صعود عبد الرحمن السيد ومعركة الإسلام السياسي في أمريكا

الأحد 09/أغسطس/2026 - 10:59 ص
طباعة صعود عبد الرحمن السيد حسام الحداد
 
أثار الفوز الانتخابي البارز للسياسي الأمريكي ذي الأصول المصرية عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان صدى واسعا وتفاعلات متسارعة لم تقتصر على حدود العمل العام المحلي، بل امتدت لتشمل الدوائر السياسية والإعلامية الكبرى في واشنطن. فلم ينظر المتابعون إلى هذا الصعود بوصفه مجرد محطة تاريخية تعزز حضور المسلمين والعرب في مفاصل المؤسسات التشريعية الأمريكية، بل تحول المحتوى الانتخابي إلى مادة سجالية حادة أعادت فتح ملفات شائكة حول "النفوذ التنظيمي طويل الأمد" لجماعة الإخوان المسلمين وامتدادات شبكاتها الرديفة داخل البنية المؤسسية للدولة الأمريكية.
تغذت هذه النقاشات المحتدمة على تقارير بثتها منصات إعلامية محافظة بارزة وجلسات استماع برلمانية متخصصة في الكونجرس، ركزت جلها على تشريح خلفيات الحملة وشبكات الدعم المحيطة بها. وبينما سعت الدوائر الرافضة لتصوير الحدث كامتداد لضغوط أيديولوجية وعابرة للحدود تستهدف توجيه بوصلة القرار الأمريكي، دافع التيار التقدمي عن شرعية هذا الصعود معتبرا إياه جزءا أصيلا من مسار الاندماج الديمقراطي والمشاركة السياسية المشروعة، مما جعل من هذه المعركة الانتخابية بؤرة لاختبار حدود التوازن بين الهوية السياسية والحريات الدستورية في الولايات المتحدة.

أبعاد الحملة وتوظيف السرديات الأيديولوجية في الإعلام الأمريكي 
ركزت التغطيات الإعلامية الصادرة عن الدوائر والمنصات المحافظة في الولايات المتحدة على إحاطة صعود السياسي الأمريكي عبد الرحمن السيد بشبكة واسعة من الشبهات والاتهامات ذات الارتباطات التنظيمية، مستخدمة حزمة من السرديات الأيديولوجية التي تسعى إلى نزع الشرعية المحلية عن مساره الانتخابي ووضعه في قفص الاتهام الأمني.
اعتمد المحور الأول من هذه الحملة على استدعاء ملف الروابط الأسرية والتنظيمية القديمة، حيث سعت تقارير الصحف والمنصات المحافظة إلى نبش التاريخ الحركي لبعض المحيطين بالسيد وشبكات العمل الإسلامي والعربي في أمريكا؛ محاولة إيجاد تقاطعات بين نشاطه الشخصي وشخصيات أو منظمات وصفت بأنها ذات صلة تاريخية بشبكات جماعة الإخوان المسلمين أو بجهات خضعت لتدقيرات وملاحقات أمنية سابقة بشأن قضايا تمويل الإرهاب، بغرض تصويره كامتداد لكيانات عابرة للحدود.
أما المحور الثاني، كان حول ظاهرة "التحالفات العابرة للتيارات"، وتحديدا التقاء خطاب السيد التقدمي والداعم بحرارة للقضية الفلسطينية مع شخصيات وفعاليات مثيرة للجدل في أوساط اليسار الأمريكي الشاب والمؤثرين الرقميين (مثل المؤثر الشهير حسن بايكر). استغلت الدوائر الرافضة هذا التقاطع لاتهام الحملة بتبني أجندات راديكالية مناهضة للسياسات الأمريكية التقليدية، والربط بين حركات الاحتجاج التقدمية وشبكات الإسلام السياسي.
وفي السياق ذاته، استند المحور الثالث على "مؤشر الاحتفاء الخارجي وردود الفعل"، إذ أشارت التقارير إلى قيام بعض المنصات المرتبطة بتيار الإسلام السياسي أو الناطقة بالعربية خارج الولايات المتحدة بالاحتفاء بنتيجة الانتخابات واعتبرها اختراقا ديمغرافيا وسياسيا مهما لمصلحتها. هذا الاحتفاء الخارجي تم استغلاله بذكاء من قبل الخصوم السياسيين في الداخل الأمريكي لتصوير الصعود المحلي للسيد كامتداد لتأثيرات خارجية موجهة تهدف إلى التأثير على بوصلة صنع القرار في واشنطن.
وعليه، أسهمت هذه المحاور الثلاثة مجتمعة في صياغة خطاب إعلامي ترهيبي يهدف إلى تحويل معركة انتخابية محلية إلى قضية أمن قومي، عبر دمج الخطاب المتعلق بمكافحة الإرهاب بملفات الهوية والسياسة الخارجية، مما يعكس مدى حساسية الدوائر السياسية الأمريكية تجاه أي صعود سياسي للشخصيات ذات الخلفيات الإسلامية التي تحمل مواقف نقدية تجاه السياسات التقليدية للحكومة الأمريكية.

"التمكين الهادئ" مقابل "الاندماج الديمقراطي": 
على الجانب المقابل للحملات الإعلامية، يعكس النقاش الدائر في الأوساط الأكاديمية ومراكز البحث الاستراتيجية (مثل تلك المرتبطة بجامعة جورج واشنطن وجلسات الاستماع الأخيرة في الكونجرس) انقساما فكريا ومؤسسيا عميقا في تفسير طبيعة وجود الحركات والفاعلين ذوي الخلفية الإسلامية داخل المجتمعات الغربية.
تنطلق المدرسة الأولى، الممثلة في اطروحات التيار الأمني والمحافظ، من فرضية أن جماعات الإسلام السياسي قد تخلت بمعظمها عن خيار التغيير الثوري العنيف في الدول الغربية، لتعوضه باستراتيجية ناعمة تعرف ب "التمكين الهادئ أو الاختراق المؤسسي". وترى هذه المقاربة أن هذه التنظيمات تسعى لتحقيق أهدافها طويلة الأمد عبر الاندماج الحذر في النسيج المدني، مستفيدة من الحريات الديمقراطية المتاحة لتوسيع نفوذها.
وتفصيلا لهذا النهج، يشير الباحثون في هذا المعسكر إلى أن الاختراق لا يتم بالضرورة بأدوات خشنة، بل من خلال التسلل والعمل داخل المنظمات الحقوقية، والاتحادات الطلابية في الجامعات الكبرى، ومفاصل الأحزاب السياسية التقليدية، بغرض فرض أجندات سياسية وثقافية تدريجية تهدف إلى تغيير طبيعة النظام ومؤسساته من الداخل بما يخدم الرؤى الأيديولوجية لتلك التيارات.
في المقابل، ترفض طروحات التيار التقدمي والديمقراطي هذه المقاربة الأمنية برمتها، معتبرة إياها امتدادا لخطاب التخويف والوصم المنهجي. ويرى مناصرو دمج الشخصيات المسلمة في العمل العام أن هذه الاتهامات تندرج تحت طائلة "الإسلاموفوبيا السياسية" واستخدام نظريات المؤامرة لتجريد المواطنين الأمريكيين المسلمين من حقهم المشروع والدستوري في الانخراط السياسي الكامل.
ويؤكد هذا التيار أن نجاح شخصيات صاعدة مثل عبد الرحمن السيد لا يمكن تفسيره عبر عدسة المؤامرات التنظيمية، بل يعود إلى تبنيها خطابات اقتصادية واجتماعية محلية وجذرية تلامس احتياجات طبقة العمال والطبقة الوسطى الأمريكية (مثل الرعاية الصحية الشاملة، والعدالة الضريبية، وحقوق العمل)، بعيدا عن أي ارتباطات تنظيمية خارجية مزعومة.

الدلالات الجيوسياسية والأمنية 
يمثل هذا السجال المحتدم حول صعود شخصيات مثل عبد الرحمن السيد انعكاسا مباشرا وحادا لحالة الاستقطاب المزدوجة التي تعيشها الولايات المتحدة، حيث تتداخل بقوة ملفات السياسة الخارجية في الشرق الأوسط مع المعارك الانتخابية والسياسة الداخلية الأمريكية.
في هذا السياق، أدى الموقف الحاد والناقد الذي يتبناه السيد وقطاع عريض من التيار التقدمي تجاه السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط -لا سيما الانتقادات الواسعة للسياسات الإسرائيلية وحجم الدعم العسكري غير المشروط- إلى تحويل محطة انتخابية محلية في ولاية ميشيغان إلى معركة كبرى عابرة للحدود ترتبط مباشرة بالأمن القومي وصورة التحالفات الأمريكية الاستراتيجية. وقد استندت تغطيات لصحف عالمية بارزة مثل The Guardian إلى هذا البعد لتسليط الضوء على كيفية تأثير قضايا الصراع الإقليمي على تشكيل الخرائط السياسية داخل الديمقراطيات الغربية.
إلى جانب ذلك، يسلط هذا الجدل الضوء على أزمة التصنيف القانوني المعقدة التي تعاني منها المؤسسات الأمريكية، إذ يكشف النقاش عن استمرار الفراغ وغياب إطار قانوني موحد وشامل لتصنيف شبكات الأفرع المدنية، أو الواجهات الفكرية والسياسية المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي بدقة على الأراضي الأمريكية.
ويبرز هذا الفراغ القانوني بوضوح في تجدد النقاشات القديمة والمتجددة داخل أروقة الكونجريس ومراكز القرار حول مدى مشروعية أو إمكانية تصنيف تنظيم مثل "الإخوان المسلمين" كمنظمة إرهابية دولية أو محلية، وهو ملف ظل يراوح مكانه لعقود نتيجة التعقيدات الدستورية وحماية حرية التجمع والتعبير التي يكفلها القانون الأمريكي.
هذه المساحات الرمادية والضبابية التشريعية تترك الباب على مصراعيه أمام الأطراف السياسية المتباينة لاستغلالها سياسيا، حيث يتم توظيفها لتبادل الاتهامات وشيطنة الخصوم عبر التشكيك في "مشروعية" ولاءات الساسة الجدد ذوي الخلفيات الإسلامية، مما يتحول في النهاية إلى أداة استقطاب حزبية عميقة تهدد تماسك النسيج الديمقراطي الأمريكي وتزج بالملفات الأمنية في أتون الصراعات الانتخابية.
يؤكد هذا السجال المتشعب أن قضية "الإسلام السياسي" وشبكاته قد تجاوزت جغرافية الشرق الأوسط المضطربة لتستقر في صلب حروب الهوية والشرعية داخل الديمقراطيات الغربية ذاتها. وبينما تصر التيارات المحافظة على مقاربة هذه الظاهرة عبر عدسة التهديد الأمني واستراتيجيات "التمكين الهادئ"، يراها المدافعون عن التعددية الثقافية حقا دستوريا ومظهرأ للاندماج الديمقراطي السليم، ليجد صانع القرار الأمريكي نفسه عالقا في معادلة بالغة التعقيد توازن بحذر شديد بين متطلبات حماية الأمن القومي ومبادئ الليبرالية الدستورية.

شارك