هل يتحول باب المندب إلى هرمز جديد؟ كيف تهدد هجمات الحوثيين النفط والتجارة العالمية؟

السبت 13/يونيو/2026 - 11:13 ص
طباعة هل يتحول باب المندب فاطمة عبدالغني
 
رغم أن الحرب بين إيران وإسرائيل أثارت مخاوف واسعة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، فإن أحد العوامل التي ساعدت في الحد من تداعيات الأزمة تمثل في قدرة المملكة العربية السعودية على مواصلة تصدير النفط عبر البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.
 غير أن هذا المسار البديل يواجه تحديات متزايدة مع عودة التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا الممر الحيوي على الاستمرار كبديل آمن لتدفقات النفط والتجارة العالمية.
وبحسب تقرير تحليلي نشرته وكالة بلومبرج، فإن التهديدات الأخيرة الصادرة عن جماعة الحوثي تعيد تسليط الضوء على هشاشة أمن الملاحة في البحر الأحمر، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب بالنسبة للتجارة العالمية وصادرات النفط الخليجية.

باب المندب.. شريان حيوي للتجارة والطاقة العالمية

يمثل الممر البحري الممتد من قناة السويس عبر البحر الأحمر وصولاً إلى مضيق باب المندب أحد أهم طرق التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا، وقبل بدء الهجمات الحوثية على السفن في أواخر عام 2023، كان نحو 10% من التجارة البحرية العالمية يمر عبر هذا الممر سنوياً.
لكن بيانات مؤسستي "كلاركسونز ريسيرش" و"بورت ووتش" التابعة لصندوق النقد الدولي وجامعة أكسفورد أظهرت تراجع هذه النسبة إلى نحو 3% خلال العام الماضي، نتيجة المخاطر الأمنية التي دفعت العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
وقد أدى هذا التحول إلى زيادة تكاليف النقل البحري والتأمين، فضلاً عن إطالة زمن الرحلات بما يصل إلى أسبوعين إضافيين في بعض الحالات، وهو ما انعكس على سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف التجارة الدولية.
ورغم هذا التراجع، لا يزال باب المندب ممراً أساسياً لصادرات النفط والغاز والسلع القادمة من الخليج وآسيا وروسيا، كما شهدت حركة المرور فيه زيادة نسبية خلال فترة الحرب الإيرانية مع اعتماد السعودية عليه للحفاظ على تدفق صادراتها النفطية.

كيف تهدد هجمات الحوثيين صادرات النفط السعودية؟

أعلنت جماعة الحوثي في يونيو فرض حظر على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، لكنها سبق أن استخدمت تعريفات واسعة للسفن المرتبطة بإسرائيل، ما أدى في فترات سابقة إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل سفناً لا تربطها علاقات مباشرة بإسرائيل.
ويحذر التقرير من أن أي تصعيد جديد قد يعرض صادرات النفط السعودية للخطر، خاصة تلك التي يتم شحنها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي أصبح أحد أهم المنافذ البديلة للمملكة لتجاوز أي قيود محتملة في مضيق هرمز.
وخلال مايو الماضي، صدرت السعودية نحو 3.65 مليون برميل يومياً من النفط الخام عبر ميناء ينبع، وهو ما يمثل أكثر من نصف صادراتها النفطية قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
ولكي تصل هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، يتعين على الناقلات عبور مضيق باب المندب والإبحار بمحاذاة السواحل اليمنية، وهي مناطق سبق أن شهدت هجمات متكررة من الحوثيين باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويرى التقرير أن أي تعطيل لهذا المسار قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في تدفقات النفط العالمية، ما قد ينعكس سريعاً على الأسعار في الأسواق الدولية.

لماذا عاد الحوثيون إلى التهديد بالتصعيد؟

رغم التصريحات المتكررة للحوثيين بشأن إمكانية استهداف الملاحة في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن الجماعة بقيت إلى حد كبير خارج دائرة المواجهة المباشرة خلال الأشهر الماضية.
وجاء الإعلان الأخير بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، ما دفع مراقبين إلى الربط بين الخطوة الحوثية والتطورات الإقليمية الأوسع.
ويشير التقرير إلى أن الجماعة تعرضت خلال العام الماضي لضربات أمريكية وإسرائيلية مكثفة أدت إلى مقتل عدد من قياداتها وتدمير جزء من قدراتها العسكرية، ومع ذلك ما تزال واشنطن تعتبر الحوثيين تهديداً قائماً للملاحة الدولية، خاصة مع امتلاكهم ترسانة تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والزوارق والمركبات البحرية غير المأهولة.
وفي الوقت ذاته، لا يتحرك الحوثيون دائماً وفق إملاءات مباشرة من إيران، إذ يمتلكون حساباتهم السياسية والعسكرية الخاصة، كما يدركون أن الانخراط الكامل في صراع إقليمي واسع قد يجر عليهم ردوداً عسكرية جديدة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أن الجماعة تحرص على عدم الإضرار بالعلاقة الهادئة نسبياً مع السعودية منذ الهدنة التي تم التوصل إليها عام 2022، والتي ساهمت في خفض مستوى المواجهة بين الطرفين.

الحوثيون.. من حركة محلية إلى لاعب إقليمي مؤثر

تعود جذور جماعة الحوثي إلى محافظة صعدة شمال اليمن، حيث برزت خلال تسعينيات القرن الماضي قبل أن تدخل في سلسلة من المواجهات مع الحكومة اليمنية.
وفي عام 2014 سيطرت الجماعة على العاصمة صنعاء، ما أدى إلى اندلاع الحرب التي ما زالت مستمرة حتى اليوم. وتسيطر الجماعة حالياً على أجزاء واسعة من شمال وغرب اليمن، بما في ذلك مناطق مطلة على البحر الأحمر.
ويصنف كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحوثيين منظمة إرهابية، بينما تعد الجماعة جزءاً من ما يعرف بـ"محور المقاومة" المدعوم من إيران، إلى جانب حركات وجماعات أخرى في المنطقة.
ورغم الدعم الإيراني العسكري والتقني، تمكن الحوثيون أيضاً من تطوير شبكات تسليح محلية والاستفادة من طرق التهريب الإقليمية، ما ساعدهم على الحفاظ على قدراتهم العسكرية رغم سنوات الحرب والحصار.

الجهود الدولية لحماية الملاحة في البحر الأحمر

دفعت الهجمات الحوثية على السفن التجارية الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة تحت اسم "حارس الازدهار"، بمشاركة أكثر من عشرين دولة.
كما نفذت الولايات المتحدة وبريطانيا سلسلة من الضربات ضد مواقع الحوثيين منذ مطلع عام 2024، بينما أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية دفاعية تحت اسم "أسبيدس" لتأمين الملاحة في البحر الأحمر.
ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شنت واشنطن حملة عسكرية جديدة ضد الجماعة استمرت قرابة شهرين، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة عمانية في مايو 2025، تعهد الحوثيون بموجبه بوقف استهداف السفن الأمريكية.
ورغم ذلك، استمرت الجماعة في تنفيذ هجمات محدودة ضد أهداف أخرى، بالإضافة إلى مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، قبل أن تتراجع حدة هذه العمليات أواخر عام 2025 عقب التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحركة حماس.
ويرى المراقبون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعلان الحوثيين فرض قيود على السفن الإسرائيلية فحسب، بل في إمكانية توسع نطاق الاستهداف ليشمل حركة الملاحة التجارية بشكل أوسع كما حدث خلال الأعوام الماضية. 
ويعتقد هؤلاء أن أي تصعيد جديد في باب المندب قد يحول البحر الأحمر مجدداً إلى بؤرة اضطراب عالمية تؤثر على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، خاصة في ظل اعتماد السعودية المتزايد على هذا المسار لتصدير النفط. 
كما يشير المراقبون إلى أن قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة لا تزال قائمة رغم الضربات العسكرية التي تعرضوا لها، ما يجعل أمن البحر الأحمر مرتبطاً بشكل وثيق بمستقبل التوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وبمدى نجاح الجهود الدولية في منع عودة الهجمات واسعة النطاق على السفن التجارية.


شارك