استراتيجية "المواجهة المدارة": كيف ترد طهران على الضغط العسكري الأمريكي؟

الأربعاء 12/أغسطس/2026 - 07:57 م
طباعة استراتيجية المواجهة علي رجب
 
في تحليل استراتيجي بارز نشره هادي كاهال زاده، الزميل غير المقيم في معهد "كوينسي" والباحث في مركز التنمية العالمية والاستدامة بجامعة برانديز، يبرز التساؤل الجوهري حول أسباب لجوء إيران إلى هجمات مضادة -مثل استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز وشن هجمات على القوات الأمريكية في الأردن- في وقت ترزح فيه البلاد تحت وطأة ضغوط واقتصاد متهالك. 

ويخلص التحليل إلى أن طهران باتت على يقين تام بأن كافة الأدوات الأمريكية المستخدمة، بدءا من العقوبات القاسية مرورا بالمفاوضات المتعثرة وصولا إلى الضربات العسكرية ووقف إطلاق النار المؤقت، تصب في هدف استراتيجي واحد يتمثل في السعي الحثيث لتغيير النظام. 
وبناء على هذه القناعة، قطعت القيادة الإيرانية الأمل في التوصل إلى تسوية دبلوماسية أو تخفيف حقيقي للعقوبات في ظل الإدارة الحالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتختار بدلا من ذلك الاستعداد للقتال وخوض غمار حرب طويلة الأمد تمتد حتى نهاية ولايته.

التكاليف المدمرة وانعكاساتها على البنية الاقتصادية والسياسية
ألحقت الحرب الحالية أضرارا بالغة وممنهجة بالبنية التحتية الأساسية في إيران؛ حيث تسببت أكثر من 23 ألف غارة جوية أمريكية وإسرائيلية في تدمير شبه كامل للقطاعات الحيوية كالénergie (الطاقة)، والصناعة، والنقل، والمرافق المدنية التي صمدت لعقود في وجه العقوبات. وقد أسفر ذلك عن أكبر انكماش في سوق العمل وأعلى معدلات تضخم يشهدها التاريخ الحديث للبلاد.

وعلى الصعيد السياسي، أحدثت الضربة التي استهدفت القيادات في أواخر فبراير تحولا جذريا في منظومة صنع القرار. فرغم التكهنات بصعود متشددين تقليديين، نشأ نظام مواز لاتخاذ القرار يتميز بجرأة أكبر، وصبر أقل، وحسابات مختلفة تماما للمخاطر، مستفيدا من مرارة تجارب التفاوض الفاشلة التي أوضحت لطهران استحالة التوصل إلى اتفاق مستدام مع إدارة ترامب، سواء لعجز الرئيس الأمريكي سياسيا عن تحمل تكلفة التسوية أو لرفضه المبدئي، يضاف إلى ذلك الدور الإسرائيلي المعرقل لأي تقارب محتمل رغم التباينات التكتيكية مع واشنطن.

إخفاق مذكرة التفاهم وتآكل الثقة في المسار الدبلوماسي
يمثل الجدل الدائر حول مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو نموذجا ساطعا لتعثر الدبلوماسية؛ فبينما نصت المذكرة على وقف القصف ورفع الحصار الجزئي، اصطدم التنفيذ بتعقيدات وعراقيل جسيمة حرمت طهران من الاستفادة المرجوة. فعلى الرغم من تصدير نفط بقيمة 6 مليارات دولار، لم تحصل إيران سوى على جزء يسير من أصولها الأجنبية المجمدة البالغة 12 مليار دولار، وسط آليات معقدة أشرفت عليها أطراف إقليمية كقطر وأثارت استياء شديدا في الدوائر الإيرانية.

وقدنظر إلى هذه الهدنة المؤقتة داخل إيران على أنها "هدنة من جانب واحد" هدفت إلى إعادة بناء القدرات العسكرية الأمريكية وتخفيض أسعار النفط تمهيدا لجولة جديدة من الحرب، مما عرض القيادة لضغوط اجتماعية وسياسية هائلة بسبب تفاقم التضخم والفقر وتصاعد الصراعات بين الفصائل المختلفة، الأمر الذي جعل استمرار الانتظار خيارا مكلفا لصالح الخصوم.

استراتيجية "المواجهة المدارة" والاعتماد على الأوراق الجيوسياسية
في محاولة لكسر هذا الجمود المفروض، اعتمدت طهران استراتيجية عسكرية تقوم على "المواجهة المدارة"؛ وهي صيغة مصممة بعناية لتحقيق ردع فعال يرفع تكلفة الحرب على واشنطن دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومدمرة. تهدف هذه الهجمات المحدودة إلى استنزاف الموارد الأمريكية، وتشتيت الانتباه، وإجبار البنتاغون على إنفاق ميزادات طائلة على العمليات الدفاعية بدلا من التحضير لهجمات واسعة جديدة.

وتستند طهران في هذا الرهان على قدرة مجتمعها واقتصادها غير الرسميين على امتصاص الصدمات وتحمل الأضرار الجسيمة بفضل تنوع جغرافيتها وشبكات الرعاية الاجتماعية التي تحمي موظفي الدولة. إضافة إلى ذلك، يمثل التحكم في الممر المائي الحيوي بمضيق هرمز ورقة ضغط قوية لرفع تكلفة الصراع على الاقتصاد العالمي، مما قد يضغط تدريجيا على شعبية إدارة ترامب المتراجعة أصلا في الداخل الأمريكي.

خلاصات وتوصيات لواشنطن لكسر حلقة الصراع
يشير التحليل في خاتمته إلى أن استمرار الحملات العسكرية والضربات الجوية قد نجح في إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية وتعميق الأزمة الاقتصادية، لكنه فشل تماما في تحقيق أهدافه السياسية أو إجبار طهران على الاستسلام. بل على العكس من ذلك، عززت هذه السياسات القناعة الراسخة لدى القيادة الإيرانية بأن المقاومة هي الخيار المجدي الوحيد المتاح.

ولإنهاء هذه الدائرة المفرغة من المواجهات المفتوحة، يتوجب على صناع القرار في واشنطن إدراك حدود القوة العسكرية، والعمل بجدية على تحفيز مسار خفض التصعيد عبر خطوات عملية تجعل "ضبط النفس" خيارا مربحا لطهران، كالإفراج الفعلي عن الأصول المالية المتفق عليها، بدلا من الاقتصار على فرض الضغوط وتكبيد الخصوم تكاليف باهظة دون مقابل سياسي أو اقتصادي حقيقي.

شارك