الوقائع تكذب مزاعم كاهن اشوري حول الحرية الدينية في إيران

الثلاثاء 12/مايو/2026 - 10:09 ص
طباعة روبيرالفارس
 


أثارت تصريحات" إيلوش درياوش عزيزيان" كاهن كنيسة المشرق الآشورية في أورميا بإيران، ، التي أدلى بها خلال برنامج «رواية النصر» على وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن القوميات والأديان في إيران، ومن ضمنهم الآشوريون المسيحيون، يتمتعون بحقوق متساوية ويعيشون بحرية كاملة، وأن محاولات بعض وسائل الإعلام الأجنبية لإثارة الانقسام «فشلت».
غير أن مراجعة واقع المسيحيين في إيران، وفق تقارير منظمات حقوقية دولية ووقائع موثقة على مدار سنوات، تكشف صورة أكثر تعقيداً.

 اعتراف دستوري… لكن بقيود

يعترف دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالمسيحية كأحد «الأديان المعترف بها»، إلى جانب اليهودية والزرادشتية، ويمنحها تمثيلاً محدوداً في البرلمان. لكن هذا الاعتراف لا يعني مساواة كاملة في الحقوق مع المسلمين الشيعة الذين يشكلون غالبية السكان.
فالمناصب السيادية العليا، مثل رئاسة الجمهورية والقضاء والقيادة العسكرية، تظل محصورة عملياً بالمسلمين الشيعة، كما أن التشريعات المدنية والأحوال الشخصية تخضع في كثير من الأحيان لتفسيرات دينية إسلامية.كما 
تُفرّق السلطات الإيرانية بين المسيحيين «التقليديين» (الأرمن والآشوريين) الذين تعود جذورهم إلى قرون في إيران، وبين الإيرانيين الذين يعتنقون المسيحية حديثاً 
فبينما يُسمح للكنائس الأرمنية والآشورية بممارسة شعائرها ضمن نطاق محدد، تواجه الكنائس الناطقة بالفارسية قيوداً مشددة، كما يتعرض المتحولون إلى المسيحية للملاحقة بتهم تتعلق بـ«الأمن القومي» أو «نشر الدعاية ضد النظام».
وقد وثقت تقارير حقوقية دولية اعتقالات متكررة لمسيحيين بسبب نشاطهم الديني خارج الأطر المعترف بها رسمياً.

 حرية العبادة… ضمن حدود
رغم وجود كنائس مفتوحة في مدن مثل طهران وأورميا وأصفهان، فإن  الأنشطة الكنسية تخضع   للرقابة الأمنية، خاصة ما يتعلق بالتجمعات المنزلية أو توزيع المواد الدينية باللغة الفارسية.

وتشير شهادات مهاجرين مسيحيين إيرانيين إلى أن بعضهم اختار مغادرة البلاد بسبب الضغوط أو المخاوف من الملاحقة، ما أدى إلى تراجع أعداد المسيحيين خلال العقود الأخيرة مقارنة بما كان عليه الحال قبل الثورة الإسلامية عام 1979.

 أورميا كنموذج
تُعرف مدينة أورميا بتنوعها القومي والديني، حيث يعيش الآشوريون والأرمن والأكراد والآذريون إلى جانب بعضهم البعض. غير أن هذا التنوع لا يلغي وجود توترات متقطعة أو حساسيات سياسية، خصوصاً في المناطق الحدودية ذات البعد القومي.
الحديث عن «فشل محاولات إثارة الفتن» قد يعكس رؤية رسمية، لكنه لا ينفي وجود تحديات حقيقية تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية والدينية.

 خطاب الولاء في الإعلام الرسمي

يرى مراقبون أن ظهور رجال دين من الأقليات في برامج تنتجها مؤسسات إعلامية رسمية، مثل وكالة الأنباء الإيرانية، غالباً ما يأتي في سياق تأكيد خطاب الوحدة الوطنية والرد على الانتقادات الدولية.
ويشير هؤلاء إلى أن رجال الدين المسيحيين داخل إيران يعملون ضمن هامش دقيق، يجعلهم حريصين على عدم الاصطدام بالمؤسسة الحاكمة، خاصة في ظل حساسية أي خطاب يُفسَّر على أنه انتقاد للنظام.
وفي هذا السياق، قد يُفهم تأكيد الكاهن على «المساواة الكاملة» و«فشل محاولات الانقسام» باعتباره جزءاً من خطاب سياسي عام، أكثر منه تقييماً موضوعياً شاملاً لأوضاع الحريات الدينية.

 بين الوحدة الوطنية وواقع الحريات

لا شك أن المجتمع الإيراني متعدد ومركّب، وأن فترات الحرب، ومنها الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، شهدت مشاركة أبناء الأقليات الدينية في الدفاع عن البلاد. لكن ربط تلك المرحلة بواقع الحريات الدينية اليوم لا يحسم الجدل حول مدى تمتع المسيحيين بحقوق متساوية في جميع المجالات.
فالتمييز القانوني بين المسلمين وغير المسلمين، والقيود المفروضة على التحول الديني، وملاحقة بعض الأنشطة الكنسية، كلها عناصر تطرح تساؤلات حول دقة وصف الوضع بأنه «مساواة كاملة».
لذلك تعكس 
تصريحات كاهن كنيسة المشرق الآشورية  خطاباً رسمياً يؤكد على التعايش والوحدة، وهو خطاب يجد صدى لدى شريحة من المواطنين. غير أن تقييم أوضاع المسيحيين في إيران يتطلب النظر إلى الوقائع القانونية والممارسات العملية، التي تشير إلى وجود قيود واضحة، خاصة على الأنشطة الدينية خارج الإطار التقليدي المعترف به.
وبين صورة الوحدة المعلنة وتحديات الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الأقليات الدينية في إيران على التعبير بحرية كاملة عن آرائها، بما في ذلك انتقاد السياسات الرسمية، دون خشية من تبعات قانونية أو أمنية.

شارك