استراتيجية حافة الهاوية: نتنياهو يربط هدنة الجنوب بتفكيك اليورانيوم الإيراني

الثلاثاء 12/مايو/2026 - 09:48 ص
طباعة استراتيجية حافة الهاوية: حسام الحداد
 
استيقظت منطقة الشرق الأوسط صباح اليوم، الثلاثاء 12 مايو 2026، على وقع قرع طبول حرب تتجاوز في أبعادها المواجهات الحدودية التقليدية؛ حيث شنت القوات الجوية الإسرائيلية موجة من الغارات العنيفة والمركزة التي استهدفت عمق الجنوب اللبناني، متجاوزة "قواعد الاشتباك" المعهودة لتصل إلى مناطق لم تشهد توتراً عسكرياً منذ سنوات. هذا التحول الميداني المتسارع لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل جاء متزامناً مع حراك سياسي ودبلوماسي إسرائيلي يهدف إلى تحويل الساحة اللبنانية إلى منصة ضغط استراتيجية تهدف إلى انتزاع تنازلات كبرى في الملفات الإقليمية العالقة، وعلى رأسها الطموحات النووية الإيرانية.
وتشير القراءة التحليلية للمشهد الراهن إلى أن المنطقة دخلت "منطقة اضطراب" جيوسياسي غير مسبوقة، بعد أن أرسى رئيس الوزراء الإسرائيلي معادلة أمنية جديدة تربط بشكل عضوي وغير مسبوق بين استعادة الهدوء على جبهة الشمال وبين تفكيك ركائز البرنامج النووي الإيراني. هذا الربط الاستراتيجي وضع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أمام اختبار حقيقي لقدرتها على منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، في وقت يبدو فيه أن الخيارات الدبلوماسية باتت محاصرة بين التصلب الإسرائيلي في المطالب وبين التمدد العسكري الميداني الذي يهدد بتفجير صراع إقليمي واسع النطاق لا يمكن التنبؤ بنهاياته.

الميدان: غارات دموية وتوسع في بنك الأهداف
تشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً ميدانياً هو الأعنف، حيث شنت المقاتلات الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع متفرقة. ووفقاً لبيانات رسمية صادرة عن السلطات في بيروت ونقلتها صحيفة  The Hindu، فقد أدت هذه الموجة من الهجمات إلى مقتل 6 أشخاص، بالإضافة إلى وقوع عدد من الجرحى في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء. وتعكس هذه الحصيلة الدموية طبيعة المرحلة الجديدة من المواجهة التي بدأت تتخذ طابعاً أكثر حدة واتساعاً.
وما يثير القلق بشكل أكبر في هذا التصعيد هو استراتيجية "تجاوز الخطوط" التي انتهجتها القوات الإسرائيلية؛ إذ لم تعد الضربات مقتصرة على المناطق الحدودية المتاخمة، بل امتدت لتشمل جغرافياً مناطق بعيدة نسبياً عن الخطوط الأمامية والاشتباكات المعتادة. هذا التوسع الملحوظ في بنك الأهداف يشير بوضوح إلى رغبة إسرائيلية في تعميق دائرة الاستهداف وزيادة الضغط العسكري عبر ضرب عمق المناطق اللبنانية، مما يغير من قواعد الاشتباك المعمول بها سابقاً.
وقد أثارت هذه التطورات المتلاحقة موجة عارمة من القلق والترقب على المستوى الدولي، حيث حذر مراقبون من أن استمرار هذا النمط من الغارات قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على المشهد الأمني. وتسود مخاوف جدية لدى القوى الدولية من أن يؤدي هذا التوسع الميداني إلى انزلاق المنطقة برمتها نحو مواجهة شاملة ومفتوحة تتجاوز الحدود المحلية، لتتحول إلى صراع إقليمي واسع النطاق لا يمكن احتواء تداعياته.

الموقف الإسرائيلي: ربط لبنان بالبرنامج النووي
على الصعيد السياسي، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جملة من التصريحات التي وُصفت بـ "النارية" خلال مقابلة أجراها مع وسائل إعلام أمريكية، حيث سعى من خلالها إلى وضع العمليات العسكرية الجارية في إطار استراتيجي أكثر شمولاً. وأكد نتنياهو أن ما يحدث على الأرض ليس مجرد رد فعل مؤقت، بل هو جزء أصيل من رؤية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في المنطقة، مشدداً بصيغة حاسمة على أن "الحرب لم تنتهِ بعد" وأن المواجهة الحالية لم تصل إلى فصولها الختامية كما يعتقد البعض.
وفي تحول جذري ومفاجئ للأهداف المعلنة، أرسى نتنياهو معادلة سياسية جديدة تربط بشكل مباشر بين وقف النزاع في لبنان وتحقيق مكاسب استراتيجية في الملف الإيراني، حيث وضع شرطاً وصف بأنه "تعجيزي" يتمثل في ضرورة "إخراج اليورانيوم المخصب" من الأراضي الإيرانية كضمانة لإنهاء القتال. هذا الربط العضوي بين جبهة الشمال والبرنامج النووي الإيراني يمثل خروجاً عن السياقات التقليدية للصراع، ويضع المجتمع الدولي أمام سقف مطالب إسرائيلي مرتفع يتجاوز بكثير مجرد تأمين الحدود الشمالية.
وقد حظي هذا التوجه بتحليل معمق من قبل الخبراء في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، الذين اعتبروا أن هذا الربط غير المسبوق يمثل محاولة إسرائيلية واضحة لحسم الملفات الإقليمية الكبرى دفعة واحدة. ويرى المحللون أن دمج ملف لبنان بالنووي الإيراني يهدف إلى استغلال الزخم العسكري الحالي لفرض تسوية شاملة تُحيّد التهديدات الوجودية التي تراها إسرائيل، مما يضع جهود الوساطة الدولية في مأزق حقيقي نظراً لتعقيد هذا الشرط وصعوبة تحقيقه على طاولة المفاوضات قصيرة المدى.

الوساطة الأمريكية: مأزق "الخيارات الضيقة"
يجد صانع القرار في واشنطن نفسه اليوم أمام مأزق حقيقي ومعقد، حيث تسببت المواقف الإسرائيلية المتشددة في وضع جهود الوساطة الأمريكية في "زاوية ضيقة" للغاية. ويرى المراقبون، وفقاً لما نقلته تقارير صحيفة The Hindu وأبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، أن إقحام الملف النووي الإيراني في صلب النزاع اللبناني الإسرائيلي قد أدى إلى رفع سقف المطالب إلى مستويات تعجيزية. هذا التحول الدراماتيكي يقلص بشكل حاد فرص النجاح الدبلوماسي التي كانت تهدف في الأساس إلى تأمين الجبهة الشمالية وإعادة السكان إلى منازلهم، ليتحول المسار التفاوضي إلى ملف شائك يصعب حسمه في المدى المنظور.
وعلى صعيد "فجوة الرؤى"، تتكشف حالياً هوة عميقة بين الأجندة الأمريكية التي تمنح الأولوية المطلقة لسياسة "احتواء" الصراع ومنع تمدده إلى حرب إقليمية شاملة، وبين الرؤية الإسرائيلية التي باتت ترى في التصعيد العسكري الحالي "فرصة استراتيجية" لا تتكرر. فبينما تسعى واشنطن لتهدئة الجبهات لتجنب الانخراط في نزاع واسع، تندفع تل أبيب نحو فرض واقع جيوسياسي جديد في منطقة الشرق الأوسط، مستخدمة في ذلك أقصى درجات الضغط العسكري الميداني والزخم السياسي الدولي لانتزاع تنازلات استراتيجية تتعلق بالأمن القومي الإيراني نفسه.
وفي الفقرة الختامية لهذا المحور، يظهر أن هذا التباين في المصالح بين الحليفين قد وضع الوسطاء في حالة من "الشلل التكتيكي"؛ إذ إن الربط الإسرائيلي بين جبهة لبنان وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران يجعل من أي تسوية جزئية أمراً مستبعداً. وتكشف هذه التطورات عن رغبة إسرائيلية في ممارسة سياسة "حافة الهاوية" لفرض شروطها، ليس فقط على الخصوم، بل وحتى على الحليف الأمريكي، مما يضع استقرار المنطقة بأسرها على المحك في ظل غياب أي رؤية موحدة بين واشنطن وتل أبيب لكيفية إنهاء هذه الأزمة المتصاعدة.
في المحصلة، يتبدى بوضوح أن المواجهة في جنوب لبنان قد غادرت إطارها كصراع حدودي لتصبح "رأس حربة" في مشروع إسرائيلي يهدف إلى إعادة هندسة الموازين الإقليمية بالقوة. ومع إصرار تل أبيب على ربط مصير قرى الشمال بملف اليورانيوم في طهران، تجد المنطقة نفسها أمام سيناريو "الهدنة المحتضرة" التي قد لا تجد من يسعفها في ظل تضارب الرؤى بين الحليفين الأمريكي والإسرائيلي. إن الساعات القادمة لن ترسم فقط ملامح الجبهة اللبنانية، بل قد تحدد مستقبل التوازن النووي في المنطقة، وسط خشية حقيقية من أن يكون هذا "التصعيد التكتيكي" هو الخطوة الأولى في حرب إقليمية لم تعد مجرد احتمال، بل باتت قدراً يطرق الأبواب.

شارك