بين الاعتداءات المتصاعدة و الهجرة تراجع الوجود المسيحي في الأرض المقدسة

الثلاثاء 16/يونيو/2026 - 10:29 ص
طباعة بين الاعتداءات المتصاعدة روبير الفارس
 


يشهد الوجود المسيحي في الأرض المقدسة واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود، في ظل تصاعد الاعتداءات ضد المسيحيين والمؤسسات الكنسية، وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تدفع أعدادًا متزايدة من المسيحيين إلى الهجرة. ويثير هذا الواقع مخاوف جدية لدى الكنائس المحلية من أن يتحول الوجود المسيحي التاريخي في القدس وبيت لحم وسائر الأراضي المقدسة إلى أقلية رمزية بعد أن كان جزءًا أساسيًا من النسيج السكاني للمنطقة لقرون طويلة.

 تصاعد  الاعتداءات

أظهرت تقارير صادرة عن "مركز روسينغ للتعليم والحوار" في القدس أن عام 2025 شهد توثيق 155 حادثة استهدفت المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية، بينها 61 اعتداءً جسديًا، و52 حادثة استهدفت ممتلكات كنسية، و28 حالة مضايقات وتهديدات، إضافة إلى 14 حادثة تخريب لرموز ولافتات مسيحية. ووصفت التقارير هذه الظاهرة بأنها "نمط متواصل ومقلق من الترهيب والإقصاء". 

وخلال الأشهر الأولى من عام 2026 فقط، تم تسجيل أكثر من 88 حادثة جديدة، وهو ما يضع العام الحالي على مسار قد يتجاوز أرقام عام 2025 إذا استمر المعدل الحالي. 

 أبرز الاعتداءات 
 الاعتداء على راهبة فرنسية في القدس

في مايو 2026 تعرضت راهبة فرنسية لاعتداء عنيف قرب جبل صهيون في القدس، حيث أظهر تسجيل مصور مهاجمًا يدفعها أرضًا ثم يركلها عدة مرات. وأثار الحادث إدانات واسعة من الكنائس والبعثات الدبلوماسية، واعتُبر رمزًا لتنامي الاعتداءات على رجال الدين المسيحيين. و
تشير التقارير إلى أن الرهبان والكهنة والراهبات أصبحوا من أكثر الفئات استهدافًا، خصوصًا في البلدة القديمة بالقدس وجبل صهيون والحي الأرمني، حيث باتت حوادث البصق والإهانات اللفظية والتحرشات اليومية شبه اعتيادية وفق شهادات رجال دين محليين. 

استهداف القرى المسيحية في الضفة الغربية

في قرية الطيبة، وهي آخر بلدة فلسطينية ذات أغلبية مسيحية كاملة في الضفة الغربية، تحدث مسؤولون محليون عن حرائق متعمدة واعتداءات من مستوطنين وعرقلة لعمليات إطفاء الحرائق، وسط اتهامات بأن هذه الممارسات تهدف إلى دفع السكان المسيحيين إلى الرحيل. 

الاعتداءات على الممتلكات والكنائس

وثقت التقارير عشرات حوادث التخريب التي طالت مقابر وكنائس وتماثيل وصلبان وممتلكات كنسية خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى كتابات مسيئة على الجدران وأعمال تدنيس لأماكن مقدسة. 
ولا تقتصر الأزمة على الاعتداءات الأمنية، بل تمتد إلى التحولات السكانية العميقة.

ففي القدس، تشير تقديرات تاريخية متداولة إلى أن المسيحيين كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان المدينة في مطلع القرن العشرين، بينما لا تتجاوز نسبتهم اليوم نحو 2% من إجمالي السكان. كما شهدت بيت لحم، المدينة التي تُعد مهد السيد المسيح، تراجعًا حادًا من أغلبية مسيحية كانت تقارب 80% خلال القرن الماضي إلى ما يقارب 10% فقط في الوقت الراهن وفق تقديرات متداولة لدى المؤسسات الكنسية والباحثين. 

ويرجع هذا التراجع إلى عوامل متشابكة تشمل الهجرة المستمرة، وتراجع فرص العمل، والصراعات السياسية، والقيود على الحركة، بالإضافة إلى الشعور المتزايد بانعدام الاستقرار.

 لماذا يهاجر المسيحيون؟

يرى قادة الكنائس المحلية أن الدافع الرئيسي للهجرة لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالإحساس بفقدان الأمان والمستقبل.

ومن أبرز الأسباب:
اولا  تصاعد الاعتداءات وخطاب الكراهية. 
ثانيا  صعوبة الحصول على السكن والتوسع العمراني.
ثالثا الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع السياحة الدينية.
رابعا القيود المرتبطة بالحركة والتنقل.
خامسا الخوف من مستقبل غير مستقر للأجيال الجديدة. 

ماذا تقول الكنائس؟

حذّر بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس خلال السنوات الأخيرة من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إفراغ الأرض المقدسة من أبنائها المسيحيين الأصليين. كما تحدثت شخصيات كنسية عن خطر تحول الأماكن المقدسة إلى مواقع حج وسياحة دينية بلا مجتمع مسيحي محلي حي يحافظ على تراثها الروحي والثقافي. 

 ما التوقعات للمستقبل؟

إذا استمرت معدلات الهجرة الحالية وتصاعدت الاعتداءات بالمستوى نفسه، يتوقع باحثون وقيادات كنسية أن يتواصل الانخفاض العددي للمسيحيين في القدس وبيت لحم والضفة الغربية خلال العقد المقبل. ولا يتوقع كثيرون اختفاء الوجود المسيحي بالكامل، لكنه قد يتراجع إلى مستويات رمزية غير قادرة على الحفاظ على الثقل التاريخي الذي امتلكه المسيحيون في الأرض المقدسة عبر قرون طويلة. 

ويجمع معظم المراقبين على أن وقف هذا النزيف الديموغرافي يتطلب توفير حماية فعلية للأقليات الدينية، ومحاسبة مرتكبي الاعتداءات، وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية، وإيجاد أفق سياسي يتيح للمسيحيين البقاء في مدنهم وقراهم التاريخية بدلًا من البحث عن مستقبل خارج الأرض التي انطلقت منها المسيحية قبل ألفي عام.

شارك