تصعيد حدودي بين باكستان وأفغانستان: هل تتجه العلاقات نحو الانهيار؟
الجمعة 12/يونيو/2026 - 08:30 م
طباعة
علي رجب
في تطور أمني وسياسي يحمل نذر صراع إقليمي، تقترب العلاقات بين إسلام آباد وكابول من "نقطة الانهيار"، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات الجهادية الدامية التي ضربت غرب باكستان، لا سيما في إقليم خيبر بختونخوا المتاخم للحدود الأفغانية.
ومع حلول فبراير2026، باتت المنطقة تعيش حالة من التوتر غير المسبوق، حيث تتبادل الدولتان الاتهامات حول "الإيواء، والتسلل، والتقاعس الأمني".
مشهد الأنقاض في "غيردي كاس"
على الأرض، لا تزال صور الدمار تجسد حدة هذه التوترات. ففي 22 فبراير 2026، استهدفت غارة جوية باكستانية منطقة سكنية في قرية "غيردي كاس" بمديرية بهسود، ولاية ننكرهار.
وقد وثقت عدسات الكاميرات تجمعاً لرجال أفغان حول سيارة متضررة بشدة وسط الأنقاض، في مشهد بات متكرراً على طول الشريط الحدودي الذي تحول من منطقة تبادل تجاري إلى ساحة لتبادل القذائف والضربات الجوية.
جذور الأزمة: لماذا الآن؟
تتحمل "حركة طالبان باكستان" (TTP) وحلفاؤها مسؤولية معظم الهجمات التي أودت بحياة مئات المدنيين ورجال الشرطة والجنود في الأشهر الأخيرة.
إسلام آباد، التي نفد صبرها، تتهم حركة طالبان الأفغانية بتوفير "ملاذ آمن" لهؤلاء المسلحين، مشيرة إلى أن الروابط العرقية والأيديولوجية بين الحركتين تعزز التنسيق بينهما ضد الدولة الباكستانية.
في المقابل، تنفي كابول هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وتعتبر أن تمرد "طالبان باكستان" هو شأن داخلي نابع من مظالم باكستانية بحتة، مؤكدة أن الحدود الرخوة يصعب ضبطها بالكامل من الجانبين.
التصعيد العسكري والدبلوماسي
لم تعد الأزمة مجرد تصريحات سياسية؛ فقد انتقلت إلى الميدان العسكري بشكل خطر في أكتوبر 2025، حيث اندلعت اشتباكات مباشرة بين القوات الباكستانية وقوات طالبان الأفغانية.
ولولا الوساطة الدولية التي قادتها قطر وتركيا، لكانت المنطقة قد انزلقت إلى حرب شاملة. ورغم وقف إطلاق النار الهش الذي أعقب تلك الاشتباكات، إلا أن المحادثات متوقفة منذ نوفمبر الماضي، وسط تهديدات باكستانية متكررة بالحق في شن "ضربات عبر الحدود" لملاحقة المسلحين.
الضغوط الاقتصادية وسياسات الترحيل
في محاولة للضغط على كابول، اتخذت باكستان إجراءات عقابية قاسية إغلاق الحدود ومنع التجارة الثنائية، وهو إجراء ألحق ضرراً فادحاً باقتصاد إقليم خيبر بختونخوا والعمال الأفغان على حد سواء.
وطرد مئات الآلاف من الأفغان، بمن فيهم نساء وفتيات وأشخاص في أمس الحاجة للحماية الدولية، وفرض شروط تأشيرة صارمة حتى على من يحملون صفة لاجئ من الأمم المتحدة.
عقبات مكافحة التمرد
لا تقتصر المشكلة على أفغانستان؛ بل يواجه الجيش الباكستاني تحديات داخلية معقدة. فالتنسيق بين المؤسسة العسكرية وشرطة إقليم خيبر بختونخوا يعاني من خلل، كما أن الانقسامات السياسية بين الحكومة الفيدرالية والحزب الذي يحكم الإقليم (حركة الإنصاف الباكستانية) تُصعّب من صياغة استراتيجية أمنية موحدة.
يشعر السكان المحليون في الإقليم بغضب مزدوج: غضب من المسلحين الذين يستهدفون حياتهم، وغضب من الأساليب العسكرية التي تسبب نزوحاً جماعياً وتزيد من معاناتهم.
المسار نحو الحل: هل من مخرج؟
يرى الخبراء أن الحل العسكري وحده لن ينهي التمرد. وتتضمن التوصيات المطروحة لتحقيق الاستقرار تفعيل الوساطة الدولية (قطر، تركيا، السعودية) لوضع خطوط حمراء واضحة بين الجانبين.
ورفع الحظر التجاري لضمان دعم السكان المحليين وتخفيف الضغوط الاقتصادية، تحسين قدرات الشرطة الإقليمية، والاعتماد على الاستخبارات بدلاً من العمليات العسكرية القمعية الشاملة التي تضر بالمدنيين.
وتعديل النهج تجاه اللاجئين الأفغان لتقليل الاحتقان وتجنب تأجيج المشاعر المعادية لباكستان، إن استمرار القتال ليس خياراً مستداماً، ففي ظل "حرب الرؤوس" هذه، يبقى المدنيون على جانبي الحدود هم الخاسر الأكبر، في انتظار دبلوماسية قادرة على تحويل هذا الصراع من "خيار الحرب" إلى "طاولة التفاوض".
