إلى أين يتجه الصومال؟ قراءة في جذور الصراع السياسي والدستوري بمقديشو

الجمعة 12/يونيو/2026 - 08:47 م
طباعة إلى أين يتجه الصومال؟ علي رجب
 
تنزلق العاصمة الصومالية مقديشو نحو نفق مظلم من الاضطرابات الأمنية، حيث تحولت شوارعها وأحياؤها الحيوية إلى ساحات اشتباك مسلح بين قوات الحكومة الفيدرالية وقوات المعارضة.
 هذا التصعيد، الذي يمثل ذروة أزمة سياسية ودستورية طال أمدها، ينذر بانهيار التوافق الوطني الهش، ويضع البلاد أمام احتمالات مقلقة قد تمتد آثارها لتشمل كامل الخارطة السياسية للولايات الفيدرالية الصومالية.

شرارة المواجهة: صراع على "شرعية" التمديد
بدأت الفصول الأكثر دموية لهذه الأزمة في 3 يونيو الجاري، عندما دفعت الحكومة الفيدرالية بتعزيزات عسكرية كثيفة لمحاصرة الأحياء التي يتخذها قادة "مجلس مستقبل الصومال" المعارض مقراً لهم. 
يضم هذا الائتلاف شخصيات ثقيلة في المشهد السياسي، على رأسهم الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، ورئيس الوزراء السابق حسن علي خيري. كان الهدف المعلن للحكومة هو منع احتجاجات شعبية حاشدة كانت المعارضة تعتزم تنظيمها للتعبير عن رفضها للتعديلات الدستورية والانتخابية التي أقرها البرلمان في مارس الماضي.

هذه التعديلات، التي تمنح الرئيس حسن شيخ محمود تمديداً لولايته لعام إضافي، وتؤجل الانتخابات الفيدرالية، وتفرض نظام الانتخاب البرلماني المباشر، قوبلت برفض قاطع من المعارضة التي وصفتها بأنها "انقلاب دستوري" يهدف إلى الاستئثار بالسلطة.
 وبالرغم من أن الطرفين انسحبا من بؤر الاشتباك المباشر بعد ضغوط وساطة دولية قادتها تركيا والولايات المتحدة، إلا أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، مما يجعل مقديشو مدينة تعيش على حافة الانفجار السياسي والأمني.

حصيلة النزاع وتداعياته الإنسانية
أسفرت الاشتباكات التي اندلعت في أوائل يونيو عن حصيلة ضحايا تتباين بين الروايات الرسمية والتقارير الدولية، فبينما أكدت وزارة الصحة الصومالية وقوع قتيل واحد و55 جريحاً، أفادت وثائق أممية بأن تسعة أشخاص على الأقل لقوا حتفهم في تلك المواجهات. 
لم تتوقف حدة التوتر عند هذا الحد؛ إذ تكررت المشاهد الصدامية في 5 يونيو قرب القصر الرئاسي بعد فشل جهود التهدئة، مما دفع الحكومة لتشديد قبضتها الأمنية.

وفي سلسلة من الإجراءات التصعيدية، داهمت القوات الفيدرالية في 6 يونيو فندقاً مملوكاً لنائب برلماني معارض، وزعمت مصادرة أسلحة وطائرات مسيرة، وهو ما اعتبرته المعارضة "تلفيقاً وتضليلاً" يهدف إلى تقويض نفوذها. كما استمرت القوات الفيدرالية في مطاردة قادة المعارضة وفرض قيود على تحركاتهم، مما حول المدينة إلى ثكنة عسكرية محاصرة بالحواجز والحواجز الحديدية.

امتداد الأزمة: "بيدوا" كنموذج للمواجهة الإقليمية
لا يتوقف النزاع عند حدود العاصمة، بل يسعى الجيش الفيدرالي إلى توطيد سيطرته على الولايات الفيدرالية الموالية له عبر إزاحة الحكام المعارضين. 
وقد برزت ولاية "الجنوب الغربي" كأوضح نموذج لهذا الصراع، حيث أطاحت الحكومة برئيس الولاية السابق، وأدارت عملية انتخابية صورية في 10 يونيو أسفرت عن فوز مرشحها بالإجماع، وسط اتهامات واسعة من الخصوم السياسيين بتزوير الإرادة الشعبية.

هذا التغول الحكومي دفع القوى الموالية للرئيس السابق إلى الاشتباك مع القوات الحكومية، حيث شهدت مدينة بيدوا – العاصمة الفعلية للولاية – توغلات متبادلة في منتصف وأواخر مايو الماضي. ولا تزال قوات المعارضة متمركزة في محيط بيدوا، ما يعني أن نزاعاً طويل الأمد قد بدأ يتشكل خارج مقديشو.

وفي ولايتي "غلمدغ" و"هيرشابيل"، أعادت الحكومة الفيدرالية نشر قواتها للضغط على الحكام الإقليميين الرافضين لسياسات باماكو-مقديشو، بهدف استباق الانتخابات القادمة بضمان ولاء هذه الولايات. وقد أدى هذا التحرك إلى صدامات مع حراس الحكام الإقليميين، ما ينذر بامتداد رقعة العنف إلى هذه المناطق الحيوية، خاصة مع تراجع فعالية القوات الأمنية في التصدي لمخاطر حركة الشباب نتيجة انشغالها بالصراع السياسي الداخلي.

أفق مسدود: هل من مخرج دبلوماسي؟
على الرغم من تزايد الضغوط الدولية، إلا أن الأفق السياسي لا يزال مسدوداً. فقد فشلت جميع مساعي الحوار التي رعتها جهات دولية طوال عام 2025 والنصف الأول من 2026 في حلحلة الخلاف حول تمديد الولاية الرئاسية والانتخابات المباشرة.

لقد مضت الحكومة الفيدرالية الصومالية قدماً في خططها رغم تهديدات المعارضة بإجراء انتخابات موازية، مما يجعل النظام السياسي الصومالي أمام سيناريو "الشرعيات المتعددة". وبالرغم من صدور بيانات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة تدعو للحوار، إلا أن هذه الدعوات تصطدم بتصلب المواقف.

أما الوساطة التركية، التي كانت تعول عليها الأطراف الدولية للتقريب بين الحكومة وجبهة المعارضة، فقد تراجعت فعاليتها مؤخراً بسبب الخلافات الداخلية في صفوف المعارضة، مما يترك الساحة الصومالية رهينة لحسابات القوة لا حسابات الدبلوماسية.

في المحصلة، يجد الصومال نفسه أمام منعطف خطر؛ فإما التوافق على تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الاستقطاب، أو التورط في دوامة عنف ممتد يهدد بتقويض مكتسبات سنوات من الاستقرار النسبي. وبينما تتمركز القوات الفيدرالية في قلب مقديشو ومحيط الولايات، يترقب المواطن الصومالي بحذر ما إذا كان هذا العنف مجرد جولة أخرى في صراع السلطة، أم أنه البداية لسقوط البلاد في فخ النزاعات الأهلية التي طالما حاول الصوماليون تجاوزها.

شارك