الإسلام السياسي 2026.. ثلاثية السلاح، والحوكمة، والتصنيف الأمريكي

الأربعاء 10/يونيو/2026 - 10:29 ص
طباعة الإسلام السياسي 2026.. حسام الحداد
 
تشهد ساحة الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط منعطفاً بالغ الدلالة خلال النصف الأول من عام 2026، إذ تتشابك فيها خيوط متعددة من الأزمات الميدانية والمراجعات الاستراتيجية وإعادة رسم خرائط الشرعية والسلطة. ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة أنها تضع الحركات الإسلامية السياسية في مواجهة ثلاثة اختبارات مفصلية في آنٍ واحد: اختبار التسوية في غزة، واختبار التصنيف الأمريكي للإخوان المسلمين، واختبار شرعية الحوكمة في سوريا ما بعد الأسد.
وتكشف القراءة المتأنية لهذه الملفات الثلاثة أن ثمة تحولاً عميقاً يجري في طريقة تعامل القوى الكبرى مع ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ لم تعد المعادلة القائمة على الفصل بين "الإسلاميين المعتدلين" و"المتطرفين" كافيةً لاستيعاب التعقيدات الراهنة، في ظل مشهد تتداخل فيه حركات ذات مسارات متباينة بين الخيار الميداني المسلح والممارسة السياسية والحوكمة المدنية.
الإسلام السياسي 2026..
أولاً: غزة — هشاشة الهدنة وملف نزع السلاح
وفق ما أفادت به جلسات مجلس الأمن الدولي، تبقى الهدنة في غزة هشةً بشكل متصاعد في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والنشاط المسلح لحماس والفصائل الأخرى، حتى بات المراقبون الدوليون يصفون الوضع بأنه "وقف نار بالاسم فحسب"، في حين تتراكم الانتهاكات على الجانبين دون أن يُفضي ذلك إلى انهيار رسمي للاتفاق.
وتواجه المرحلة الثانية من إطار أكتوبر 2025 جملةً من التحديات العالقة التي تُعيق التقدم نحو تسوية دائمة، وفي مقدمتها ملف نزع سلاح حماس الذي بات يُشكّل عقدة المفاوضات الكبرى. وقد أبدت الحركة استعداداً مشروطاً للتجريد مقابل انسحاب إسرائيلي ملموس وتقدم حقيقي نحو إقامة الدولة الفلسطينية، غير أن الفجوة بين الموقفين لا تزال واسعة.
وتتمسك حماس بموقف محدد يقضي بالاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة أو المشاركة في تشكيل قوات الشرطة في غزة ما بعد الحرب، وهو ما يعكس قناعةً استراتيجية داخل الحركة بعدم الاستغناء عن الورقة الأمنية قبل الحصول على ضمانات سياسية دولية موثوقة، في حين يرفض ترامب ونتنياهو أي صيغة تُبقي للحركة حضوراً مسلحاً في أي ترتيب مستقبلي.
وتسعى "هيئة السلام" المُعيَّنة حديثاً إلى رسم مسار المرحلة الثانية، والتي تشمل إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وإيصال المساعدات، والتفاوض على الانسحاب الإسرائيلي الكامل — وهي ملفات طالما أثارت الخلاف بين الأطراف، وتزيد من تعقيدها غياب تصور متفق عليه حول طبيعة الجهة التي ستتولى حكم غزة بعد رحيل حماس عن السلطة.
ويرصد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في اختبار قدرة "هيئة السلام" على إدارة ملفات متناقضة في آنٍ واحد، في مقدمتها التفريق بين المطالب الإنسانية العاجلة ومتطلبات التسوية السياسية طويلة الأمد، وهو تحدٍّ لم تنجح أي هيئة دولية سابقة في التعامل معه خلال مراحل ما بعد الصراع في المنطقة.

ثانياً: استهداف الإخوان المسلمين في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026
في السادس من مايو الماضي، كشفت إدارة ترامب عن استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب للعام 2026، واصفةً جماعة الإخوان المسلمين بأنها "الجذر الأصيل لكل الإرهاب الإسلامي المعاصر"، ومتعهدةً "بسحق التنظيم في كل مكان يعمل فيه"، في إعلان يُمثّل أكثر الاستراتيجيات الأمريكية صراحةً وشمولاً في مواجهة الحركات الإسلامية منذ عقود.
وقد أعلنت الاستراتيجية عن تصنيف فروع إخوانية عدة بينها الجماعة الإسلامية اللبنانية والإخوان المصريون والأردنيون، فيما تعهدت بتوسيع دائرة التصنيف لتشمل فروعاً إضافية في مرحلة مقبلة، مستندةً إلى خيط اتصال مباشر بين الإخوان وتمويل حماس، وهو ما ترى فيه الإدارة دليلاً على وحدة المنظومة الإيديولوجية والتنظيمية.
وتُجسّد هذه الاستراتيجية قطيعةً مع المقاربة الغربية التقليدية التي كانت تفرّق بين "المعتدلين" و"المتطرفين"، والتي طالما وفّرت لشبكات الإسلام السياسي غطاءً دولياً مريحاً. وتتحدى هذه المقاربة الجديدة مبدأ الفصل بين الجناح السياسي الخيري للجماعة وبنيتها العميقة الداعمة للعنف، معتبرةً أن هذا الفصل لم يكن يوماً حقيقياً بل كان استراتيجية تكتيكية.
غير أن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى دعا إلى نهج أكثر دقةً وتمييزاً، محذراً من أن التصنيف الشامل للتنظيم قد يُفضي إلى تداعيات عكسية تمس علاقات واشنطن مع حكومات حليفة تضم في بنيتها السياسية تيارات إخوانية أو تتعامل معها. ويقترح المعهد توجيه التركيز نحو الفروع التي تمارس دعماً مثبتاً وفعلياً لعمليات إرهابية، بدلاً من فرض تصنيف جماعي.
وعلى المستوى الميداني، تفرض الاستراتيجية تداعيات مالية وقانونية فورية تطال شبكات التمويل والمؤسسات المرتبطة بالإخوان في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، مما قد يُعيد رسم خريطة التدفقات المالية للحركة وطبيعة علاقتها بالمنظمات الخيرية والمؤسسات التعليمية التابعة لها على المستوى الدولي.

ثالثاً: سوريا — هيئة تحرير الشام بين الحوكمة والإرث الجهادي
دخلت سوريا عام 2026 في ظل مخاطر مستمرة من العنف وانعدام الاستقرار؛ فلا يوجد جيش وطني موحد، ولا تمارس الحكومة الانتقالية سيطرة كاملة على مليشياتها، وهو ما تجلّى بوضوح في موجة العنف التي طالت الأقليات العلوية في مارس 2025، مُعيدةً إلى الواجهة أسئلةً حارقة حول قدرة السلطة الجديدة على إدارة التنوع وضبط مسالك العنف في دولة خارجة من حرب مديدة.
ووفقاً لما رصده فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بتنظيم الدولة والقاعدة في فبراير 2026، تواصل هيئة تحرير الشام مرحلةً انتقاليةً غير مكتملة، يرافقها استيعاب تدريجي لكوادرها في البنى العسكرية والإدارية السورية الجديدة، في مسار يصفه المراقبون بالهش والمُحفوف بمخاطر الانتكاس الأيديولوجي في حال تعثّر مسار الدولة.
وعلى الصعيد الإقليمي، رصد معهد هدسون كيف أن نموذج الهيئة — القائم على تقديم الخدمات المدنية والانسحاب التدريجي من الخطاب الجهادي الصريح مع الحفاظ على الهوية الإسلامية للمشروع — بات ملهماً جدياً لعدد من الحركات الجهادية في منطقة الساحل الأفريقي ومناطق أخرى، التي تتساءل عن إمكانية تطبيق ما يُسميه الباحثون "النموذج السوري" في سياقاتها المحلية المختلفة.
ويبقى السؤال المحوري الذي تتصارع حوله أروقة التحليل الاستراتيجي: هل تجريد الهيئة من خطابها الجهادي يُعبّر عن تحول أيديولوجي حقيقي أم مجرد تكيّف تكتيكي مع متطلبات الحوكمة واستحقاقات الاعتراف الدولي؟ وهو سؤال يحمل أثراً مباشراً على حجم الدعم الذي ستحظى به دمشق الجديدة في رحلتها نحو رفع العقوبات وإعادة الإعمار.
وتبقى سوريا في عام 2026 نموذجاً فريداً في المشهد الإقليمي؛ فهي تُقدّم لأول مرة حالةً لحركة من أصول جهادية تُجرّب إدارة دولة بأمبراطورية بيروقراطية وملف دبلوماسي ومتطلبات خدماتية — وستُشكّل نتيجة هذه التجربة مرجعاً حاسماً لفهم مستقبل الحركات الإسلامية المسلحة في مواجهة إغراء السلطة ومتطلباتها.

خلاصة:
تكشف هذه الملفات الثلاثة في مجموعها عن تحول بنيوي في طبيعة أزمة الإسلام السياسي؛ فلم يعد الصراع محصوراً في ثنائية الشرعية والعنف، بل امتد ليطال أسئلةً أعمق تتصل بقدرة هذه الحركات على إنتاج حوكمة مستدامة، وتفاوضها على شرعية دولية، ومواجهة استراتيجيات الاحتواء والتصنيف الأمريكية في لحظة إقليمية بالغة التعقيد والاضطراب.

شارك