مقتل الكاهن يوحنا : جريمة تهز الكنيسة الكاثوليكية في السودان وسط تصاعد استهداف رجال الدين في أفريقيا
الإثنين 22/يونيو/2026 - 11:51 ص
طباعة
روبير الفارس
خيّم الحزن على الكنيسة الكاثوليكية في السودان بعد مقتل الأب يوحنا الأمين، كاهن رعية القديس منصور بمدينة كاودا في ولاية جنوب كردفان، في حادثة أثارت صدمة واسعة بين المؤمنين وسكان المنطقة الذين عرفوه خادمًا للفقراء وركنًا أساسيًا في الحياة الروحية والاجتماعية للمدينة.
وبحسب المعلومات المتداولة محليًا، فإن الجريمة يُعتقد أنها جاءت على خلفية إبلاغ الكاهن عن سرقة أدوية ومساعدات إنسانية كانت الكنيسة تحتفظ بها لتوزيعها على المرضى والأسر الأكثر ضعفًا، ما يرجح فرضية الانتقام الشخصي أو الجنائي. وحتى الآن لم تصدر نتائج تحقيق رسمية نهائية تحدد بصورة قاطعة هوية الجناة أو الدوافع الكاملة وراء الجريمة.
ثلاثة عقود من الخدمة
كرّس الأب يوحنا الأمين ما يقارب ثلاثين عامًا من حياته للخدمة الكهنوتية والإنسانية في جنوب كردفان، وهي واحدة من أكثر مناطق السودان هشاشة من الناحية الأمنية والإنسانية. وخلال سنوات الحرب والنزاعات المتعاقبة، اختار البقاء إلى جانب أبناء رعيته رغم المخاطر المتزايدة.
وعُرف الكاهن الراحل باهتمامه بالشباب والأطفال والعائلات الفقيرة، كما لعب دورًا بارزًا في توفير المساعدات الإنسانية والرعاية الاجتماعية للمتضررين من النزاعات. ويؤكد أبناء المنطقة أنه لم يكن مجرد كاهن، بل أبًا وصديقًا ومرشدًا لآلاف الأشخاص الذين وجدوا في الكنيسة ملاذًا في أوقات الخوف والحاجة.
كاودا... منطقة تعيش على وقع العنف
تقع كاودا في ولاية جنوب كردفان، وهي منطقة شهدت خلال الأشهر الأخيرة أعمال عنف دامية وصدامات مسلحة أوقعت عشرات الضحايا المدنيين، في ظل أوضاع أمنية معقدة وصراعات محلية ومسلحة متكررة. وتشير تقارير حديثة إلى مقتل أكثر من 61 شخصًا في موجة عنف شهدتها المنطقة خلال مايو 2026، ما يعكس حجم الهشاشة الأمنية التي تعاني منها المدينة ومحيطها.
هل كان الحادث إرهابيًا؟
حتى اللحظة لا توجد أدلة معلنة تسمح بتصنيف مقتل الأب يوحنا الأمين كعمل إرهابي بالمعنى القانوني أو الأمني الدقيق.
ويمكن النظر إلى عدة فرضيات:
اولا فرضية الانتقام الجنائي وهي الأكثر تداولًا حاليًا، وترتبط بإبلاغه عن سرقة أدوية ومساعدات إنسانية.
ثانيا فرضية الاستهداف بسبب النفوذ المجتمعي: إذ غالبًا ما يشكل رجال الدين شخصيات مؤثرة في المجتمعات المحلية، ما قد يجعلهم أهدافًا في بيئات النزاع.
ثالثا فرضية الدافع الديني أو المتطرف: لا تتوافر حتى الآن معطيات كافية تؤكد وجود جماعة متشددة أو تنظيم إرهابي يقف خلف الجريمة.
لذلك فإن توصيف الحادث باعتباره "عملية إرهابية" يبقى سابقًا لأوانه إلى أن تظهر نتائج التحقيقات الرسمية.
أفريقيا
تأتي جريمة قتل الأب يوحنا الأمين في سياق مقلق تشهده القارة الأفريقية، حيث تزايدت خلال السنوات الأخيرة حوادث قتل وخطف رجال الدين المسيحيين، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة وانعدام الاستقرار الأمني.
ففي نيجيريا، التي تُعد من أخطر الدول على رجال الدين المسيحيين، شهد عام 2025 ومطلع 2026 سلسلة من عمليات الخطف والقتل استهدفت كهنة ورعاة وطلاب إكليريكيين. كما اختُطف عدد من الكهنة في ولاية كادونا خلال هجمات مسلحة على الكنائس والمقار الكنسية.
وتشير إحصاءات هيئة الإرساليات البابوية "فيدِس" إلى مقتل 17 من العاملين الرعويين والإرساليين الكاثوليك حول العالم خلال عام 2025، كان عدد كبير منهم في أفريقيا، بما في ذلك السودان ونيجيريا وبوركينا فاسو وكينيا.
كما شهد السودان نفسه في عام 2025 مقتل الأب لوكا جومو إثر قصف استهدف كنيسة في مدينة الفاشر خلال الحرب الدائرة في البلاد.
رجاء
برحيل الأب يوحنا الأمين تفقد الكنيسة السودانية أحد كهنتها الذين اختاروا البقاء وسط شعبهم في أصعب الظروف. وبينما تنتظر الأوساط الكنسية والشعبية نتائج التحقيقات لكشف ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها، يبقى إرثه شاهدًا على خدمة امتدت لعقود في منطقة أنهكتها الحروب، حيث فضّل أن يبقى إلى جانب الفقراء والمحتاجين حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
ويضيف مقتله اسمًا جديدًا إلى قائمة رجال الدين المسيحيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لالتزامهم برسالتهم الإنسانية والروحية في مناطق تعاني من العنف وعدم الاستقرار، لتبقى قضية حماية رجال الدين والعاملين الإنسانيين في أفريقيا من أبرز التحديات التي تواجه الحكومات والمجتمع الدولي اليوم.
