مضيق باب المندب بين التصعيد الإيراني والحسابات الدولية المعقدة
الجمعة 12/يونيو/2026 - 12:17 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
يحتل مضيق باب المندب موقعاً استراتيجياً يجعله أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة العالمية، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران وحلفائها في المنطقة، عاد المضيق إلى دائرة الاهتمام الدولي وسط تساؤلات متزايدة حول احتمالية تحوله إلى نقطة ضغط جيوسياسية تماثل مضيق هرمز، الذي ظل لعقود أحد أبرز بؤر التوتر في أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع "هورن ريفيو" البريطاني المتخصص في شؤون القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فإن التهديدات الإيرانية الأخيرة بربط أمن الملاحة في باب المندب بالتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة تثير مخاوف متزايدة من انتقال الصراع إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
باب المندب.. أهمية استراتيجية تتجاوز المنطقة
يمثل باب المندب نقطة عبور حيوية للتجارة الدولية، حيث يمر عبره جزء كبير من حركة الشحن العالمية بين آسيا وأوروبا، ويبلغ عرض المضيق نحو 29 كيلومتراً في أضيق نقاطه، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية الحساسة على مستوى العالم.
ويشير التقرير إلى أن أهمية المضيق ازدادت خلال السنوات الماضية مع سعي دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، إلى تنويع مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، ولهذا الغرض تم تطوير خط أنابيب الشرق ـ الغرب الذي ينقل النفط السعودي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً.
لكن هذا التحول لم يلغ المخاطر، بل نقل جزءاً منها إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمكن لأي اضطراب في حركة الملاحة أن يؤدي إلى تحويل السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
التصعيد الإيراني وربط باب المندب بجبهات الصراع
جاءت المخاوف الأخيرة بعد تقارير تحدثت عن تعليق إيران للمفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع التلويح بإمكانية توسيع نطاق الضغوط الإقليمية لتشمل ممرات بحرية استراتيجية، من بينها باب المندب.
ويرى التقرير أن هذا التوجه يعكس استراتيجية إيرانية تقوم على ربط الملفات الإقليمية ببعضها البعض، بما في ذلك الملف النووي والتطورات في لبنان والصراعات المرتبطة بحلفاء طهران في المنطقة.
وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الفصل بين هذه الملفات، حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المفاوضات المتعلقة بإيران تختلف عن المسارات الخاصة بالأوضاع في لبنان، وهو ما يعكس تبايناً واضحاً في الرؤى بين الطرفين.
ورغم التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في يونيو 2026 بوساطة أمريكية، فإن هشاشة الاتفاق واستمرار التوترات الميدانية أبقيا احتمالات التصعيد قائمة، ما يزيد من أهمية التهديدات المرتبطة بالممرات البحرية.
الحوثيون.. ورقة إيران الأكثر تأثيراً في باب المندب
بحسب التقرير، يمثل الحوثيون في اليمن الأداة الأكثر فاعلية بالنسبة لإيران عندما يتعلق الأمر بالضغط على الملاحة في باب المندب، فقد أثبتت الجماعة خلال السنوات الماضية قدرتها على استهداف السفن التجارية والعسكرية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية.
كما تشير تقارير متعددة إلى امتلاك الحوثيين منظومات متطورة مضادة للسفن تعتمد على تقنيات وتصاميم إيرانية، وهو ما يمنحهم قدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
ويلفت التقرير إلى أن إيران حرصت خلال السنوات الماضية على إبراز مفهوم "وحدة الجبهات"، حيث اعتبر عدد من المسؤولين الإيرانيين أن باب المندب وهرمز يمثلان ممرين استراتيجيين متكاملين يمكن استخدامهما ضمن أدوات الردع والضغط الإقليمي.
ورغم أن الحوثيين لم يفرضوا حصاراً شاملاً على المضيق حتى الآن، فإنهم نجحوا في تعطيل حركة الملاحة بشكل انتقائي، وأظهروا قدرة على الاستمرار في عملياتهم رغم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الممرات البحرية.
تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي والقرن الأفريقي
يحذر التقرير من أن أي اضطراب واسع في باب المندب ستكون له انعكاسات تتجاوز الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله، فإغلاق المضيق بالتزامن مع أي اضطرابات في مضيق هرمز قد يؤثر على جزء كبير من تدفقات النفط والغاز العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.
وتبدو دول القرن الأفريقي من أكثر الأطراف عرضة للتأثر بهذه التطورات، نظراً لاعتمادها الكبير على حركة التجارة عبر البحر الأحمر، فدول مثل جيبوتي والصومال وإريتريا تعتمد بشكل مباشر على موانئها لتأمين احتياجاتها من الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية.
أما إثيوبيا، التي تعتمد على ميناء جيبوتي في أكثر من 95% من تجارتها الخارجية، فقد تواجه تحديات كبيرة في حال تعطل الملاحة عبر باب المندب، بما في ذلك ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات الأساسية وزيادة الضغوط الاقتصادية.
كما يشير التقرير إلى أن حدوث أزمات متزامنة في هرمز وباب المندب قد يفاقم أزمات الطاقة والأمن الغذائي وسلاسل التوريد في منطقة تعاني بالفعل من هشاشة اقتصادية وأمنية متزايدة.
الانقسامات الدولية ومستقبل المضيق
يرى التقرير أن مستقبل باب المندب يرتبط بشكل مباشر بمسار التوترات الإقليمية والدبلوماسية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى احتواء التصعيد وحماية استقرار أسواق الطاقة العالمية، تواصل إسرائيل التركيز على مواجهة التهديدات الأمنية المرتبطة بحزب الله وحلفاء إيران.
وفي المقابل، تحاول طهران الاستفادة من التباينات القائمة بين الأطراف الدولية لتعزيز موقعها التفاوضي وربط الملفات السياسية والعسكرية ببعضها البعض.
ويؤكد التقرير أن باب المندب يختلف عن مضيق هرمز من حيث طبيعة النفوذ الإيراني المباشر، إذ تعتمد طهران في البحر الأحمر بصورة أكبر على حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم الحوثيون، لتنفيذ استراتيجيتها القائمة على الضغط غير المباشر ورفع كلفة المواجهة على خصومها.
ويرى المراقبون أن احتمالية تحول باب المندب إلى "هرمز جديد" أصبحت أكثر واقعية مما كانت عليه في السابق، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية واتساع نطاق الصراعات المرتبطة بإيران وحلفائها.
ومع ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في إغلاق كامل للمضيق، بل في استمرار استخدامه كورقة ضغط عبر عمليات تعطيل محدودة أو تهديدات مدروسة تؤثر على حركة الملاحة وأسواق الطاقة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
ويعتقد المراقبون أن مستقبل المضيق سيظل مرتبطاً بمدى نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمات المتداخلة في المنطقة، خصوصاً الملف النووي الإيراني والتطورات في لبنان واليمن، لأن أي فشل في هذه المسارات قد يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من التصعيد يكون باب المندب أحد أبرز ساحاتها.
