من البحر الأحمر إلى سجون الحسكة.. جغرافيا التهديد الجهادي في 2026

الأربعاء 10/يونيو/2026 - 11:29 ص
طباعة من البحر الأحمر إلى حسام الحداد
 
لم تنتهِ حروب المنطقة بانتهاء معاركها الكبرى، بل تحوّلت إلى حالة مزمنة من الاشتعال المتقطع والتموضع المستمر. ففي حين تُصنَّف بعض الجماعات المسلحة رسمياً في خانة "الهزيمة" أو "الاحتواء"، تكشف معطيات النصف الأول من 2026 أن الخريطة الميدانية تشهد إعادة توزيع للأدوار لا تقلصاً حقيقياً للتهديد؛ إذ يُعيد الحوثيون انتشارهم في ساحة إقليمية متوسّعة، ويُعيد داعش تجميع صفوفه عبر ثغرات منظومة الاحتجاز الدولية، فيما يُصعّد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من حضوره الدعائي والعملياتي في آنٍ واحد.
وما يجمع هذه الحركات الثلاث على تباين طبائعها وأيديولوجياتها، هو قدرتها المُثبَتة على استثمار الفراغات: فراغ السلطة في اليمن وسوريا والعراق، وفراغ الانتباه الدولي المنصرف نحو الملف الإيراني والحرب الأوكرانية، وفراغ الإرادة السياسية في بناء منظومة احتجاز دولية مستدامة. وهذه الفراغات مجتمعةً هي التربة الحقيقية التي تنمو فيها هذه التنظيمات بمعزل عن أي خطابات انتصار.
من البحر الأحمر إلى
أولاً: الحوثيون — التصعيد المتجدد وفخ الاستدامة
في الثامن والعشرين من مارس 2026، أعلن الحوثيون استئناف هجماتهم على إسرائيل التي كانت قد توقفت إثر هدنة غزة في أكتوبر 2025، وذلك بالتزامن مع اشتعال مواجهات حرب 2026 الإيرانية، مطلقين صواريخ باليستية استهدفت ما وصفوه بـ"مواقع حساسة". وقد جاء هذا الإعلان مصحوباً بخطاب ديني حربي يُصوّر العمليات جزءاً من "معركة الجهاد المقدس"، في مسعى واضح للتموضع ضمن منظومة "محور المقاومة" بعد أن أضعفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية الجناح الإيراني من هذا المحور.
وعلى صعيد الممرات البحرية، تكشف التقارير عن صورة مُقلقة؛ فبينما استأنفت بعض شركات الشحن الكبرى كـ"ميرسك" خطوطها عبر البحر الأحمر، آثرت شركات أخرى الانتظار وتحمّل تكاليف الطريق الأطول عبر رأس الرجاء الصالح، في مؤشر على أن ثقة قطاع الشحن الدولي في استقرار هذا الممر الحيوي لم تتعافَ بعد، وأن التهديد الحوثي لا يزال يُلقي بظلاله على النفاذ التجاري العالمي.
وتتمحور المخاوف الاستراتيجية الأمريكية والإقليمية حول احتمال أن يستغل الحوثيون تراجع الدعم الإيراني المباشر — في ظل انشغال طهران بتداعيات حرب 2026 — لإعادة تأهيل صورتهم بوصفهم قوةً يمنية ذات طابع استقلالي، مما قد يُعزز قدرتهم التفاوضية في أي تسوية مقبلة للأزمة اليمنية بدلاً من إضعافها.
ويُضاف إلى ذلك بُعد داخلي بالغ الهشاشة؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن اليمن يمر بأشد مراحله الاقتصادية وطأةً منذ عقد، مع تعثّر عائدات النفط وتفاقم الأزمة الإنسانية، مما يجعل القرارَ الحوثيَّ بفتح جبهات جديدة مراهنةً مزدوجة: استثمار في الرأسمال الشعبي الجهادي من جهة، وقمارٌ محفوف بمخاطر الانهيار الداخلي من جهة أخرى.
وفي السياق ذاته، تواصل واشنطن مواجهتها للتنظيم عبر مزيج من العقوبات والضربات الجوية على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي يتشارك معه الجغرافيا اليمنية دون أن يتشارك معه الأيديولوجيا، في صورة تعكس مدى تعقيد الساحة اليمنية حيث يتقاطع خصوم متشاكسون وتهديدات متعددة على أرض واحدة، دون أن تتوفر استراتيجية متكاملة قادرة على معالجتهم جميعاً في آنٍ واحد.

ثانياً: تنظيم داعش — شبح يتجمّع خلف أسلاك الاحتجاز
في يناير 2026، اندلعت مواجهات حادة بين قوات كردية والقوات الحكومية السورية داخل مخيم الهول في شمال شرق سوريا، مما أفضى إلى خروج عدد من مقاتلي داعش وعائلاتهم من مراكز الاحتجاز التي طالما حذّر خبراء الأمن الدولي من قِصَر أيدي الرقابة عليها. ومثّل هذا الحادث تجسيداً حياً للسيناريو الأسوأ الذي طالما حذّر منه تقرير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب.
وردّاً على هذه الثغرة الأمنية الخطيرة، شنّت الولايات المتحدة عملية طارئة لنقل 150 محتجزاً من عناصر التنظيم من الحسكة إلى موقع آمن في العراق، فيما يجري التخطيط لنقل ما يصل إلى سبعة آلاف محتجز من سوريا إلى مرافق عراقية في مرحلة لاحقة. غير أن هذا الحل يُثير بدوره تساؤلات جدية حول قدرة المنظومة الأمنية العراقية على استيعاب هذا الحجم الهائل من المحتجزين بأمان وفاعلية.
وتُقدّر التقييمات الأمريكية الحالية أعداد التنظيم عالمياً بما بين 8800 و13100 عنصر، يتمركز منهم ما بين 1500 و3000 في العراق وسوريا، فيما تُشير التقارير إلى أن فروعه في أفريقيا وجنوب آسيا باتت تُشكّل النسبة الأكبر من قدرته العملياتية الفعلية، في تأكيد على أن استراتيجية "التمدد الأفقي" التي تبنّاها التنظيم منذ 2019 لا تزال تُعطي ثمارها الميدانية.
ولا يُمثّل ملف المحتجزين سوى وجه واحد من وجوه التهديد؛ إذ يرصد المحللون قدرة لافتة للتنظيم على إعادة إنتاج بنيته القيادية عبر ترقية كوادر وسطى تلقّت تدريبها في معسكرات الخلافة بين 2014 و2019، وباتت الآن تقود خلايا نائمة في العراق وسوريا ومناطق أوسع، ما يجعل استراتيجية "قطع الرأس" القائمة على اغتيال القيادات استراتيجيةً ذات فاعلية محدودة في مواجهة تنظيم طوّر منظومة قيادة لا مركزية ومرنة.
وفي السياق ذاته، لا تزال مخيمات الاحتجاز تُشكّل بيئة خصبة لإعادة التطرف وتجنيد عناصر جديدة، إذ يُؤكد التقييم الأممي أن الأوضاع الإنسانية المتردية وغياب المسارات القانونية الواضحة لعائلات عناصر التنظيم المحتجزين يُغذيان مناخ الاستياء والقابلية للتجنيد، مما يجعل المخيمات أشبه بمصانع هادئة لجيل جديد لا حلاً نهائياً لإشكالية احتجاز عناصر التنظيم.

ثالثاً: القاعدة في جزيرة العرب — صمود هادئ في مواجهة الاستهداف الأمريكي
واصلت الولايات المتحدة تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية السرية ضد قيادات تنظيم القاعدة في اليمن حتى مطلع 2026، وأُفيد في يناير الماضي بمقتل مسؤولَين بارزَين في التنظيم بضربة أمريكية في محافظة مأرب، وهي المنطقة التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز ثقل للتنظيم بعد تراجع حضوره في المحافظات الجنوبية جراء الضغط الأمني المتواصل.
بيد أن الضربات العسكرية المتواصلة لم تُفضِ إلى تراجع ملحوظ في قدرة التنظيم الدعائية؛ بل على العكس، يرصد مركز سوفان ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الإنتاج الإعلامي للتنظيم خلال الفترة الأخيرة، مع تنويع في الخطاب الاستهدافي بما يشمل التهديد بعمليات ضد مصالح صينية، في إشارة إلى استراتيجية توسيع دائرة الأعداء المُعلنين بهدف رفع منسوب الحضور الإعلامي وجذب عناصر من بيئات جديدة.
ويكتسب نشاط تنظيم القاعدة في اليمن أبعاداً إضافية في ضوء الانشغال الأمريكي بالملف الإيراني؛ إذ تشير تقارير "جاست سيكيوريتي" إلى أن كثافة الضربات الأمريكية ضد الحوثيين في إطار عملية "الرايدر الخشن" خلال 2025 ربما أفرزت هامشاً من المناورة أمام التنظيم في مناطق اليمن الشرقية، حيث تتراجع الكثافة الرقابية والعسكرية وتتضاعف الفرص أمام بناء بنية تحتية جديدة.
وتتخذ العلاقة بين التنظيم والفراغ السياسي اليمني منحىً خاصاً، إذ درج التنظيم تاريخياً على إقامة شراكات براغماتية مع قبائل وجماعات محلية في مناطق النفوذ، بعيداً عن نموذج "الخلافة الإعلانية" الذي تبنّاه داعش. وهذا الانغراس العضوي في النسيج المحلي يجعل استئصاله أصعب وأطول أمداً من مجرد إزاحة قيادات عبر ضربات جوية مهما بلغت دقّتها.
ويُلاحَظ في الخلاصة أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يُجسّد نموذجاً لافتاً من نماذج الصمود الجهادي: تنظيم يتجنّب الاستعراض ويُفضّل الكمون، يُعيد تأهيل قياداته بهدوء، ويستثمر التحولات الإقليمية الكبرى كأوراق ضغط دعائية واستراتيجية، ما يجعل تقييم خطورته بمعيار الظهور الإعلامي وحده قراءةً قاصرة لا تعكس حجم التهديد الفعلي الكامن.

خاتمة:
تُظهر قراءة هذه الملفات الثلاثة في مجموعها أن منظومة الأمن الإقليمي تواجه في 2026 معضلةً متشعّبة الأبعاد: فكل حركة من هذه الحركات تستمد قوتها من مصدر مختلف — الحوثيون من الديناميكيات الجيوسياسية لمحور المقاومة، وداعش من ثغرات منظومة الاحتجاز وقصور إرادة إعادة المحتجزين، والقاعدة من الانغراس القبلي والصبر الاستراتيجي — مما يعني أن استراتيجية المواجهة الواحدة لن تكون كافية أبداً، وأن الرهان على الضربات العسكرية وحدها لن يُنتج استقراراً حقيقياً في غياب تسويات سياسية وبرامج مستدامة لمعالجة بيئات التطرف.

شارك