الساحل الأفريقي في قبضة الجهاد المتحوّل

الثلاثاء 16/يونيو/2026 - 10:37 ص
طباعة  الساحل الأفريقي حسام الحداد
 
من الإرهاب إلى الحوكمة الموازية: كيف تُعيد الجماعات المسلحة رسم خريطة القارة السمراء؟
في فجر الرابع والعشرين من أبريل 2026، استيقظت باماكو، عاصمة دولة مالي التي طالما وصفها مواطنوها بـ"مدينة الثلاثة آلاف منارة"، على دوي انفجارات متقطعة تتردد صداها بين أحياء تعتقد أنها بمنأى عن حمم الحرب المشتعلة في الشمال. لم تكن غارة معزولة، بل هجوم منسّق نفّذه تحالف جبهة تحرير أزواد (FLA) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، مستهدفاً مناطق متعددة من القلب النابض للعاصمة في آنٍ واحد. وثّق مركز ACLED للبيانات الميدانية هذا الحدث بوصفه نقطة تحوّل لافتة: لم يعد خط الهجوم يمتد من الأطراف نحو الداخل، بل بات يطرق أبواب المركز مباشرة.
ذلك الفجر المالي لم يكن حدثاً عابراً في سجل عنف قارة تعوّدت على قراءة أخبار الاضطرابات مع قهوة الصباح، بل كان إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة كليًا: مرحلة التحوّل من الإرهاب المتفرق إلى التمرد المنظّم القادر على استهداف رموز الدولة في عقر دارها.
 الساحل الأفريقي
أولاً: جذور الأزمة وسياقها التاريخي
كيف وصلنا إلى هنا؟
لفهم ما يجري في الساحل الأفريقي اليوم، لا بد من العودة إلى عام 2012، حين فجّر سقوط القذافي في ليبيا بركاناً من الفوضى الجيوسياسية امتدت شظاياه جنوباً عبر الحدود المفتوحة. أسلحة المخازن الليبية فاضت نحو شمال مالي، حيث وجدت جماعات الطوارق المسلحة وفروع تنظيم القاعدة فراغاً استراتيجياً ينتظر من يملؤه. سقطت تمبكتو ثم غاو، وكادت كيدال تُشكّل نواة دولة مستقلة، قبل أن يتدخل الجيش الفرنسي في عملية "سيرفال" ليوقف الزحف دون أن يجتثّ الجذور.
منذ ذلك الحين، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين عامَي 2021 و2023، أفرزت قطيعة مع الشركاء الغربيين التقليديين وطرداً لبعثات الأمم المتحدة ووحدات التدريب الأوروبية. وفي الفراغ الذي خلّفه ذلك، وجدت الجماعات الجهادية بيئة نموٍّ لم تحلم بها.
اللاعبون الرئيسيون في رقعة الشطرنج
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM): أُسِّست عام 2017 بوصفها فرعاً صريحاً لتنظيم القاعدة في الساحل، تضم بين صفوفها ما يتراوح بين ستة آلاف وسبعة آلاف مقاتل وفق تقديرات مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية. تتمركز أساساً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتتحمّل وحدها مسؤولية ما يزيد على 83% من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب في منطقة الساحل.
تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISSP): يضم ما بين ألفين وثلاثة آلاف مقاتل، ينشط في شمال بوركينا فاسو وغرب النيجر، ويتميز بمعدلات قتل أعلى نسبياً في الهجوم الواحد، مُدخلاً مع JNIM في تنافس دموي للسيطرة على الأرض والنفوذ.
حركة الشباب: تواصل تمددها في الصومال وإثيوبيا وكينيا، بقوة تُقدَّر بما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف مقاتل، وقد تضاعفت أعداد ضحاياها خلال ثلاث سنوات متتالية.
 
ثانياً: التحوّل الأعمق
من "الإرهاب" إلى "الدولة الظل"
الزاوية التي لا تراها العناوين الصحفية الاعتيادية هي أن ما يجري في الساحل لم يعد مجرد موجة عنف قابلة للاحتواء بالضربات الجوية والمداهمات العسكرية. ما يجري هو تحوّل بنيوي عميق في طبيعة هذه الجماعات ووظيفتها الاجتماعية والسياسية.
تُخلص أبرز تقارير مؤتمر مكافحة الإرهاب لعام 2026 (HSToday) إلى أن جماعات كالشباب وJNIM وفروع داعش باتت تتحوّل من شبكات إرهابية تضرب وتختفي إلى تمردات تكيّفية تسيطر على الأراضي وتُدير شؤون السكان، متجاوزةً في ديناميكيتها قدرات الاستجابة الحكومية التقليدية.
ويرصد الباحثون نمطاً متكرراً في المناطق التي تستوطنها هذه الجماعات: حين تعجز الدولة عن توفير أبسط الخدمات، تتقدم JNIM بمحاكم محلية تفصل في النزاعات الزراعية بين المزارعين والرعاة، وتفرض نظام ضرائب خاصاً، وتُشغّل منافذ صحية بدائية، وتُقدّم نفسها للمجتمعات المهمشة حارسةً للعدالة في غياب الدولة العادلة. يقول تقرير معهد New Lines Institute إن هذا النمط من "الاستقطاب المدني" هو ما يُميّز الجيل الراهن من هذه الجماعات عن سابقاتها، وهو ما يجعل اجتثاثها أشد صعوبةً وأعلى كلفة.
"إذا لم تتدارك الولايات المتحدة وشركاؤها استراتيجية الاستقطاب المدني التي تنتهجها JNIM، فإن ما نشهده في الساحل سيتحول إلى نسخة أفريقية من نموذج الشباب الصومالي، أي جماعة تحكم ولا تُهزم."
— معهد New Lines للدراسات الاستراتيجية والسياسية، يناير 2026

إحصاءات تُعيد رسم الصورة
البيانات الصادرة عن مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية تُجلّي حجم الكارثة بأرقام لا تقبل التأويل: جماعة JNIM وحدها مسؤولة عن 83% من وفيات الإرهاب في الساحل. أما حركة الشباب، فقد سجّل مركز ACLED لها 6224 حالة وفاة مرتبطة خلال العام المنتهي في يونيو 2025، وهو رقم يمثّل ضعف ما سجّله الفترة المقابلة عام 2022. وبحسب مؤشر الإرهاب العالمي، تستأثر دول الساحل وحدها بأكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب على مستوى العالم، وتحتل بوركينا فاسو ومالي والنيجر باستمرار مراتب الصدارة في أكثر دول العالم تضرراً.
الزاوية المخفية: الفراغ الروسي والمرتزقة بديلاً لكن ليس حلاً
حين رحلت القوات الفرنسية عن الساحل إثر الانقلابات المتتالية، لم تترك فراغاً أمنياً فحسب، بل تركت معها شبكة الاستخبارات والتنسيق الإقليمي التي بُنيت على مدار عقد من التدخل المتواصل. وفي الفراغ ذاته، ولج المرتزقة الروس (مجموعة فاغنر، التي أُعيدت هيكلتها لاحقاً تحت أسماء مختلفة) بخطاب الاستقلالية والشراكة غير المشروطة.
غير أن التقييمات المستقلة تتقاطع على خلاصة صادمة: النهج الروسي في مكافحة التمرد، القائم على الضربات الجماعية والعقوبات الانتقامية للمجتمعات المشتبه في تعاطفها مع الجماعات المسلحة، لم يُضعف هذه الجماعات بل دفع المجتمعات المحلية إلى أحضانها. يُصرّح تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بأن "المرتزقة الروس عمّقوا الجرح بدلاً من أن يُداووه."
"المشكلة ليست في غياب القوة العسكرية، بل في غياب الدولة. ما تقدّمه JNIM للمجتمعات المحلية من خدمات بدائية يفوق في عيونهم ما تقدّمه حكومات لا يرون منها إلا نقاط التفتيش والضرائب."
— باحث في مركز ACLED للبيانات الميدانية، مايو 2026

التوسع الجنوبي: الممر الجهادي نحو خليج غينيا
الخطر الذي يُقلق المحللين والحكومات المجاورة أكثر من أي تطور آخر هو ما توثّقه تقارير Defcon Level ومركز CFR من توسّع JNIM جنوباً خارج نطاق الساحل الجغرافي التقليدي. باتت هجمات الجماعة تُسجَّل في الأجزاء الشمالية من توغو والبنين وغانا، دول لم تكن حتى وقت قريب ضمن دائرة الاهتمام الأمني المرتبطة بالجهادية الساحلية.
ويحذّر محللو Defcon Level من أن استمرار هذا التوسع قد يُرسّخ تشكّل "ممر جهادي" متواصل يمتد من الحدود الجزائرية-المالية شمالاً حتى ساحل خليج غينيا جنوباً، مما يعني أن الخريطة الأمنية لغرب أفريقيا بأسرها ستكون عُرضة لإعادة رسم ستُلقي بظلالها الثقيلة على الاستقرار الإقليمي.
وتمتلك JNIM في هذا التوسع ميزةً بنيوية لا يُستهان بها: قدرتها على تجاوز الانتماء العرقي الواحد وتجنيد مقاتلين من مجتمعات الفولاني والجورمانتشي والجرما والباريبا وسواها، مستثمرةً النزاعات القديمة بين المزارعين والرعاة، والتهميش الاقتصادي المزمن، والشعور بالغبن إزاء الحكومات المركزية البعيدة.

ثالثاً: وجهات النظر | أصوات من مشارب مختلفة
المسؤولون الحكوميون في دول الساحل يُصرّون علناً على خطاب السيادة والقدرة، مؤكدين أن الشراكة مع روسيا وإعادة هيكلة الجيوش الوطنية كافيان للسيطرة على الوضع. غير أن التقارير الميدانية المستقلة تعكس صورة أكثر قتامة من تلك التي تُصرّح بها البيانات الرسمية.
المجتمعات المحلية في مناطق النزاع تعيش مأزقاً وجودياً يصعب التعبير عنه من موقف محايد: القبول بسلطة الجماعات الجهادية يعني الانزلاق إلى منظومة سيطرة قمعية، والمعارضة تعني التعرض للعقاب. كثيرون يختارون الصمت المُكلِف على الموقف الصريح المُدمِّر.
الخبراء الدوليون يتقاطعون في تشخيص الداء، لكنهم يتباينون في الدواء: بين من يُصرّ على أولوية التدخل العسكري المباشر لاستعادة الأرض، ومن يرى أن الحل الاقتصادي والاجتماعي البنيوي هو الوحيد القادر على قطع الروابط بين هذه الجماعات وحواضنها الشعبية.

رابعاً: التداعيات والمستقبل | أبعاد الأزمة
على المدى القصير
التداعيات الإنسانية الفورية كارثية بكل المقاييس: نزوح ملايين السكان من مناطق القتال، وانهيار المنظومة الزراعية التي يعيش عليها أكثر من 80% من سكان الساحل، وتفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي في دول هشّة أصلاً. ويُنذر توسع الجماعات نحو الجنوب باختراق أمنية دول ساحلية كانت تُعدّ حتى الأمس من أكثر بيئات غرب أفريقيا استقراراً.
على المدى البعيد
الصورة الكبرى أشد إقلاقاً للعواصم الغربية: تحوّل الساحل إلى ملاذ آمن دائم للجماعات الجهادية العابرة للحدود يُحدق بأمن القارة الأوروبية عبر موجات هجرة غير منتظمة من جهة، وعبر العمليات الخارجية التي يُحذّر منها المحللون من جهة أخرى. والأخطر من ذلك: إذا تمكنت JNIM من تثبيت نموذج الحوكمة الموازية في مناطق واسعة، فإن إزاحتها ستستلزم عقوداً لا سنوات.
المجلس الأطلسي يذهب في تقييمه إلى أن مالي تقف فعلياً على حافة سيطرة JNIM على مفاصل الحكم المركزي، مُحذِّراً من أن تكاسل الاستجابة الدولية يُراكم ثمناً مؤجلاً ستدفعه المنطقة والعالم في وقت لاحق بفائدة مركّبة.

مشهد مفتوح على السؤال
ما يجري في الساحل الأفريقي ليس أزمة إرهاب بالمعنى الكلاسيكي الذي تعوّدنا قراءته في تقارير ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. إنه مسار أعمق وأكثر تعقيداً: إعادة تشكيل للعقد الاجتماعي في مناطق شاسعة أخفقت دولها في الوفاء بأدنى مقتضيات السلطة والرعاية. والجماعات التي نراها تتمدد اليوم لا تملأ فراغ السلطة فحسب، بل تبني بدائلها بصبر الحرفي المتقن.
الاستجابة الدولية الراهنة، بتراجع أولوياتها الأمريكية لصالح التنافس مع القوى الكبرى، وإخفاق النهج الروسي في معالجة الجذور، وتردد الدول الأوروبية إزاء تكاليف التدخل في ما بعد مرحلة التدخل، كلها تُشير إلى أن الفجوة بين حجم التهديد ومستوى الاستجابة آخذة في الاتساع لا في الضيق.
والسؤال الذي يفرض نفسه أمام صانعي السياسات والمجتمعات الدولية على حدٍّ سواء: هل ننتظر حتى يمتلك هذا "الجهاد المتحوّل" شاطئه على خليج غينيا، ثم نبحث عن إجابات متأخرة لأسئلة كان ينبغي أن نطرحها منذ اليوم؟

شارك