السياسة الخارجية لدونالد ترامب في أفريقيا: تصعيد عسكري غير محسوب ومخاطر طويلة الأمد
الأربعاء 12/أغسطس/2026 - 07:46 م
طباعة
علي رجب
د
تتسم سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخارجية في كثير من الأحيان بطابع الفوضى في اتخاذ القرارات والاعتماد على الخطابات النارية ذات الطابع الشعبوي. ورغم أن بعض هذه التوجهات تبدو وكأنها ردود فعل آنية، إلا أن عواقبها غير المدروسة قد تكون وخيمة على المدى البعيد، إذ تخلق مسارات تصعيدية معقدة قد يجد الخلفاء في البيت الأبيض صعوبة بالغة في إغلاقها أو التراجع عنها. وتقدم منطقة غرب أفريقيا نموذجا دراميا وحيا يعكس بدقة هذه المخاطر الاستراتيجية.
فقد أمر ترامب بشن ضربات عسكرية مباشرة في نيجيريا خلال ديسمبر 2025 ومايو 2026، وتشير التقارير الاستخباراتية والإعلامية إلى أن فريقه درس بجدية إمكانية توسيع نطاق العمليات لتشمل مالي، مما يورط المنطقة بشكل أعمق وأخطر في أتون "الحرب على الإرهاب" المفتوحة، ويمنح المؤسسة العسكرية، وتحديدا القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، انتصارا بيروقراطيا غير محسوب النتائج.
الجذور التاريخية وإخفاقات برامج مكافحة الإرهاب السابقة
لم تبدأ القصة من فراغ؛ فقد كانت غرب أفريقيا لفترات طويلة جزءا من استراتيجيات مكافحة الإرهاب، ولكن ضمن حدود وقيود معينة. ففي أعقاب أحداث الحادي من سبتمبر، ومع تصاعد هواجس الإدارة الأمريكية بشأن ظهور بؤر تهديد جديدة في مناطق جيوستراتيجية محيطة، أنشأت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن "مبادرة الساحل" كبرنامج تدريبي، تلتها "شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الكبرى" عام 2005، وصولا إلى تأسيس القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) في عام 2007.
وعلى الرغم من ضخامة هذه البرامج، إلا أنها أخفقت جميعها في منع تمدد الأزمات الأمنية؛ ففي عامي 2009 و2010 تحولت حركة "بوكو حرام" في نيجيريا إلى تمرد مسلح واسع النطاق لا يزال يشكل تهديدا استقراريا كبيرا.
وفي عام 2012، اندلع تمرد واسع في مالي أدى إلى أول سيطرة جهادية واسعة النطاق في غرب القارة، مما أشعل فتيل حرب متعددة الأطراف لا تزال تعصف بمنطقة الساحل حتى يومنا هذا. وحينها، حافظت الولايات المتحدة على هامش من الحذر، فتجنبت المواجهة المباشرة والصريحة، واكتفت بالدعم اللوجستي للتدخل الفرنسي في مالي عام 2013، وزيادة التعاون مع جيوش حوض بحيرة تشاد بعد حادثة اختطاف التلميذات عام 2014، فضلا عن إنشاء قاعدة للطائرات المسيرة في النيجر عام 2016 بقيمة 100 مليون دولار.
تقويض القيود العسكرية ودوافع ترامب السياسية الآنية
غير أن تحركات ترامب الأخيرة في نيجيريا والتلويح بضربات في مالي تأتي لتقوض تماما تلك القيود التاريخية التي فرضت طويلا على استخدام القوة العسكرية المباشرة في هذه المنطقة الحساسة.
ويمكن تفسير هذه السياسات بالدوافع السياسية الآنية للرئيس الأمريكي؛ فشن ضربات في نيجيريا تحت غطاء "الدفاع عن المسيحيين" يعد ورقة رابحة ترضي شرائح واسعة ومنظمات نافذة داخل القاعدة الانتخابية للجمهوريين في الولايات المتحدة. كما أن الترويج الإعلامي لقتل عناصر التنظيمات المسلحة يعزز صورة ترامب كرجل قوي وحازم، متجاهلا تماما التداعيات والأفق الزمني البعيد لمثل هذه التدخلات العابرة.
الصمود البيروقراطي لأفريكوم ونمو الموازنة العسكرية
على الرغم من أن فريق ترامب أبدى في بداية ولايته الثانية حماسا لتقليص الوكالات الفيدرالية ودراسة دمج "أفريكوم" في القيادة الأوروبية، إلا أن الصمود البيروقراطي للقيادة العسكرية مكنها ليس فقط من البقاء، بل ومن تعزيز دورها وتوسيع شبكة علاقاتها واستثماراتها في القارة. وقد انتهجت "أفريكوم" نموذجا تقليديا عفا عليه الزمن، تمثل في التقارب مع شخصيات مثيرة للجدل مثل اللواء خليفة حفتر في ليبيا، وتعزيز التحالفات مع الأنظمة الاستبدادية في غرب أفريقيا كساحل العاج وبنين.
وحتى بعد طرد القوات الأمريكية من قاعدة الطائرات المسيرة في النيجر عام 2024 إثر الانقلاب العسكري، اكتفت أفريكوم بالبحث عن مواقع بديلة، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الضربات في الصومال خلال عامي 2025 و2026. ومع وصول طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027 إلى رقم قياسي يتجاوز تريليون دولار، يبدو واضحا أن حجم أفريكوم سينمو بالتوازي، مرسخة حضورها كقيادة منخرطة في شن ضربات دورية مستمرة في شرق وغرب القارة.
مبررات واهية واستمرار سياسات "الحروب الأبدية"
في وثائقها الرسمية وبيانات مواقفها لعام 2026، تسوق قيادة "أفريكوم"، على لسان الجنرال دافجين أندرسون، مبررات استراتيجية تؤكد فيها أن جماعات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، مستشهدة بروايات انتقائية حول عمليات إنقاذ الرهائن. ورغم الترويج لهذه المخاطر، تشير الحقائق الميدانية إلى أن تلك الجماعات لم تشن قط أي هجوم خارج إفريقيا، وأن العنف في الساحل ازداد سوءا رغم التواجد الاستخباراتي والعسكري الأمريكي الكثيف.
وتتجسد المفارقة الكبرى في "استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة" التي أصدرها البيت الأبيض في مايو، والتي تزعم إنهاء "عقود من الحروب المستمرة" وسياسات الإدارات السابقة، بينما تعيد صياغة وتصعيد ذات المقاربات العسكرية القديمة تحت غطاء لغوي فضفاض يربط بين أي حالة عدم استقرار في العالم و"المصالح الحيوية" للولايات المتحدة. إن هذا المزج بين خطاب إنهاء الحروب وتطبيع الضربات العسكرية المباشرة في غرب أفريقيا يخلق إرثا خطيرا سيتحمله الرؤساء القادمون، ويهدد بإبقاء القارة الأفريقية مسرحا مفتوحا لتدخلات عسكرية طويلة الأمد لا تلوح في أفقها أي نهايات سياسية مستدامة.
