصادية والاجتماعية القابلة للتنفيذ. وتوضح المؤلفة أن الرصيد العاطفي والديني تبخر بسرعة مذهلة عندما فشلت هذه الحركات في تقديم حلول لأزمات البطالة، والتضخم، والخدمات الأساسية. لقد أثبتت التجربة ـ حسب الكتاب ـ أن الإدارة الناجحة للدولة تتطلب رؤى تقنية وعلمية تتجاوز بكثير مجرد الوعظ الأخلاقي أو التنظيم الحركي، وهو ما افتقرت إليه هذه الحركات تماماً.
يخلص الكتاب إلى أن "الانكفاء إلى الظل" لم يكن خياراً تكتيكياً فحسب، بل كان قدراً محتوماً لحركات لم تستطع تطوير نفسها لمواجهة الحداثة السياسية. يتميز الكتاب بأسلوب تحليلي بارد ومحايد، بعيداً عن العاطفة أو الانحياز، ويعتمد على مقابلات حية مع صناع القرار في تلك الحركات، مما يجعله وثيقة تاريخية وتحليلية هامة لأي باحث في شؤون الشرق الأوسط.
باختصار: هو كتاب يحلل "نهاية الأوهام" لإيديولوجيا ظنت لسنوات أن الوصول للكرسي هو نهاية المطاف، لتكتشف أن الحفاظ عليه يتطلب أدوات مختلفة تماماً عما تملكه في "ظلها" القديم.
