صراع الصقور والحمائم في طالبان أفغانستان: لماذا يعجز المعتدلون أمام أخوند زاده؟
الجمعة 14/أغسطس/2026 - 10:37 ص
طباعة
علي رجب
سلط تقرير مطول نشرته مجلة "الإيكونوميست" البريطانية الضوء على كواليس الصراع الداخلي الدائر داخل أروقة السلطة في أفغانستان، مشيرة إلى أن قادة حركة طالبان المحسوبين على التيار المعتدل باتوا إما عاجزين تماما عن الحركة أو غارقين في شعور عميق بالخوف يمنعهم من مواجهة زعيمهم الأعلى، الملا هبة الله أخوند زاده.
وأوضح التقرير أن أخوند زاده نجح ببراعة سياسية في بناء حلقة أمنية محكمة من الموالين المتشددين حوله، فضلا عن إحكام سيطرته الكاملة على عقود التعدين والموارد المربحة في أفغانستان.
وأضافت المجلة في عددها الأخير أن التيارات المتشددة داخل حركة طالبان تمكنت من تعزيز قبضتها وسلطتها المطلقة على مفاصل الدولة، لدرجة أن عددا من الشخصيات البارزة التي تجرأت على الوقوف في وجه سياسات هيبة الله أخوند زاده قد أجبرت بطريقة أو بأخرى على مغادرة أفغانستان نهائيا.
ومن أبرز تلك الشخصيات عباس ستانيكزاي، نائب المدير السياسي السابق لوزارة خارجية طالبان، الذي غادر أفغانستان بعد أن وجه انتقادات علنية وجريئة لقرارات حظر تعليم الفتيات وإقصائهن عن الحياة العامة.
فشل سياسات العزل الغربية ودعوة للواقعية السياسية
بعد مرور خمس سنوات كاملة على عودة حركة طالبان إلى سدة الحكم في كابول إثر الانسحاب الأمريكي, خلصت مجلة "الإيكونوميست" إلى نتيجة حتمية مفادها أن استراتيجيات الولايات المتحدة والدول الأوروبية القائمة على عزل الجماعة وفرض العقوبات قد باءت بالفشل الذريع.
وترى المجلة أن على الغرب أن يتخلى عن الأوهام ويتقبل حقيقة بقاء طالبان راسخة في السلطة للمستقبل المنظور، والتحول نحو نهج براغماتي يقوم على الانخراط المباشر مع النظام بدلا من الاستمرار في سياسة العقوبات والعزل السياسي التي أثبتت عقمها.
وبعد قيام مراسل المجلة برحلة برية استثنائية امتدت لمسافة ألف كيلومتر عبر مختلف المحافظات الأفغانية، نقل التقرير صورة ميدانية تؤكد أن حركة طالبان تسيطر الآن بقوة واستقرار على كامل أفغانستان.
وبصرف النظر عن بعض الاشتباكات الحدودية العرضية مع باكستان، فإن معظم المناطق الأفغانية تنعم بسلام واستقرار أمني نسبي لم تشهده منذ عقود طويلة، على الرغم من الطابع الشملي الصارم لحكم الحركة.
مأزق مرير وقيود صارمة على الحريات العامة
وعلى الرغم من استتباب الأمن، وصفت مجلة "الإيكونوميست" الأوضاع المعيشية والاجتماعية في أفغانستان بأنها تعيش في ظل "مأزق مرير". وتتجلى هذه القسوة في فرض قيود غير مسبوقة، حيث تظل الموسيقى محظورة تماما، ويجوب الرجال المسلحون الشوارع لفرض الانضباط، بينما يمارس عناصر وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رقابة صارمة تصل حد الضرب لأي شخص يخالف قواعد وقوانين طالبان الصارمة، بما في ذلك الرجال الذين يظهرون بلحى قصيرة.
وفي السياق الإنساني والحقوقي الأسوأ، تمنع النساء من تولي العديد من الوظائف الحيوية، ويحرمن من الالتحاق بالجامعات، فضلا عن حظر سفرهن لمسافات طويلة دون مصاحبة محرم ذكر.
كما يواجه مستقبل جيل كامل من الفتيات ظلما واضحا إثر استمرار حظر تعليمهن والتحاقهن بالمدارس بعد مرحلة الصف السادس الابتدائي.
ومع ذلك، تشير تقارير المجلة إلى أن معظم الأفغان يتوقون للمزيد من الحرية والانفتاح، بل إن حتى بعض عناصر طالبان ممن عاشوا سنوات في الخارج لم يعودوا يؤمنون بأن تعليم الفتيات يشكل أي خطر حقيقي على هوية المجتمع الأفغاني.
عقوبات عقيمة وبدائل إقليمية تسد الفراغ
على مدى السنوات الخمس الماضية، اتبعت واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي سياسة متشددة قامت على رفض الاعتراف بحكومة طالبان، وتجميد أصول البنك المركزي الأفغاني في المصارف الخارجية، وفرض رزمة عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على كبار مسؤولي الحركة.
ومع ذلك، تؤكد "الإيكونوميست" أن هذه الإجراءات القسرية فشلت تماما في تغيير السلوك السياسي والأيديولوجي لطالبان؛ فالمتشددون في صفوف الجماعة لا يكترثون البتة بغياب الدبلوماسيين والمستثمرين الغربيين، ويبدون استعدادا كاملا لتحمل هذه التكلفة دون التراجع عن سياساتهم الداخلية، بغض النظر عن مصير الأصول المالية المجمدة أو المزايا الاقتصادية الأخرى.
وتلفت المجلة البريطانية العريقة إلى حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية، وهي أنه إذا استمر الغرب في مقاطعته ومقاطعته لأفغانستان، فإن دولا إقليمية وعالمية أخرى ستملأ الفراغ فورا. وبالفعل، قامت روسيا بخطوات جادة نحو الاعتراف بطالبان، بينما تنشط كل من الصين، الهند، تركيا، ودولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري المشترك مع كابول، لا سيما في قطاعات الاستثمار والتعدين الضخمة.
مؤشرات تحول غربي وضرورة الانخراط الدبلوماسي
رغم الجمود السياسي، رصدت المجلة مؤشرات واضحة على بدء تحول تدريجي وبراغماتي في النهج الغربي تجاه كابول، ففي شهر يونيو الماضي، وجهت دول أوروبية دعوات رسمية لمسؤولين من حركة طالبان لزيارة العاصمة البلجيكية بروكسل بهدف إجراء مباحثات أمنية حول ملف ترحيل اللاجئين الأفغان.
وفي السياق ذاته، تقود الولايات المتحدة قنوات تبادل استخباراتي سري مع نظام طالبان في إطار جهودهما المشتركة لمكافحة الجماعات الإسلامية المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان.
من جهة أخرى، دعت المجلة إلى ضرورة التحرك الفوري لوقف التراجع الهائل في حجم المساعدات الإنسانية الموجهة لأفغانستان، والتي هوت بنسبة تصل إلى نحو 70 في المائة منذ عام 2022، متجاهلة حقيقة أن ما يقرب من نصف إجمالي الشعب الأفغاني يعتمد بشكل كلي على المعايير الإنسانية للبقاء. كما طالبت المجلة بإعادة النظر الشاملة في حزم العقوبات الغربية التي أدت إلى عزل المسؤولين الأفغان عن النظام المالي العالمي وأعطبت حركة الاستثمار الخاص.
تخلص مجلة "الإيكونوميست" في ختام تقريرها إلى أن الامتناع الدبلوماسي عن الاعتراف بحركة طالبان أثبت أنه وسيلة ضغط فاشلة وعقيمة.
وترى أن فتح قنوات دبلوماسية نشطة وسفارات فاعلة على الأرض ليس اعترافا بشرعية سياسات الحركة أو تأييدا لها، بل هو السبيل الأنجع لرصد التهديدات الإرهابية بدقة وإدارة قنوات اتصال مباشرة تخدم مصالح الجميع.
وتشير الخلاصة إلى أن التغيير الجذري داخل طالبان سيستغرق وقتا طويلا، مما يجعل الانخراط المدروس والواقعي الخيار الأكثر حكمة وفعالية للولايات المتحدة والدول الديمقراطية بدلا من سياسة العزلة العقيمة.
