إشكاليات المقاربة الدولية لمكافحة التطرف في 2026

الأربعاء 10/يونيو/2026 - 02:29 م
طباعة  إشكاليات المقاربة حسام الحداد
 
لا تُخاض حروب التطرف في الميدان وحده، بل تُحسم في معظمها في غرف التحليل الاستراتيجي وطاولات صياغة السياسات. وما تكشفه مراكز الأبحاث الدولية المعنية بملف مكافحة التطرف خلال النصف الأول من 2026 هو أن المجتمع الدولي يقف أمام ثلاثة اختبارات فكرية وسياسية متشابكة، تطرح تساؤلات جذرية حول مدى ملاءمة الأدوات المتاحة لمواجهة تهديدات تتجدد وتتشكّل في سياقات لم تكن مُستوعَبة في منطلقات الفكر الأمني السائد.
وتشترك هذه الاختبارات الثلاثة في سمة واحدة: كلها تطرح حدود الكفاءة والفاعلية لا الإرادة وحدها. فجدل التصنيف الأمريكي للإخوان يطرح سؤال الدقة والتمييز في مواجهة ظواهر مركّبة. والنموذج السوري لهيئة تحرير الشام يطرح سؤال قدرة المنظومة الأمنية الدولية على استيعاب "الجهادية ما بعد الكلاسيكية". وأزمة المحتجزين تطرح سؤال الإرادة السياسية الدولية في الوفاء بالتزامات الملف الأمني الأصعب والأكثر تكلفةً سياسياً من بين جميع الملفات.
 إشكاليات المقاربة
أولاً: جدل التصنيف — سلاح ذو حدّين
يُثير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تساؤلات جوهرية حول فاعلية تصنيف الإخوان المسلمين كلياً في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026، منبّهاً إلى أن الأثر المرغوب في تجفيف منابع التمويل وعزل البنى الداعمة للإرهاب قد يتحقق بكلفة دبلوماسية وسياسية باهظة تتجاوز العوائد الأمنية المنتظرة، في ظل ما يُرتّبه هذا التصنيف من توترات مع حكومات حليفة تضم في بنيتها السياسية تياراتٍ إخوانية وثيقة التجذّر.
ويقترح المعهد نهجاً أكثر دقةً وجراحيةً، يقوم على استهداف الفروع التي تمارس دعماً مثبتاً وموثّقاً لعمليات إرهابية، بدلاً من التصنيف الشامل الذي يُساوي بين الجناح الخيري والاجتماعي للجماعة وبين فروعها الداعمة للعنف المسلح. وفي مقدمة هذه الفروع الفرعُ اللبناني الذي يُثبت سجل عملياته انخراطه الفعلي في العمل المسلح إلى جانب حزب الله.
ويكشف هذا الجدل عن إشكالية هيكلية في علم إدارة التطرف: أين تنتهي الأيديولوجيا وأين تبدأ الجريمة؟ وهل يكفي الاشتراك في المرجعية الفكرية الإخوانية دليلاً على الخطورة الأمنية، أم أن المعيار يجب أن يظل مرتبطاً بالممارسة الفعلية لا بالانتماء الفكري؟ وهذا السؤال ليس ترفاً أكاديمياً، بل له آثار قانونية وسياسية مباشرة على عشرات الملاحقات القضائية الجارية في المحاكم الأمريكية والأوروبية.
وتزيد المسألة تعقيداً حين نستحضر السياق الإقليمي؛ فعدد من الحكومات العربية الحليفة لواشنطن تتبنّى سياسات مغايرة في تعاملها مع الإخوان، تتراوح بين الاحتواء والتهميش والمواجهة الصريحة والتكيّف. وأي سياسة أمريكية شاملة لن تجد لها صدىً موحداً في المنطقة، بل ستُفرز بالضرورة خطوطَ توتر جديدة مع شركاء إقليميين لا تتطابق حساباتهم تماماً مع الأجندة الأمريكية لمكافحة الإرهاب.
وتبقى الحقيقة الجوهرية التي تُلمح إليها تقارير معهد واشنطن أن فاعلية التصنيف لا تُقاس بعدد الجماعات المُدرجة في قوائم الإرهاب، بل بحجم الأثر المُحقَّق على الأرض في تجفيف شبكات التمويل وتفكيك البنى الداعمة للعنف. والتصنيف غير المُرافَق بإنفاذ صارم ومتابعة استخباراتية مستمرة لا يُنتج سوى ورقة سياسية لا تُغيّر كثيراً من الواقع الميداني.

ثانياً: النموذج السوري وإلهام الحركات الجهادية الأفريقية
يُحذّر باحثو معهد هدسون من أن نجاح هيئة تحرير الشام في الوصول إلى السلطة عبر معادلة تجمع الخدمات المدنية بالبراغماتية الدبلوماسية والانسحاب التدريجي من الخطاب الجهادي الفجّ، قد بات يُشكّل مصدر إلهام متصاعد الأثر لحركات جهادية في منطقة الساحل الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. ولعل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) في مالي وبوركينا فاسو والنيجر هي الأكثر اهتماماً بدراسة هذا النموذج وإمكانية تطبيقه.
ويقوم "تأثير النموذج السوري" في جوهره على درس استراتيجي مركزي: أن الحركة الجهادية القادرة على تقديم نفسها حاكماً بديلاً يُوفّر الخدمات ويُدير العدل ويحفظ النظام تكتسب من الشرعية الشعبية ما لا يُكسبه إياها الانتصار العسكري وحده. وقد كان هذا بالضبط ما أنجزته هيئة تحرير الشام في إدلب بين 2017 و2024 قبل أن تُكلَّل جهودها بسقوط الأسد.
غير أن الباحثين يُنبّهون إلى فوارق جوهرية تجعل استنساخ هذا النموذج في البيئة الأفريقية محفوفاً بالمخاطر. فالسياق السوري تميّز بوجود مجتمع مدني منظّم وكفاءات تكنوقراطية ومشروعية ثورية سابقة، وهي عوامل تشحّ في مناطق الساحل التي تتسم بهشاشة مؤسسية أعمق وتشتت قبلي أوسع وفقر هيكلي أكثر حدةً. ونقل التجربة دون استيعاب شروط نجاحها قد يُنتج كياناتٍ هجينة تُضيف إلى الفوضى دون أن تُنتج حوكمة حقيقية.
ولا يقتصر الأثر على الحركات الجهادية السنية؛ إذ تلفت بعض التقارير إلى أن نجاح هيئة تحرير الشام أعاد إحياء نقاش داخلي واسع في أوساط جهادية متعددة حول جدوى التمسك بأيديولوجيا الخلافة العابرة للحدود في مقابل التركيز على الكيانات الوطنية أو الإقليمية المحدودة. وهذا التحول في الفكر الاستراتيجي الجهادي يُعيد رسم طريقة تفكير الحركات الأفريقية في أهدافها ومساراتها وأفق انتصاراتها.
وتقع على منظومة مكافحة الإرهاب الدولية مسؤولية استراتيجية في هذا السياق: التمييز بين دعم الانتقال السياسي السوري لضمان استقراره، وبين غضّ الطرف عن الأثر الإلهامي السلبي لهذا الانتقال على الحركات الجهادية الأفريقية. وهو توازن بالغ الدقة يستدعي سياسات استباقية في منطقة الساحل لا ردود أفعال لاحقة.

ثالثاً: ملف المحتجزين — قنبلة موقوتة تنتظر قراراً سياسياً
لا تزال السجون ومخيمات الاحتجاز التي تضم عناصر داعش وذويهم في سوريا والعراق تُمثّل ثغرةً أمنية هيكلية لم تجد حتى اليوم حلاً سياسياً متكاملاً. وقد استهدف التنظيم هذه المرافق مرات عدة في محاولات تحرير موثقة، كما كشفت أحداث يناير 2026 في مخيم الهول أن مجرد اشتباكات محلية بين قوات متنافسة كافية لخلق ثغرات تتسرّب منها عناصر خطرة دون أي عملية هجومية مُنظَّمة من التنظيم.
ويُشير تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن التنسيق الدولي لإعادة المحتجزين إلى بلدانهم بات ضرورةً أمنيةً ملحّةً، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن إحجام سياسي واسع لدى معظم الحكومات الغربية عن استقبال مواطنيها المحتجزين خوفاً من التداعيات القانونية والشعبية لهذه العودات. وقد أفضى ذلك إلى ما يُشبه المراوغة الجماعية في ملف لا يحتمل مزيداً من التأجيل.
وتُضاف إلى هذا المشهد جملة عوامل تُضاعف من حجم الخطر الكامن: فمخيمات الاحتجاز ليست مجرد مرافق أمنية، بل باتت بيئات إعادة إنتاج أيديولوجي بامتياز، إذ تُشير التقارير الأممية إلى أن الأطفال الذين وُلدوا أو نشأوا داخل هذه المخيمات يُشكّلون رصيداً بشرياً هشاً معرّضاً للتطرف، يحمل بذور تهديد مؤجل إن لم تُعالَج أوضاعهم بسياسات إعادة تأهيل حقيقية لا بالاحتجاز المطوّل وحده.
ويطرح هذا الملف كذلك سؤالاً قانونياً دولياً لم تُحسمه الأطر القائمة: ما الوضع القانوني لهؤلاء المحتجزين؟ فكثيرٌ منهم لا يحملون أحكاماً قضائية، ويخضعون لاحتجاز تعسفي مفتوح الأمد في ظل منظومة قانونية عاجزة عن معالجة ظاهرة بهذا الحجم. وهذا الفراغ القانوني يُغذي بدوره الروايات الجهادية حول "اضطهاد المسلمين"، ويمنح التنظيم أداةً دعائية مجانية لا تنضب.
وتُلحّ المنظمات الدولية المعنية على الدول الغربية بوجه خاص للتخلي عن المقاربة الأمنية الانتهازية القائمة على "إبقاء المشكلة بعيداً" لصالح استراتيجية إعادة تأهيل وإدماج قائمة على تقييم الحالات فردياً، وهي مقاربة أثبتت فاعليتها التجريبية في عدد من الحالات الأوروبية والكندية، رغم كونها سياسياً الأكثر كُلفةً والأقل شعبيةً على الإطلاق.

خاتمة:
تكشف هذه التحليلات الاستراتيجية الثلاثة أن الأزمة الحقيقية في منظومة مكافحة التطرف الدولية ليست أزمة معلومات أو قدرات عسكرية، بل هي في جوهرها أزمة إرادة سياسية وأزمة أدوات مفاهيمية؛ فالتصنيف لا يُحل محل السياسة، والضربة الجوية لا تُغني عن إصلاح السجون، والانتصار الميداني لا يُلغي الإلهام الأيديولوجي. وما لم تُعالج المنظومة الدولية هذه الفجوات البنيوية بمقاربات أكثر نضجاً وتكاملاً، فإن الملفات الثلاثة ستظل تُنتج أزماتٍ جديدة بأشكال مختلفة في كل جولة مقبلة.

شارك