هدنة إسلام آباد: رقصة فوق حافة الهاوية بين واشنطن وطهران
الأحد 03/مايو/2026 - 10:54 ص
طباعة
حسام الحداد
لم تكن نيران الحرائق التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي مجرد استهداف لمنشآت نووية وصاروخية حصينة، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً أعاد رسم خارطة القوة في الشرق الأوسط؛ فبينما كانت الأدخنة لا تزال تتصاعد من الركام، وجدت طهران نفسها في مواجهة فراغ سياسي غير مسبوق بعد مقتل المرشد الأعلى، مما وضع النظام أمام معضلة الوجود لا الحدود. وفي ظل هذا المشهد الجنائزي والعسكري المعقد، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد ليس كجسر للدبلوماسية التقليدية فحسب، بل كمنصة أخيرة وأداة كبح اضطرارية لمنع انزلاق المنطقة نحو "حرب شاملة" تجاوزت نذرها حدود الخليج لتنذر بحريق عالمي لا يبقي ولا تذر، في وقت بدا فيه أن آلة الحرب قد سبقت طاولة الحوار بمراحل ضوئية.
وسط هذا الانكسار الإيراني والاندفاع الأمريكي، جاءت المحادثات المباشرة بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمسؤولين الإيرانيين لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المرحلة المقبلة. وبالنظر إلى مسار التفاوض، يتضح أن ما تم التوصل إليه في إسلام آباد ليس "اتفاق سلام" بالمعنى الدبلوماسي، بل هو في الواقع "استراحة محارب" هشة فوق أرضية مفخخة بالألغام السياسية والعسكرية. هي هدنة فُرضت بضرورات الأمر الواقع؛ حيث تحتاج طهران لالتقاط أنفاسها وتضميد جراحها الداخلية، بينما تسعى واشنطن لتثبيت مكاسبها الميدانية عبر الضغط الدبلوماسي. ومع استمرار التهديدات المتبادلة، يظل هذا الهدوء الحذر رقصة خطرة فوق حافة الهاوية، بانتظار ما إذا كانت الحكمة ستسود، أم أننا بصدد هدنة تقنية تسبق الانفجار الأكبر.
دبلوماسية "الرجل القوي" مقابل "براغماتية الجريح"
دخلت واشنطن أروقة مفاوضات إسلام آباد وهي تتسلح بفائض قوة غير مسبوق، مستندة إلى واقع ميداني جديد فرضته ضربات الثامن والعشرين من فبراير التي لم تكتفِ بهز الجسد العسكري الإيراني، بل أصابت رأس الهرم السياسي في طهران. ومن هذا المنطلق، لم تكن إدارة ترامب بوارد تقديم تنازلات أو العودة إلى مربع "التفاهمات الهشة" التي طبعت العقود الماضية، بل أوفدت نائب الرئيس "جي دي فانس" حاملاً تفويضاً صارماً يتبنى مبدأ "الحسم لا التفاوض"؛ حيث وضعت طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التفكيك الشامل والنهائي للبرنامج النووي والصاروخي تحت رقابة دولية لصيقة ومباشرة، أو القبول بمواجهة حصار بحري واقتصادي خانق يهدف إلى تجفيف ما تبقى من منابع القوة الإيرانية، في تجسيد لسياسة "الرجل القوي" الذي يرى في ضعف الخصم فرصة تاريخية لا تتكرر لفرض شروط المنتصر.
في المقابل، صاغت طهران استراتيجيتها في "مفاوضات الغرف المغلقة" بعقلية الجريح الذي يدرك فداحة خسائره لكنه يرفض الاستسلام المطلق، محاولةً توظيف ورقة "مضيق هرمز" كأداة للمقايضة الذكية. اقتراح طهران القاضي بإعادة فتح الشريان الحيوي للطاقة العالمية مقابل عزل الملف النووي وتأجيله لمراحل لاحقة، ليس سوى محاولة كلاسيكية لفك الارتباط بين الأزمة المعيشية والخانق الاستراتيجي، بهدف شراء الوقت لإعادة ترتيب البيت الداخلي بعد غياب المرشد. غير أن هذه "البراغماتية المتأخرة" اصطدمت بجدار الرفض في البيت الأبيض؛ إذ تنظر إدارة ترامب للاقتراح الإيراني بكونه "فخاً دبلوماسياً" يهدف لإنقاذ النظام اقتصادياً دون تقديم الثمن السياسي المطلوب، مؤكدةً أن استئصال ما تصفه بـ "رأس الأفعى" النووي هو الأولوية القصوى التي لا تقبل التجزئة أو التأجيل، طالما أن طهران تعيش أسوأ حالات انكشافها الاستراتيجي منذ عام 1979.
هرمز: سلاح ذو حدين
تتجاوز الهدنة الحالية كونها وقفاً لإطلاق النار لتصبح "مقامرة نفطية" كبرى، حيث تحول مضيق هرمز من ممر تجاري إلى "خناق استراتيجي" تستخدمه طهران ببراعة الجريح. فمن خلال سيطرتها الجزئية والمناوشات المحسوبة في المضيق، تسعى إيران لتحويل القلق العالمي من نقص إمدادات الطاقة إلى ضغط سياسي دولي يرتد في وجه واشنطن. هي تراهن على أن الارتفاع الجنوني في أسعار الخام سيجبر العواصم الغربية على التمرد على الرؤية الأمريكية المتصلبة، مطالبةً بتهدئة تضمن تدفق النفط حتى لو كان الثمن تقديم تنازلات سياسية لطهران. بالنسبة لصناع القرار في إيران، يمثل المضيق "الطلقة الأخيرة" في جعبة الدبلوماسية الخشنة، حيث تهدف المناورة إلى إثبات أن استقرار الأسواق العالمية لا يزال يمر حتماً عبر الرضا الإيراني، رغم كل الضربات التي تلقاها النظام.
في المقابل، لم تكتفِ إدارة ترامب بدور المراقب، بل ردت بفرض حصار بحري يعد الأكثر جرأة وتعقيداً منذ عقود، في محاولة لفرض واقع "الأمن مقابل الغذاء أو النفط". تهدف واشنطن من خلال خنق الموانئ الإيرانية ومنع مرور السفن المشتبه بها إلى سحب ورقة القوة من يد طهران وتحويل المضيق إلى عبء عليها لا ميزة لها. لقد تحول المشهد الآن إلى سباق مع الزمن واختبار قاسٍ لقوة التحمل (War of Attrition)؛ فبينما يختنق الداخل الإيراني اقتصادياً تحت وطأة توقف الصادرات وتجفيف السيولة، تواجه الإدارة الأمريكية في المقابل اختباراً شعبياً داخلياً مع اشتعال أسعار الوقود في المحطات الأمريكية وتذمر الحلفاء الأوروبيين والآسيويين. والسؤال الجوهري الذي يتردد في أروقة مراكز الدراسات هو: من يمتلك "النفس الأطول"؟ هل هي طهران التي اعتادت العيش في ظل الأزمات، أم ترامب الذي يراقب بعينٍ قلقة مؤشرات الأسواق وعينه الأخرى على استقرار جبهته السياسية الداخلية؟
الهروب من "قانون صلاحيات الحرب"
على رقعة الشطرنج السياسية في واشنطن، لا تبدو الهدنة مع إيران مجرد مسعى للسلام، بل هي "هندسة قانونية" متقنة صممها البيت الأبيض لتحييد دور الكونغرس في إدارة الصراع. فمن خلال إبلاغ الرئيس ترامب للكونغرس رسمياً بأن "الأعمال العدائية قد انتهت" بفضل الوساطة الباكستانية، يكون قد قطع الطريق على تفعيل "قانون صلاحيات الحرب" (War Powers Resolution) لعام 1973. هذا القانون الذي يلزم الرئيس بسحب القوات بعد 60 يوماً ما لم يحصل على تفويض صريح، كان سيمثل عائقاً أمام استكمال استراتيجية الضغط العسكري؛ لذا جاءت الهدنة لتعيد عقارب الساعة القانونية إلى الصفر، مما يسمح للإدارة بالاحتفاظ بحشدها العسكري الضخم في الخليج وتوسيع حصارها البحري تحت مسمى "عمليات تأمين الملاحة" وليس "أعمالاً حربية"، وهو ما يمنح ترامب تفويضاً مفتوحاً دون الحاجة لمباركة المشرعين.
إن هذا الهدوء الحذر الذي وفرته "اتفاقية إسلام آباد" يمنح البنتاغون ميزة استراتيجية هائلة؛ وهي "حرية الحركة العسكرية" بعيداً عن الرقابة التشريعية المعقدة والقيود التي تفرضها الميزانيات أو التوازنات الحزبية. وبدلاً من الدخول في جدال سياسي داخل أروقة مجلس الشيوخ، نجح ترامب في إبقاء الخيار العسكري جاهزاً لـ "التنفيذ الفوري" دون مقدمات؛ فالخطط الجوية لضرب دفاعات هرمز وتطوير الأهداف النووية المتبقية لم تتوقف، بل جرى تحديثها تحت غطاء الهدنة. وبالنتيجة، تحول قرار العودة إلى المواجهة الشاملة من "مشروع قانون" يتطلب أسابيع من المداولات، إلى قرار تنفيذي بسيط قد لا يحتاج لأكثر من "تغريدة" أو تصريح مقتضب، مما يجعل طهران تعيش تحت تهديد دائم لا تحميه معاهدات، بل تتحكم فيه الإرادة المنفردة لسيد البيت الأبيض.
إن مقترح إسلام آباد، رغم كونه بارقة أمل، يفتقر إلى العمود الفقري لأي اتفاق دائم: الثقة والضمانات. إيران تطلب تعويضات عن ضربات فبراير، وأمريكا تطلب "استسلاماً نووياً" غير مشروط.
نحن أمام مشهد سريالي؛ طائرات أمريكية تجوب سماء الخليج، وبوارج تحاصر الموانئ، وطاولات مفاوضات في باكستان تحاول رأب صدع تاريخي. الحقيقة المرة هي أن هذه الهدنة الهشة قد لا تكون سوى مرحلة إعادة تذخير لمواجهة ثانية، ما لم يدرك الطرفان أن الرقص فوق حافة الهاوية ينتهي دائمًا بسقوط الجميع.
