الحرب الإيرانية تعيد إشعال جبهة اليمن.. ماذا وراء تصعيد الحوثيين ضد السعودية؟

الجمعة 31/يوليو/2026 - 09:31 ص
طباعة الحرب الإيرانية تعيد فاطمة عبدالغني
 
يشهد البحر الأحمر تصعيدًا متسارعًا مع عودة هجمات الحوثيين ضد المصالح السعودية، في تطور يعكس تغيرًا في حسابات الجماعة بعد سنوات من الهدنة.
وفي تحليل نشرته مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية، ربطت المجلة بين التصعيد الحوثي وتداعيات الحرب الإيرانية، معتبرة أن الجماعة تحاول استثمار الظروف الإقليمية للضغط على الرياض وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية، مستفيدة من الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر في حركة صادرات النفط السعودية.

تصعيد الحوثيين يهدد الملاحة وصادرات النفط السعودية

أشارت ذا إيكونوميست إلى أن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أعلن في 16 يوليو تهديدًا مباشرًا للسعودية، متوعدًا باستهداف المطارات والموانئ ضمن ما وصفه بمعادلة "المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والحصار بالحصار".

ولم تقتصر التهديدات على الخطاب، إذ نفذت الجماعة خلال الأسبوعين التاليين هجمات استهدفت ناقلات نفط مرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، إضافة إلى منشآت نفطية في جيزان وينبع، ما أدى إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر.

ويوضح التقرير أن أهمية البحر الأحمر تضاعفت بعد تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الإيرانية، إذ ارتفعت صادرات النفط السعودية عبر موانئ الساحل الغربي إلى نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 120 ألف برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة، وهو ما جعل أي تهديد للملاحة في باب المندب أكثر تأثيرًا على أسواق الطاقة العالمية.

أهداف سياسية واقتصادية وراء التصعيد

بحسب التقرير، يسعى الحوثيون إلى استغلال هذه المتغيرات لتحقيق أهداف تتجاوز الجانب العسكري، إذ يرى الباحث في معهد تشاثام هاوس، فارع المسلمي، أن الجماعة تحاول "إصابة هدفين بحجر واحد".

فمن جهة، يؤدي الضغط على صادرات النفط السعودية إلى زيادة الضغوط على الأسواق العالمية، وهو ما يصب في مصلحة إيران في ظل مواجهتها مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، يستخدم الحوثيون التصعيد كورقة ضغط على الرياض للحصول على تنازلات تتعلق بالملف اليمني.

وتتمثل أبرز مطالب الجماعة وفق التقرير، في إنهاء القيود المفروضة على حركة الملاحة الجوية والبحرية، بما في ذلك السماح باستئناف الرحلات الجوية الإيرانية إلى صنعاء، إضافة إلى دفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي توقفت كليًا أو جزئيًا منذ عام 2018.

ويشير التقرير إلى أن الطرفين كانا قريبين من التوصل إلى تفاهم بهذا الشأن عام 2023، إلا أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر آنذاك أوقفت مسار الاتفاق.

الحرب الإيرانية تعزز حسابات الحوثيين

يرى التقرير أن الحوثيين يستلهمون نهج إيران في استخدام الضغط العسكري لتحقيق مكاسب سياسية، بعدما اعتبروا أن طهران نجحت في انتزاع تنازلات خلال تفاهماتها الأخيرة مع الولايات المتحدة.

لكن التقرير يشير في المقابل إلى أن السعودية ترفض تقديم تنازلات قد تمنح الجماعة مزيدًا من القوة، خاصة في ظل اتهامات رسمية بأن الرحلة الإيرانية التي حاولت الهبوط في صنعاء كانت تقل أسلحة ومستشارين عسكريين إيرانيين.

ويرى التقرير أن فتح خط جوي منتظم بين صنعاء وطهران من شأنه أن يعزز قدرات الحوثيين العسكرية، وهو ما يدفع الرياض إلى تشديد موقفها، بالتزامن مع جهود لتأمين حماية عسكرية للسفن التجارية.

مخاوف من اتساع المواجهة داخل اليمن

بحسب التقرير، لا يقتصر التصعيد على البحر الأحمر، إذ تشير التحركات العسكرية إلى احتمال اتساع المواجهة داخل اليمن.

ورصد التقرير هجمات نفذها الحوثيون على مواقع حكومية في مديرية حيس جنوب الحديدة، إلى جانب حشد قوات في محافظة مأرب ومحيط مدينة تعز، بينما أعلنت الحكومة اليمنية رفع جاهزية قواتها استعدادًا لأي تصعيد.

وأشار التقرير إلى أن القوى المناهضة للحوثيين أصبحت أكثر تماسكًا مقارنة ببداية العام، رغم استمرار التساؤلات بشأن قدرتها على خوض مواجهة عسكرية واسعة.

وفي الوقت نفسه، نفذت السعودية ضربات استهدفت مواقع للحوثيين، من بينها مواقع في الحديدة، إلا أن التقرير يرى أن الرياض قد تتجنب العودة إلى حملة جوية واسعة، في ظل امتلاك الحوثيين ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة تمنحهم قدرة أكبر على الرد، إضافة إلى غياب المشاركة الإماراتية بعد انسحاب قواتها من اليمن.

هل تكفي الضربات الجوية لردع الحوثيين؟

يشكك التقرير في قدرة الضربات الجوية وحدها على إنهاء التهديد الحوثي، مستندًا إلى تجارب السنوات الماضية، سواء خلال العمليات السعودية أو الضربات الأمريكية، والتي لم تتمكن من تدمير القدرات العسكرية للجماعة بصورة حاسمة.

ونقل التقرير عن مايكل نايتس، من شركة "هورايزون إنجيج" للاستشارات، قوله إن الحوثيين لا يحتاجون إلى تنفيذ عدد كبير من الهجمات، إذ يكفي استهداف أو إغراق سفينة أو اثنتين شهريًا لإجبار شركات الشحن على تجنب المرور عبر البحر الأحمر، وهو ما يمنح الجماعة قدرة مستمرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية.

ويرى المراقبون أن تحليل مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية يعكس تحولًا في طبيعة المواجهة بين الحوثيين والسعودية، حيث لم يعد التصعيد يقتصر على الداخل اليمني، بل بات يرتبط بأمن البحر الأحمر وأسواق الطاقة العالمية.
 كما يشير التقرير إلى أن الجماعة تسعى إلى توظيف التطورات الإقليمية لتعزيز أوراقها التفاوضية، بينما تواجه السعودية تحديًا يتمثل في حماية الملاحة ومنشآتها الحيوية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

شارك