بين الشروط الأمريكية والمناورات الإقليمية: هرمز وغزة ولبنان في مهب التجاذبات
الثلاثاء 11/أغسطس/2026 - 01:43 م
طباعة
حسام الحداد
المشهد الإقليمي في منتصف أغسطس 2026 ، يشهد انعطافات دقيقة وحرجة، تتجسد في تفاعل معقد بين المسارات الدبلوماسية المتعثرة والضغوط العسكرية المتصاعدة على أكثر من جبهة. فمن جمود المفاوضات غير المباشرة حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى تعثر آليات تطبيق اتفاق نزع السلاح في قطاع غزة، وصولاً إلى هشاشة مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي في روما، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تتسم بسياسة "التصعيد المُدار". وتكشف هذه التطورات عن فجوة عميقة بين الطموحات الدبلوماسية الدولية والإرادة السياسية للأطراف المحلية، مما يبقي المنطقة رهينة توازنات هشة قابلة للانفجار في أي لحظة.
يأتي هذا التقرير ليرصد ويحلل بدقة متناهية أحداث الـ24 ساعة الماضية وانعكاساتها المباشرة على الاستقرار الأمني واقتصادات الطاقة العالمية. ومن خلال تتبع مسارات الصراع في ملفاتها الثلاثة الرئيسية (الإيراني-الأمريكي، اللبناني، والغزّي)، يسعى التقرير إلى تقديم قراءة استشرافية متكاملة لآفاق الصراع الإقليمي، مسلطاً الضوء على الأدوار الدولية الضالعة في إدارة الأزمة، ومؤشرات سلاسل الإمداد وأسواق النفط التي باتت المرآة الأكثر حساسية لتقلبات الميدان الدبلوماسي والعسكري.
تعثر تفاوضي وتصعيد لفظي متبادل
تواجه المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز جموداً سياسياً حاداً، بعدما ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف المحادثات بشرط مسبق يتمثل في حصول الولايات المتحدة على تعويضات مالية من إيران عن "أضرار سابقة" لحقت بمصالحها. وفي المقابل، عكست التعيينات الأخيرة في هيكل القيادة العسكرية الإيرانية، التي أجراها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الاثنين الماضي بتعيين ستة قادة جدد، نزعة نحو التصلب الأمني، خاصة مع اختيار رئيس جديد للأمن القومي يتسم بتشككه العميق في جدوى أي تفاهمات مع الإدارة الأمريكية.
وعلى مسار موازٍ، تسعى طهران لفك العزلة عن ملف الملاحة عبر مفاوضات ثنائية مع سلطنة عُمان، حيث أعلنت السلطات الإيرانية اقترابها من اتفاق إداري، إلا أن وزير الخارجية عباس عراقجي سارع إلى خفض سقف التوقعات، مؤكداً أن أي اتفاق منفصل لن ينهي الأزمة، وأن فتح المضيق يظل مرتبطاً بـ"شروط إضافية" تشمل مطالب إيرانية بـ"تعويضات" مقابلة من الولايات المتحدة. وتكشف تفاصيل الاتفاق المقترح، كما نقلتها رويترز، عن اعتماد مسار مؤقت للسفن لتجاوز حالة الشلل، وذلك كبديل مؤقت لحين التوافق على استعادة "نظام الفصل المروري" (TSS) الذي كان معمولاً به قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
من جانبه، يصر الرئيس ترامب على فرض الهيمنة العسكرية المطلقة في المنطقة، مؤكداً في تصريحات من المكتب البيضاوي أن البحرية الأمريكية هي الطرف الوحيد الذي يمارس سيادة فعلية على مضيق هرمز حالياً. وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد انتهت بالفعل من عمليات "كسح الألغام" في كامل ممرات المضيق، في رسالة تهدف لتقويض الادعاءات الإيرانية بالقدرة على التحكم في حركة الملاحة الدولية.
يأتي هذا التصعيد في وقت تسعى فيه الأطراف الدولية للضغط نحو تهدئة، لكن الموقف الأمريكي يظل متماسكاً حول ربط أي تسهيلات اقتصادية أو ملاحة بانتزاع تنازلات سياسية وأمنية شاملة من طهران. هذا التضارب في الرؤى بين الرغبة الإيرانية في إدارة فنية للأزمة (عبر عُمان) والإصرار الأمريكي على ربطها بملفات التعويضات والسيادة، جعل المضيق نقطة تحول لا تزال تترنح بين الانفراج التقني والانفجار العسكري.
مسار روما وتباين المواقف الداخلية
تتعثر الجولة التفاوضية اللبنانية–الإسرائيلية المنعقدة في روما منذ مطلع الشهر، حيث اصطدم الوفد اللبناني بتعنت إسرائيلي حيال مطالب وقف الضربات الجوية والانسحاب من الجنوب، بينما اتخذ الأمين العام لحزب الله موقفاً تصعيدياً، داعياً إلى وقف المفاوضات التي وصفها بأنها مسار انتقاص من السيادة لا يقدم سوى تنازلات مجانية لتل أبيب.
ميدانياً، تتصاعد وتيرة العمليات العسكرية التي تتداخل مع المسار السياسي، حيث يواصل الجيش اللبناني تنفيذ خطة "المناطق التجريبية" عبر تعزيز تواجده في بلدة زوطر الغربية، في محاولة لفرض سيطرة حكومية تحسباً لأي سيناريوهات ميدانية. وفي المقابل، نفذت قوات الاحتلال ضربات نوعية استهدفت منشآت تحت أرضية تابعة لحزب الله في منطقة جبل الشيخ (بوفور)، مما يشير إلى استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تقليص القدرات الدفاعية للحزب بالتوازي مع محادثات روما.
كما امتدت التوترات إلى الجبهة السورية، حيث رصدت مصادر رسمية صينية تقدم دورية إسرائيلية داخل ريف القنيطرة، وهو تحرك يعزز المخاوف من اتساع رقعة الاشتباك المباشر. هذه التحركات الميدانية تُعد بمثابة رسالة ضغط إسرائيلية تهدف إلى إعادة رسم خطوط الاشتباك بما يخدم شروطها في مفاوضات روما، مما يضع الدولة اللبنانية في موقف هش بين مطرقة العمليات العسكرية وسندان الانقسام الداخلي حول جدوى التفاوض.
تتجلى حالة "الانقسام الداخلي" بوضوح في تباين الرؤى بين المؤسسة الرئاسية التي تراهن على الدبلوماسية للوصول إلى وقف إطلاق نار، وبين حزب الله الذي يرفض المسار الحالي كلياً. هذا التباين يُعطل إمكانية التوصل إلى ورقة عمل موحدة تمنح الوفد اللبناني ثقلاً في روما، ويحول دون تقديم ضمانات أمنية كافية لإنهاء التوتر الميداني، مما يجعل المشهد في جنوب لبنان قابلاً للانفجار في أي لحظة رغم الجهود الدولية الجارية.
اتفاق نزع السلاح يترنح بين التوقيع والتطبيق
لا يزال "الاتفاق التاريخي" الذي أعلنه الرئيس ترامب أواخر يوليو الماضي لإنهاء الصراع في غزة حبيس الأدراج، حيث تعطلت آليات التنفيذ وسط تبادل للاتهامات بين إسرائيل وحركة حماس. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسمياً عن تحفظه على النسخة المعلنة من الاتفاق، مؤكداً أنها لا تلبي مطالب الأمن الإسرائيلية ومشدداً على رفض الانسحاب من القطاع قبل تحقق شرط "نزع سلاح حماس بالكامل".
من جانبها، تتمسك حركة حماس بمبدأ "التزامن"، حيث حذر مسؤول الحركة، غزي حماد، من أن أي خطوات إجرائية من جانب الحركة ستكون مشروطة بالتزام إسرائيل التام بكافة بنود الاتفاق دون انتقائية. هذا الجمود نابع من فجوة عميقة في التسلسل التنفيذي، حيث ترفض إسرائيل التنازل عن الضمانات العسكرية قبل الانسحاب، بينما ترى حماس في الانسحاب الإسرائيلي الخطوة الأولى اللازمة لبناء الثقة، وهو ما أدى إلى شلل كامل في مسار المفاوضات.
وقد زاد من تعقيد المشهد موقف "مجلس السلام الأمريكي"، الذي وضع شرطاً حاسماً يقضي باستمرارية التواجد الإسرائيلي في غزة إلى حين إتمام عملية نزع السلاح كلياً. هذا الشرط أدى فعلياً إلى نسف منطق "التزامن" الذي طرحته حماس، مما حول الاتفاق من "خارطة طريق" لحل الأزمة إلى ورقة سياسية عاجزة عن وقف العمليات العسكرية أو تخفيف حدة التوتر في القطاع.
في المحصلة، يعيش ملف غزة حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث يبدو أن الفجوة التنفيذية بين الطرفين قد بلغت طريقاً مسدوداً. فبينما يصر الإسرائيليون على تحقيق مكاسب استراتيجية (نزع السلاح) كشرط مسبق، ترفض حماس التخلي عن ورقة القوة الوحيدة لديها دون ضمانات ملموسة، مما يترك الوضع الإنساني والميداني معلقاً على تفاهمات هشة لا تملك مقومات الديمومة.
وأخيرا تؤكد المعطيات الراهنة أن الإقليم يعيش فعلياً تحت وطأة معادلة "لا حرب ولا سلم"، حيث تستثمر الأطراف الفاعلة كافة أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لتعزيز مواقعها التفاوضية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مدمرة. وفي ظل تعنت المواقف وغياب رؤية تسوية شاملة متفق عليها، تظل الحلول التقنية المحدودة - كالاتفاقات الإدارية المحتملة لمضيق هرمز - هي الملاذ الأقرب لتخفيف الاحتقان المؤقت، بينما تبقى الأزمات البنيوية في غزة ولبنان معلقة على حافة الانهيار، بانتظار متغيرات ميدانية أو ضغط دولي فاعل قادر على كسر الجمود الراهن.
