نيجيريا: 14 كاهنًا إلى المذبح... وكهنة آخرون إلى الموت والذبح

الإثنين 10/أغسطس/2026 - 11:23 ص
طباعة نيجيريا: 14 كاهنًا روبيرالفارس
 



في بلدٍ اعتادت فيه الجماعات المسيحية أن تستيقظ على أخبار القتل والخطف والتهجير، جاءت من مدينة نسوكا بولاية إينوغو صورة مختلفة تمامًا؛ صورة تقول إن العنف لم ينجح في إطفاء جذوة الدعوة الكهنوتية.

ففي كاتدرائية القديسة تريزا بمدينة نسوكا، احتفلت الكنيسة بسيامة 14 كاهنًا جديدًا، في مشهد يكتسب أهمية خاصة عندما يوضع في سياق أمني بالغ القسوة تعيشه الكنيسة النيجيرية، ولا سيما في المناطق الشمالية والوسطى من البلاد.

هنا تبدو المفارقة صارخة: بينما كانت الكنيسة تضع أيديها على رؤوس رجال جدد، لتدفع بهم إلى خدمة المذابح والرعايا، كان كهنة آخرون في أنحاء نيجيريا يعيشون تجربة مختلفة تمامًا؛ بعضهم اختُطف، وبعضهم قُتل، وبعضهم أمضى أسابيع أو أشهر في الأسر.

 كنيسة تنمو رغم الخوف

ما يحدث في نسوكا ليس حادثة منفصلة عن مسار طويل من نمو الدعوات الكهنوتية في الكنيسة النيجيرية.

فأبرشية نسوكا نفسها قدمت نموذجًا لافتًا على هذا النمو. ففي أغسطس 2024، شهدت كاتدرائية القديسة تريزا رسامة 23 كاهنًا جديدًا، لترتفع أعداد كهنة الأبرشية إلى أكثر من 400، بعدما تضاعف عددهم تقريبًا خلال عقد واحد. وقد أشاد الأسقف غودفري أوناه آنذاك بالنمو الكبير في الدعوات، مؤكدًا أن الكهنوت في الأبرشية لم يتراجع رغم التحديات التي تواجه الكنيسة. 

وبالتالي فإن مشهد رسامة الكهنة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد احتفال كنسي؛ فهو في الحالة النيجيرية يحمل رسالة أعمق: الكنيسة التي تُستهدف في بعض مناطق البلاد لا تزال قادرة على إنجاب خدام جدد، وإرسالهم إلى الرعايا، والاستمرار في رسالتها.

لكن الوجه الآخر لهذه الصورة أكثر قسوة.

 الكاهن النيجيري... راعٍ وذبيح

خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025، تعرض ما لا يقل عن 212 كاهنًا كاثوليكيًا في نيجيريا للاختطاف، وفق دراسة قدمتها الكنيسة الكاثوليكية النيجيرية إلى مؤسسة عون الكنيسة المتألمة، وهي أرقام تكشف أن خطف رجال الدين لم يعد حوادث متفرقة، بل أصبح جزءًا من أزمة أمنية مستمرة. 

وتشير بيانات أخرى نقلتها وكالة فيدس الكاثوليكية إلى أن 145 كاهنًا كاثوليكيًا اختُطفوا بين عامي 2015 و2025، قُتل منهم 11 كاهنًا. ويعكس الاختلاف بين الرقمين اختلاف منهجيات الرصد والتوثيق، لكنه لا يغير الحقيقة الأساسية: عشرات الكهنة تعرضوا للخطف، وسقط عدد منهم قتلى. 

واللافت أن الخطر لم يتراجع مع دخول عام 2026.

ففي يناير الماضي، أُعلن عن إطلاق سراح الأب بوبو باسكال، بعد أن قضى نحو شهرين في الأسر. وكان مسلحون قد اختطفوه في 17 نوفمبر 2025 عقب مهاجمة رعية القديس إسطفانوس التابعة لأبرشية كادونا. 

وفي الوقت نفسه، ظل الأب إيمانويل إزيما، من أبرشية زاريا، في عداد المختطفين بعد اختطافه من مقر إقامته في ديسمبر 2025، فيما واصلت الأبرشية إطلاق مناشدات من أجل الإفراج عنه. 

ولم يقتصر الاستهداف على الكهنة؛ ففي يوليو 2026 اختُطف طالب الإكليريكية كيفن أوتشاي من مقر إقامة أسقف أبرشية أوتوكبو في ولاية بينوي، ما يكشف أن دائرة الخطر تمتد أيضًا إلى الجيل الذي يستعد أصلًا للكهنوت.

 من الرسامة إلى الخطف... المسافة قصيرة

هذه المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما نتذكر أن الكاهن الذي يُرسم اليوم قد يعمل غدًا في قرية نائية، أو رعية تقع في منطقة يسيطر عليها المسلحون أو تنتشر فيها عصابات الخطف.

وفي 2025 وحده، سجلت مؤسسة عون الكنيسة المتألمة 15 حالة اختطاف لكهنة في نيجيريا، قُتل أحدهم على يد خاطفيه، بينما ظل كاهنان آخران مفقودين في نهاية العام، قبل أن يُفرج عن الأب بوبو باسكال في يناير 2026.
وفي مارس 2025، كشفت تقارير عن مقتل الأب سيلفستر أوكيشوكو بعد اختطافه، في واقعة أظهرت بوضوح كيف يمكن أن يتحول الطريق من بيت الرعية إلى مكان المذبح إلى طريق للموت. 

كما شهدت السنوات السابقة مقتل كهنة آخرين، بينهم الأب جون مارك تشيتنوم، الذي اختُطف مع كاهن آخر في يوليو 2022، قبل العثور على جثمانه بعد أيام. 

 الكاهن بين الفدية والاستهداف الديني

ولا يمكن اختزال جميع عمليات اختطاف الكهنة في نيجيريا في دافع ديني واحد؛ فجزء كبير منها مرتبط بعصابات إجرامية تسعى إلى الحصول على الفدية، إلى جانب الصراعات المسلحة والإرهاب والعنف المجتمعي.

لكن وجود الكاهن في قلب المجتمع يجعله هدفًا ذا قيمة بالنسبة للخاطفين؛ فهو يعيش وسط الناس، ويمكن الوصول إليه في الرعايا والمراكز الكنسية والمنازل، كما أن اختطافه يفرض ضغطًا نفسيًا هائلًا على الكنيسة والمجتمع المحلي.

وفي مناطق أخرى، تتقاطع عمليات الخطف مع استهداف المجتمعات المسيحية نفسها. ولهذا تحدثت الكنيسة النيجيرية مرارًا عن حالة خوف واسعة يعيشها المؤمنون والكهنة على حد سواء.

وهذا ما يجعل الكاهن في بعض مناطق نيجيريا يؤدي رسالته وهو يعرف أن الرعاية التي يمارسها قد تعرض حياته للخطر.

 14 كاهنًا جددًا في مواجهة 212 عملية اختطاف

إذا وضعنا المشهدين جنبًا إلى جنب، تظهر صورة شديدة الدلالة.

في جهة: 14 شابًا يقتربون من المذبح، ويتعهدون بخدمة الكنيسة وشعبها.

وفي الجهة الأخرى: أكثر من 200 واقعة اختطاف لكهنة خلال عقد واحد وفق بيانات مؤسسة عون الكنيسة المتألمة، إلى جانب كهنة قتلوا وآخرين لا يزال مصير بعضهم مجهولًا.

إنها ليست معادلة بين عدد الذين رُسموا وعدد الذين اختُطفوا، لأن الرسامة والخطف ظاهرتان مختلفتان تمامًا. لكنها مفارقة تكشف شيئًا أعمق عن الكنيسة النيجيرية: كلما حاول العنف أن يفرغ الرعايا من رعاتها، ظهرت دعوات جديدة لملء الصفوف.

شارك