هل تستغل حركة الشباب الأزمة السياسية في الصومال لتعزيز نفوذها؟

الجمعة 12/يونيو/2026 - 11:01 ص
طباعة هل تستغل حركة الشباب فاطمة عبدالغني
 
تشهد الصومال واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد الخلافات حول شرعية السلطة بعد انتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود ودخول البلاد في أزمة دستورية أثارت انقسامات حادة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة وعدد من الولايات الإقليمية. وبينما تركز الأنظار على المواجهات السياسية والأمنية التي شهدتها العاصمة مقديشو خلال يونيو 2026، يحذر مراقبون من أن المستفيد الأكبر من هذا المشهد قد يكون حركة الشباب، التي اعتادت استغلال فترات الانقسام السياسي لتعزيز نفوذها وتوسيع نطاق عملياتها.

وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع "هورن ريفيو" البريطاني المتخصص في شؤون القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فإن الأزمة الحالية لا تقتصر آثارها على الساحة السياسية، بل تنعكس بشكل مباشر على جهود مكافحة التمرد، في وقت تواجه فيه الدولة الصومالية تحديات أمنية متزايدة.

أزمة دستورية تعيد تشكيل المشهد الأمني

بدأت الأزمة الحالية بعد انتهاء الولاية الرسمية للرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو 2026، في وقت أثارت فيه التعديلات الدستورية التي أُقرت في مارس الماضي جدلاً واسعاً، بعدما نصت على تمديد ولايتي الرئيس والبرلمان لمدة عام إضافي بحجة استكمال الترتيبات اللازمة لإجراء انتخابات مباشرة.

ورفضت قوى المعارضة والرؤساء السابقون وولايات إقليمية بارزة، من بينها بونتلاند وجوبالاند، هذه التعديلات واعتبرتها مخالفة للدستور، ما أدى إلى تصاعد التوترات وتحولها إلى مواجهات مسلحة في عدة مناطق من العاصمة، من بينها هولو واداغ وعبد العزيز وهودان.

ويرى التقرير أن أخطر تداعيات الأزمة لا تتمثل فقط في الاشتباكات والخسائر البشرية، بل في اضطرار الحكومة إلى إعادة توجيه وحدات أمنية نخبوية مدربة على مكافحة التمرد نحو التعامل مع الخصوم السياسيين الداخليين، وهو ما أوجد فراغات أمنية في مناطق كانت تشهد عمليات ضد حركة الشباب.

تراجع زخم الحرب على حركة الشباب

يشير التقرير إلى أن الحملة العسكرية ضد حركة الشباب فقدت كثيراً من الزخم الذي حققته خلال عام 2022، عندما تمكنت القوات الحكومية وحلفاؤها من استعادة مساحات واسعة من الأراضي.

وخلال العامين الماضيين تراجع التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وتباطأت وتيرة العمليات العسكرية، فيما واجهت المناطق المستعادة، خصوصاً في شبيلي الوسطى وشبيلي السفلى وهيران، صعوبات كبيرة في تثبيت الاستقرار وبسط سلطة الدولة.

وتظهر التطورات الميدانية الأخيرة عودة عناصر الحركة تدريجياً إلى بعض المناطق الريفية التي سبق طردها منها، بالتزامن مع توسع شبكاتها الإدارية والمالية المحلية وزيادة نشاطها على الطرق والممرات الاستراتيجية المؤدية إلى مقديشو.

ويؤكد التقرير أن هذه التطورات تعكس هشاشة المكاسب الأمنية السابقة، خاصة أن حركة الشباب نجحت على مدار سنوات في استغلال الانقسامات السياسية والخلافات بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية للحفاظ على قدرتها التنظيمية والعسكرية.

كيف تستفيد الحركة من الانقسام السياسي؟

بحسب تحليل "هورن ريفيو"، فإن حركة الشباب لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على العاصمة لتحقيق أهدافها، بل تستفيد بالأساس من إضعاف مؤسسات الدولة وتشتيت جهودها الأمنية.

ويحدد التقرير ثلاثة عوامل رئيسية تمنح الحركة فرصة للاستفادة من الأزمة الحالية:

العامل الأول يتمثل في الفراغات الأمنية الناتجة عن إعادة انتشار القوات الحكومية، ما يسمح للحركة بإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز وجودها في المناطق الريفية وشبه الحضرية.

أما العامل الثاني فيرتبط بالحرب الدعائية، إذ تستغل الحركة الانقسامات السياسية لتقديم نفسها باعتبارها بديلاً أكثر تماسكاً من الدولة، مستفيدة من صورة الحكومة المنقسمة والعاجزة عن إدارة الخلافات الداخلية، وهو ما يساعدها على توسيع شبكات التجنيد والجباية المحلية.

في حين يتمثل العامل الثالث في التأثير النفسي، حيث يؤدي استمرار الهجمات الأمنية في مختلف المناطق إلى تآكل ثقة المواطنين بقدرة الدولة على توفير الأمن، وهو تكتيك اعتمدت عليه الحركة مراراً خلال فترات الاضطراب السياسي السابقة.

تطور القدرات العسكرية وامتداد التهديد إقليمياً

يلفت التقرير إلى أن التهديد الذي تمثله حركة الشباب لم يعد مقتصراً على القدرات التقليدية للجماعة، بل أصبح أكثر تعقيداً مع التطورات التكنولوجية الأخيرة.

فوفقاً لتقارير أممية، تلقى عناصر من الحركة تدريبات في اليمن على تشغيل الطائرات المسيرة وصناعة العبوات الناسفة المتطورة، ما يشير إلى سعيها لتطوير قدراتها العملياتية.

كما تتحدث تقارير عن احتمالات حصول الحركة على طائرات مسيرة مسلحة عبر شبكات مرتبطة بالحوثيين، فضلاً عن اهتمامها بأنظمة تسليح أكثر تطوراً مثل الصواريخ الموجهة.

ويرى التقرير أن امتلاك مثل هذه القدرات حتى بصورة محدودة، قد يمنح الحركة ميزة تكتيكية مهمة في مواجهة القوات الصومالية، ويعزز قدرتها على تنفيذ عمليات أكثر تأثيراً داخل الصومال وعلى امتداد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

تداعيات الأزمة على الشراكات الدولية ومستقبل الاستقرار

يحذر التقرير من أن استمرار الأزمة السياسية قد ينعكس سلباً على علاقات الصومال مع شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار والدول المانحة التي تربط دعمها بتقدم العملية السياسية واستقرار المؤسسات.

ورغم أن حركة الشباب ما تزال تواجه تحديات كبيرة، بينها الضربات العسكرية التي استهدفت قياداتها خلال السنوات الماضية، إضافة إلى وجود مقاومة محلية في بعض المناطق، فإن الانقسامات السياسية الحالية قد تمنحها مساحة أوسع للمناورة وإعادة بناء نفوذها.

كما يشير التقرير إلى أن بعض الإجراءات الأمنية المثيرة للجدل ضد شخصيات عشائرية وسياسية قد تؤدي إلى توترات إضافية مع المجتمعات المحلية، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود بناء التحالفات الضرورية لمواجهة التمرد.

ويرى المراقبون أن الأزمة السياسية الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل الدولة الصومالية، إذ إن قدرة حركة الشباب على استغلال الوضع الحالي ستتوقف إلى حد كبير على مدى سرعة التوصل إلى تسوية سياسية تعيد توحيد المؤسسات الأمنية والسياسية. 
ويعتقد هؤلاء أن استمرار الانقسام لفترة طويلة قد يمنح الحركة فرصة لاستعادة مناطق نفوذها وتكثيف عملياتها ضد الدولة، بينما قد يسهم التوافق السياسي واستعادة التنسيق بين الحكومة والولايات الإقليمية في الحد من هذه المخاطر وإعادة توجيه الجهود نحو مواجهة التحدي الأمني الأكبر الذي ما زال يمثله التمرد المسلح.
 ويرجح المراقبون أن المعركة ضد حركة الشباب لم تعد مرتبطة بالقوة العسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة النخبة السياسية الصومالية على تجاوز خلافاتها ومنع الحركة من استثمار حالة الانقسام والتشرذم.

شارك