احدثها القديسة ريتا .حتي في امريكا جرائم الكراهية ضد الكنائس تتصاعد

الإثنين 10/أغسطس/2026 - 11:30 ص
طباعة احدثها القديسة ريتا روبير الفارس
 



 تحول حوش كنيسة القديسة ريتا الكاثوليكية في حي لونغ آيلاند سيتي بمنطقة كوينز في نيويورك إلى مسرح لاعتداء جديد على رمز ديني مسيحي، بعدما اقتحم رجل المكان وحطم بمطرقة تمثالًا للسيدة العذراء مريم.

ولم تكن الواقعة حادثًا منفردًا بالنسبة إلى الرعية؛ فهي الاعتداء التخريبي الرابع الذي تتعرض له الكنيسة خلال نحو عامين. وكانت اعتداءات سابقة قد طالت نافذة زجاجية ملوّنة، وتماثيل للقديس فرنسيس الأسيزي والقديس يهوذا.

وتتعامل الشرطة مع الواقعة باعتبارها جريمة كراهية محتملة، فيما لم يكن قد أُعلن عن توقيف مشتبه به . 
لكن أهمية حادثة القديسة ريتا تتجاوز حدود كوينز؛ فهي تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أصبحت الكنائس الأمريكية هدفًا متزايدًا لأعمال العداء والتخريب والعنف، وهل يمكن الحديث عن ظاهرة متصاعدة من جرائم الكراهية ضد المسيحيين؟

 11,679 جريمة كراهية  خلال عام 

وفق أحدث بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI عن عام 2024، سجلت أجهزة إنفاذ القانون المشاركة 11,679 حادثة جريمة كراهية في الولايات المتحدة، شملت 13,683 جريمة منفصلة و14,243 ضحية. وبلغ عدد أجهزة الشرطة المشاركة في جمع البيانات 16,419 جهازًا، لكن 3,127 جهازًا فقط أبلغت عن وقوع جرائم كراهية، بينما أبلغت بقية الأجهزة المشاركة عن عدم تسجيل جرائم من هذا النوع في نطاقها.

وتشكل الجرائم ذات الدوافع الدينية إحدى أكبر فئات جرائم الكراهية الأمريكية. وتظهر بيانات عام 2024 نحو 3,096 حادثة ذات دافع ديني، أي ما يقارب ربع جرائم الكراهية المسجلة، مع 3,235 ضحية.

غير أن الصورة أكثر تعقيدًا عند النظر إلى هوية الجماعات المستهدفة. فقد كان اليهود الهدف الأكبر داخل فئة الجرائم الدينية، بنحو 1,938 حادثة، أي قرابة 70% من الجرائم الدينية ذات التحيز الواحد. وجاءت الجرائم المعادية للمسلمين في مرتبة لاحقة. 

وهنا تظهر ضرورة عدم الخلط بين ارتفاع جرائم الكراهية الدينية عمومًا وبين القول إن المسيحيين هم الجماعة الدينية الأكثر استهدافًا في الولايات المتحدة؛ فالأرقام الرسمية لا تدعم هذا الاستنتاج.

 لكن ماذا عن الكنائس تحديدًا؟

هنا تظهر بيانات أخرى لا يقيسها تقرير FBI بالطريقة نفسها.

فقد وثق تقرير «مجلس أبحاث الأسرة» الذي يحمل عنوان «العداء ضد الكنائس»، 415 عملًا عدائيًا استهدف كنائس أمريكية خلال عام 2024، بعدما كان العدد 485 في 2023 و198 في 2022 و98 في 2021.

وبحسب التقرير، وقعت هذه الأعمال في 43 ولاية واستهدفت 383 كنيسة مختلفة. وكان التخريب الشكل الأكثر شيوعًا، إلى جانب إحراق الكنائس، والتهديدات بالقنابل، وحوادث إطلاق النار وغيرها من أشكال الاعتداء. 

واللافت في هذه الأرقام أن عدد الاعتداءات على الكنائس ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة:

2018: 50 حادثة
2019: 83 حادثة
2020: 55 حادثة
2021: 98 حادثة
2022: 198 حادثة
2023: 485 حادثة
2024: 415 حادثة

أي أن عام 2024 شهد أكثر من ثمانية أضعاف عدد الحوادث التي سجلها التقرير في 2018، رغم تراجعه عن الذروة المسجلة في 2023. 

لكن يجب التنبيه إلى أن هذه الأرقام ليست إحصاءات رسمية للحكومة الأمريكية عن «جرائم كراهية»، بل رصد مستقل يعتمد بدرجة كبيرة على المصادر المفتوحة والتغطية الإعلامية؛ ولذلك فهي تقيس «الأعمال العدائية ضد الكنائس» بمعناها الأوسع، وليس فقط الجرائم التي أثبتت السلطات أن دافعها كراهية دينية.

 التخريب.. الشكل الأكثر شيوعًا

تقدم أرقام عام 2024 صورة لافتة عن طبيعة الاعتداءات.

فمن بين 415 حادثة رصدها التقرير، كان هناك 284 عمل تخريب، و55 حادثة حريق متعمد، و28 حادثة مرتبطة بالأسلحة النارية، إضافة إلى تهديدات وأشكال أخرى من الاعتداء.

وهذا يجعل حادثة كنيسة القديسة ريتا نموذجًا واضحًا لأحد أكثر أشكال الاعتداء شيوعًا: استهداف الممتلكات والرموز الدينية، سواء من خلال تحطيم التماثيل أو النوافذ أو تشويه المباني.

وفي هذه الحالة تحديدًا، يكتسب الأمر دلالة إضافية لأن الرعية لم تتعرض لاعتداء واحد، وإنما لسلسلة متكررة من الاعتداءات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

 نيويورك

وتكشف بيانات ولاية نيويورك الرسمية لعام 2024 أن الشرطة سجلت 556 حادثة كراهية ذات تحيز ديني، من بينها 13 حادثة معادية للكاثوليك، و471 حادثة معادية لليهود، و50 حادثة معادية للمسلمين. أما في مدينة نيويورك وحدها فسُجلت 405 حوادث ذات تحيز ديني، منها 11 حادثة معادية للكاثوليك. 

وهذه الأرقام توضح مرة أخرى أن معاداة الكاثوليك تمثل جزءًا من مشهد أوسع للعداء الديني في الولاية، وليس الظاهرة الدينية الأكبر فيها.

لكنها في الوقت نفسه تجعل واقعة القديسة ريتا أكثر إثارة للقلق، خصوصًا عندما تتكرر الاعتداءات على الرعية نفسها.

 من التخريب إلى العنف المسلح

المشكلة لا تتوقف عند تحطيم تمثال أو تشويه مبنى.
ففي سبتمبر 2025، شهدت كنيسة تابعة لكنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة في غراند بلانك بولاية ميتشجان هجومًا مسلحًا اقتحم خلاله المهاجم الكنيسة بشاحنة، ثم أطلق النار وأضرم النار في المبنى، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة تسعة آخرين. وأعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي لاحقًا أن المهاجم كان مدفوعًا بكراهية عميقة تجاه عقيدة المورمون. 

كما شهد عام 2025 هجوم إطلاق النار على مدرسة البشارة الكاثوليكية في مينيابوليس، الذي وقع أثناء القداس، وأسفر عن مقتل طفلين وإصابة 18 آخرين، فيما أعلن FBI أنه يحقق في الحادث باعتباره جريمة كراهية محتملة تستهدف الكاثوليك وعملًا محتملًا من أعمال الإرهاب الداخلي. 

وهكذا تتدرج الصورة من التخريب المحدود إلى إحراق دور العبادة ثم إلى الهجمات المسلحة، وإن كانت هذه الحالات الأكثر عنفًا أقل عددًا بكثير من حوادث التخريب.

 لماذا يصعب تحديد حجم «الكراهية ضد المسيحيين»؟

تكمن إحدى المشكلات الأساسية في طريقة تصنيف جرائم الكراهية.

فالقانون الأمريكي لا يعتبر كل جريمة تقع في كنيسة جريمة كراهية تلقائيًا. لا بد من وجود دليل على أن الجريمة ارتُكبت بسبب تحيز تجاه دين أو جماعة دينية أو خصائص أخرى محمية قانونيًا.

ولهذا فإن شخصًا قد يكسر نافذة كنيسة بدافع السرقة أو التخريب أو اضطراب شخصي لا تُسجل جريمته باعتبارها جريمة كراهية.

وفي المقابل، فإن شخصًا يحطم تمثالًا دينيًا لأنه يستهدف العقيدة أو أتباعها يمكن أن تدخل جريمته في إطار جريمة الكراهية إذا استطاعت الشرطة والنيابة إثبات هذا الدافع.

ولهذا فإن حادثة القديسة ريتا لا ينبغي وصفها نهائيًا بأنها «جريمة كراهية» قبل انتهاء التحقيق، بل الأدق صحفيًا القول إن الشرطة «تحقق فيها باعتبارها جريمة كراهية محتملة».

 ظاهرة أمريكية لها أكثر من وجه

ومن الخطأ أيضًا اختزال الاعتداءات على الكنائس في تفسير واحد.

فالتقارير الأمريكية تشير إلى دوافع مختلفة تشمل العداء الديني الصريح، والتطرف السياسي، والاحتجاجات المرتبطة بقضايا الإجهاض أو  التخريب العشوائي، والسرقة، ومشكلات الصحة النفسية، إلى جانب جرائم يرتكبها أشخاص يستهدفون الكنائس باعتبارها أماكن عامة يسهل الوصول إليها.

ولهذا فإن ارتفاع عدد الاعتداءات على الكنائس لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الحوادث ناتجة عن «حملة منظمة ضد المسيحية».

لكن تكرار استهداف الرموز المسيحية تحديدًا، أو تدمير التماثيل الدينية، أو استخدام شعارات معادية للمسيحية، أو استهداف الكنيسة أكثر من مرة، كلها عوامل تجعل احتمال وجود دافع عقائدي أو ديني أكثر أهمية في التحقيق.

 لماذا تبدو حادثة القديسة ريتا مختلفة؟

الخصوصية في حالة كنيسة القديسة ريتا تكمن في «التكرار».

فتمثال للعذراء مريم حُطم بمطرقة، بعد أن كانت الرعية قد تعرضت خلال الفترة السابقة لاعتداءات على نافذة زجاجية ملوّنة وتماثيل دينية أخرى.

أي أن الاعتداء لا يبدو، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، مجرد تخريب عابر لمبنى عام، بل سلسلة من الأفعال استهدفت عناصر مرتبطة بالهوية الدينية للمكان.

وهنا تحديدًا يصبح التحقيق في احتمال وجود دافع كراهية دينية أمرًا ذا أهمية خاصة.

 بين الحرية الدينية وأمن دور العبادة

تضع هذه الحوادث الولايات المتحدة أمام مفارقة واضحة.

فالدستور الأمريكي يحمي حرية ممارسة الدين، وتُعد الكنائس والمعابد والمساجد ودور العبادة جزءًا أساسيًا من الحياة المدنية الأمريكية.

لكن حماية هذه الأماكن أصبحت في السنوات الأخيرة قضية أمنية متزايدة الأهمية.

وقد انعكس ذلك على المستوى التشريعي أيضًا؛ إذ أشارت قرارات ومبادرات محلية وفيدرالية إلى الحاجة إلى تحسين حماية دور العبادة والمنظمات الدينية وغير الربحية من التخريب والتهديدات والهجمات. كما يناقش الكونغرس مبادرات لإنشاء آليات وطنية لتبادل أفضل الممارسات المتعلقة بأمن دور العبادة. 

 الكنائس هدف قائم

وتحتاج القضية إلى قدر من الدقة بعيدًا عن المبالغة.

فالبيانات الفيدرالية لعام 2024 تظهر أن اليهود كانوا الجماعة الدينية الأكثر استهدافًا في جرائم الكراهية المسجلة، كما أن المسلمين والسيخ وغيرهم تعرضوا بدورهم لأعداد مهمة من الاعتداءات.

وفي الوقت نفسه، فإن بيانات الاعتداءات على الكنائس تكشف بوضوح أن دور العبادة المسيحية تتعرض لعدد كبير من أعمال التخريب والحرق والتهديد والعنف.

وبالتالي فإن الصورة الأدق ليست القول إن «أمريكا تشهد اضطهادًا للمسيحيين» بالمعنى المستخدم لوصف أوضاع الأقليات الدينية في بعض دول العالم، وإنما القول إن «الكنائس الأمريكية تواجه مستوى مقلقًا من أعمال العداء والتخريب والعنف، بعضها ذو دوافع دينية واضحة أو محتملة».

وهذا الفارق ليس لغويًا فقط؛ بل هو فارق بين وصف يستند إلى البيانات وبين توصيف سياسي أو ديني أوسع يحتاج إلى أدلة إضافية.

 من كوينز إلى المشهد الأمريكي

قصة كنيسة القديسة ريتا تبدأ برجل ومطرقة وتمثال للعذراء، لكنها تنتهي بسؤال أكبر بكثير من حجم التمثال المحطم:

ماذا يحدث عندما تتحول أماكن العبادة إلى أهداف سهلة للتخريب والعنف؟

فالأرقام تقول إن 415 عملًا عدائيًا استهدف كنائس أمريكية في عام 2024 وحده وفق التقارير بينما سجل FBI آلاف جرائم الكراهية ذات الدوافع الدينية عمومًا. وبين الرقمين توجد منطقة واسعة من الحوادث التي لا يمكن وضعها كلها تحت عنوان واحد.

لكن المؤكد أن الاعتداء على كنيسة لا يطال حجرًا أو تمثالًا فقط؛ ففي المجتمعات الدينية يمثل المكان جزءًا من ذاكرة الجماعة وهويتها وحقها في ممارسة شعائرها بأمان.

ولهذا فإن واقعة القديسة ريتا، بوصفها الاعتداء الرابع على الرعية خلال عامين، ليست مجرد خبر محلي من كوينز، بل حلقة جديدة في نقاش أمريكي أوسع حول أمن الكنائس، وحدود حرية التعبير، وطبيعة جرائم الكراهية، وكيف يمكن حماية دور العبادة من أن تتحول إلى أهداف للعنف أو التخريب دون التضحية بالطابع المفتوح الذي يميز الحياة الدينية الأمريكية.

شارك