خطاب الذكرى والواقع المتشظي: تحليل بنيوي لبيان محمود حسين وتوازنات الإسلام السياسي

السبت 15/أغسطس/2026 - 04:46 م
طباعة خطاب الذكرى والواقع حسام الحداد
 
تمثل المناسبات والذكريات المفصلية في تاريخ حركات الإسلام السياسي لحظات مكثفة لإعادة بناء السردية الرسمية، واسترجاع خطوط التماس مع السلطة والمجتمع، واختبار مدى قدرة التنظيم على الصمود والتكيف. وفي هذا السياق، يأتي البيان الصادر عن الدكتور محمود حسين باسم جماعة "الإخوان المسلمون" بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة والنهضة، ليقدم وثيقة سياسية وأيديولوجية دالة في توقيتها ومضمونها؛ إذ لا ينفصل هذا النص عن السياقات المركبة التي تعيشها الجماعة، بدءا من حالة الانكماش التنظيمي والتضييق الأمني بالداخل، مرورا بالانقسامات الهيكلية المحتدمة بين جبهاتها في الشتات، وصولا إلى التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية التي تحاول الجماعة التقاطها لإعادة تثبيت حضورها في المشهد العام.
تتجاوز أهمية هذا البيان مجرد كونه رثاء سنويا للضحايا أو تذكيرا بمأساة إنسانية وسياسية؛ بل يمتد ليعكس "ديناميكية إدارة الأزمة" لدى قيادة كلاسيكية تصارع على شرعية التمثيل وتنشد الحفاظ على تماسك القواعد. يسعى البيان من خلال نسيجه اللغوي والمفهومي إلى الموازنة بين خطابات متعددة: خطاب المظلومية العاطفي الموجه للداخل والخارج، وخطاب السلمية والشرعية القانونية الموجه للمجتمع الدولي، ورسائل المراجعة المواربة الموجهة للشباب الغاضب، فضلا عن المحاولات المستمرة للاستثمار في الأزمات المعيشية والإقليمية. وعليه، تهدف هذه القراءة النقدية التحليلية إلى تفكيك بنية هذا الخطاب، ورصد تناقضاته المضمرة، واستكشاف الحدود الفاصلة بين استراتيجية التعبئة الحركية ومأزق الانسداد السياسي والفائل القيادي.
خطاب الذكرى والواقع
الخطاب العاطفي وإدارة "المظلومية التاريخية"
تعد "المظلومية التاريخية" جزءا أصيلا من البنية الأيديولوجية والتربوية لجماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وليست مجرد رد فعل طارئ على المحن السياسية. يعاد إنتاج هذه السردية بانتظام لتأطير صراع الجماعة مع السلطة والمجتمع ضمن قالب أخلاقي وديني مبسط، يصور التنظيم في موقع "الضحية المستهدفة لتمسكها بالمبادئ". هذا التوظيف لا يهدف فقط إلى وثيقة الماضي، بل يعمل كأداة حركية تبقي جذوة القضية المشتعلة في نفوس الأتباع، وتحول الخسائر السياسية والهزائم التنظيمية إلى محطات تضحية تمنح الحركة مبرر وجودها واستمرارها عبر العقود.
يتجلى التعبئة العاطفية في النص عبر الانتقاء الدقيق للغة الشاحنة والمفردات ذات الحمولات الوجدانية العالية، مثل "كارثة"، "آلة القتل المباشر"، "يد الغدر"، و*"صحائف سود"*. يمارس هذا المنسوج اللغوي وظيفة إيحائية تخاطب العاطفة والضمير الجمعي قبل أن تخاطب العقل المنطقي؛ إذ يسعى الخطاب من خلالها إلى تثبيت رواية أحادية للمأساة تمنع أي إمكانية لمساءلة السياق السياسي الذي أدى إليها. كما يهدف هذا الشحن إلى استدعاء تعاطف الرأي العام غير الحزبي، وتحويل الضحايا من مجرد طرف في نزاع سياسي معقد إلى رموز لكرامة مهانة ومظلومية إنسانية مطلقة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
على المستوى التنظيمي الداخلي، تلعب المحن والمظالم دور "الملاط الاجتماعي" الذي يماسك القواعد ويربط أفراد التنظيم ببعضهم البعض، خاصة في فترات الانكماش والتضييق الأمني. يترجم الخطاب تجارب السجن، والتشريد، والشتات، والملاحقة الأمنية من كونها نتائج لسياسات خاطئة أو صراعات على السلطة إلى "ابتلاء إلهي" وسنة كونية لتصفية الصف وتمحيصه. هذا التحويل الدلالي يقي التنظيم من التفكك والانهيار تحت وطأة الضغوط، إذ يشعر الفرد داخل المجموعة بأن معاناته الشخصية هي جزء من "ابتلاء الصالحين"، مما يعزز الولاء للقيادة ويرفع الكلفة النفسية للخروج عن الجماعة أو انتقادها.
أخيرا، تحقق إدارة المظلومية وظيفة استراتيجية تتمثل في خلق "مشروعية أخلاقية بديلة" تعوض الحركة عن فقدانها للمشروعية السياسية أو النفوذ في مؤسسات الدولة. عندما تعجز الجماعة عن تقديم إنجازات واقعية أو حلول لأزمات مجتمعية، تصبح تضحياتها السابقة واللاحقة هي صك المشروعية الوحيد الذي تلوح به. تحرص القيادة من خلال تكرار هذه السردية في كل مناسبة على إبقاء السلطة القائمة في موضع "المعتدي الفاقد للشرعية الأخلاقية"، مما يعيق أي محاولات للاندماج أو المصالحة الوطنية دون الاعتراف بظلم الضحايا، ويبقي حالة الاستقطاب السياسي قائمة كبيئة مثالية لبقاء الخطاب الإخواني.

ثنائية "السلمية" والشرعية القانونية
يحرص الخطاب على إعادة ضخ الروح في شعار "سلميتنا أقوى من الرصاص"، الذي أطلقه المرشد العام السابق محمد بديع من على منصة رابعة، ليكون بمثابة العتبة الأخلاقية والسياسية التي تقف عليها الجماعة. يهدف هذا الاستدعاء التكراري إلى ترسيخ الصورة الذهنية لجماعة تعتمد الخيار الديمقراطي والأساليب المدنية للوصول إلى السلطة وممارستها، وإظهار أن خروجها من المشهد السياسي لم يكن بسبب عجز فكري أو فشل في الممارسة السلمية، بل كان نتيجة إزاحتها بالقوة العسكرية. وبذلك، تحاول الجماعة ربط مفهموم "السلمية" بالشرعية الدستورية والقانونية المفترضة لتجربة ما بعد ثورة يناير.
يصطدم هذا الإصرار على السلمية بفجوة تحليلية حادة عند مقارنته بالممارسة التفصيلية للخطاب السياسي والميداني أثناء الأزمة عام 2013؛ إذ يتجاهل النص تقديم أي مراجعة نقدية لتصريحات حادة صدرت عن خطباء وشخصيات قيادية وحليفة من فوق المنصة ذاتها. تلك الخطابات تضمنت تهديدات مباشرة ب "حرق مصر"، وشحذا طائفيا، وإشارات علنية لإمكانية تشكيل لجان دفاع ذاتي وتشكيلات شبه عسكرية. إن إغفال هذه الأدبيات الميدانية يظهر التمسك بالسلمية وكأنه انتقاء اختزالي يبرز النص الناصع ويغض الطرف عن الممارسات التي ساهمت في رفع حدة الاستقطاب المجتمعي وتبرير المواجهة الأمنية.
بعيدا عن البعد المبدئي، تتبدى "السلمية" في الوقت الراهن بوصفها خيارا استراتيجيا إجباريا يفرض نفسه على القيادة؛ إذ تدرك الجماعة، في ظل التحولات الإقليمية والدولية المعقدة، أن أي جنوح أو حتى تلميح باللجوء إلى العمل المسلح أو العنف المنظم سيعصف بآخر ما تبقى لها من غطاء حقوقي، وسيجهز على أي هوامش للمناورة السياسية في العواصم الغربية. إن إسقاط السلمية يعني اندماج الجماعة تلقائيا وكليا في خانة التنظيمات الإرهابية المسلحة على المستوى الدولي، مما يجعل من السلمية أداة لحماية وجود التنظيم ومنع تصنيفه وإبادة بنيته بالكامل.
في النهاية، تسعى الجماعة عبر هذا الخطاب إلى تقديم نفسها كفصيل سياسي ملتزم بمرجعيات "دولة القانون والمؤسسات" والعمل الحزبي السلمي والتداول السلمي للسلطة، في محاولة لإعادة إنتاج ذاتها كشريك مستقبلي في أي أفق أو تسوية وطنية مرتقبة. غير أن هذا المسعى يظل رهنا بقدرة الجماعة على تجاوز الخطاب الإنشائي واختبار السلمية ليس فقط كشعارات لإدارة الأزمة، بل عبر صياغة مراجعات فكرية ومفهومية صريحة تحدد موقفا حاسما ونقديا من التكفير السياسي، والعمل السري، واستخدام المظليات الدينية في الصراع على السلطة.

التقييم الذاتي والتلميح للمراجعات: اعتراف بوجود أزمة؟
تكتسب الفقرة المتعلقة بالتقييم الذاتي في البيان دلالة استثنائية؛ إذ تعكس إدراكا ضمنيا من القيادة لعبق الأزمة وتراكم الأسئلة الحائرة والمنتفضة داخل القواعد الشبابية والكوادر الوسطى. إن الإشارة إلى ضرورة "إجراء عملية تقييم مسؤولة لكل التجارب التي مرت بها أي حركة سياسية" تعد محاولة لامتصاص حالة الغضب والاستياء المتنامية من الأداء السياسي السابق. يسعى الخطاب عبر هذه المواربة النقدية إلى إرسال إشارات توحي بوجود ديناميكية حية وتطور مؤسسي قادر على التعلم من التاريخ، مستهدفا بذلك تجديد دماء المشروع وإظهار الجماعة بمظهر الحركة المرنة ذات القدرة على التكيف والتحديث.
رغم هذه الديباجة التي تبدو منفتحة، يصطدم النص بإشكالية بنيوية تتمثل في تفاديه الكامل لتقديم أي اعتراف صريح بأخطاء الجماعة وتجاوزاتها خلال فترة الحكم (2012–2013). يغفل البيان نقد قرارات سياسية مفصلية أسهمت في عمق الاستقطاب المجتمعي والسياسي، وفي مقدمتها صدور الإعلان الدستوري المكبل في نوفمبر 2012، وسياسات الاستئثار بالسلطة، وإخفاق إدارة التنوع السياسي، وإغلاق مسارات التوافق مع القوى الوطنية الأخرى. إن هذا التجاهل يفرغ دعوة التقييم من محتواها، ويحولها من مراجعة حقيقية وشجاعة إلى أداة تجميلية تتجنب المساس ب "إرث القيادة" أو المساءلة عن الخطايا السياسية التي سبقت لحظة السقوط.
يكرس الخطاب سردية أيديولوجية تعفي الحركة من أي مسؤولية موضوعية عن آل أليه المشهد، عبر إحالة الفشل بأسره إلى العوامل الخارجية وعصا "المؤامرة" و"الانقلاب". تظل الجماعة، في منظومة رؤيتها الذاتية، مدفوعة بيافطة "صوابية الخيار ونقاء التجربة"، متصورة أن كل ما جرى لم يكن إلا نتيجة حتمية لمخططات استهدفت مشروعها الإسلامي والديمقراطي. إن تعليق الأسباب بالكامل على المشمول السياسي والأمني للخصوم يلغي أي إمكانية للتحليل العلمي والسياسي البارد لموازين القوى، ويحرم الحركة من فهم أسباب فقدانها للظهير الشعبي الذي ساندها في مطلع ثورة يناير.
في المحصلة، يتبدى هذا التقييم الذاتي المنقوص بوصفه "نقدا شكليا وظائفيا" أكثر منه خيارا فكريا مراجعا. يمارس الخطاب هنا لعبة التوازن الحرج؛ فهو من جهة يرضي الشريحة الراغبة في التغيير عبر التلويح ب "التطوير والمراجعة"، ومن جهة أخرى يحمي النواة الصلبة للبنية التنظيمية والأيديولوجية من الانهيار. إن الهروب من المراجعات الهيكلية والفكرية الجريئة ينجم عنه بقاء الجماعة في دائرة مفرغة من التبرير والدفاع عن الذات، مما يحول بينها وبين تقديم طرح سياسي واقعي ومختلف يقنع الشارع أو يفتح آفاقا حقيقية للخروج من مأزقها العتيق.

 استثمار الأزمات الراهنة والتمدد الإقليمي
يسعى الخطاب إلى توظيف حالة الضغط المالي والانسداد الاقتصادي المتزايد في الداخل المصري بوصفها برهانا استراتيجيا يدعم أطروحة الجماعة المركزية بشأن "فشل النظام وحتمية سقوطه". من خلال التركيز على مؤشرات الغلاء وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القيمة الشرائية للمواطن، يحاول النص إثبات أن القبضة الأمنية وتغييب المسار الديمقراطي لم ينتجا استقرارا تنمويا أو رخاء اجتماعيا. يراهن هذا الطرح على المظالم المعيشية اليومية كعامل تعبئة تلقائي يعيد تشكيل الوعي الجمعي، مستهدفا تحويل السخط الشعبي المتراكم من مجرد ضيق معيشي إلى موقف سياسي رافض للشرعية القائمة.
يتجاوز النص حدود الأزمة المحلية ليربطها مباشرة بالتحولات الجيوسياسية المعقدة على الحدود الشرقية لمصر، وبشكل خاص تداعيات الحرب في قطاع غزة والضغوط الإسرائيلية المتزايدة. يوظف الخطاب هذه اللحظة الإقليمية الحرجة للطعن في كفاءة النظام السياسي وإدارته للأمن القومي، مصورا الأداء الرسمي في حالة من "التراجع أو الارتهان للضغوط الخارجية". إن هذا الربط الشديد بين تدهور الأوضاع الداخلية والتحديات الحدودية يهدف إلى تأطير الأزمة الراهنة بوصفها تهديدا وجوديا يطال موقع مصر الإقليمي وسيادتها الوطنية، وليس مجرد تعثر في إدارة ملفات داخلية.
يمثل استدعاء القضية الفلسطينية والتحذير من الخطر الإسرائيلي محاولة واعية لإعادة العزف على المكونات الثقافية والعاطفية الراسخة لدى الضمير الجمعي المصري. تدرك الجماعة أن المشاعر القومية والدينية المتضامنة مع فلسطين تشكل مساحة إجماع شعبية عابرة للاستقطاب الحزبي؛ لذا يسارع الخطاب إلى استثمار حالة الغضب الشعبي مما يجري في غزة لإعادة تقديم الإخوان كحارس تاريخي ومدافع صلبي عن القضايا المركزية للأمة. يهدف هذا التكتيك الرمزي إلى كسر حالة العزلة المجتمعية والتسلل مجددا إلى الوجدان الشعبي من بوابة التعاطف مع المأساة الفلسطينية.
في المحصلة، يشكل تقاطع المأزق الاقتصادي الداخلي مع التعقيدات الإقليمية بيئة مثالية تراهن عليها الجماعة لتعويض انحسارها التنظيمي والسياسي. يعتمد الخطاب على معادلة مرادفة مفادها أن الاستبداد الداخلي يؤدي حتما إلى الضعف الخارجي، وأن الخروج من هذا المأزق الشامل يستوجب مراجعة التوجهات السياسية برمتها. إلا أن هذا الاستثمار الاستراتيجي للأزمات الراهنة يظل محكوما بحدوده النفعية؛ حيث ينظر إليه المحللون كآلية ل "إدارة الانتظار" واستغلال أخطاء الخصم، دون أن يترتب عليه تقديم بدائل واضحة أو برنامج عملي متكامل يقنع الشارع بقدرة الجماعة على إدارة مثل هذه الأزمات المركبة.

الانقسام الداخلي (أزمة القيادة)
يحمل توقيع البيان باسم الدكتور محمود حسين وصفة "القائم بأعمال المرشد العام" حمولة تنظيمية وسياسية ثقيلة تتجاوز مجرد الإخراج البروتوكولي للنص؛ إذ يشكل هذا التحديد المباشر للهوية القيادية رأس الحربة في معركة إثبات الشرعية وإحكام السيطرة على المؤسسات التنفيذية والرمزية للجماعة. يحاول البيان عبر هذه الصفة تأكيد انسيابية الهيكل القيادي وتواصله التاريخي رغم غياب المرشد العام (محمد بديع) في السجن، وإرسال رسالة حاسمة للقواعد التنظيمية في الداخل والشتات مفادها أن مركز ثقل القرار السياسي والإداري يدار حصرا من قبل هذا المكتب، ملغيا أي ادعاءات بالتمثيل صيدت من أطراف أو جبهات منافسة.
يعكس هذا الاستماتة في إظهار وحدة القيادة عمق التصدعات والتشرذم البنيوي الذي يعاني منه التنظيم منذ سنوات؛ حيث انقسمت الجماعة إلى محاور وجبهات تتنازع على الشرعية وإدارة الموارد المالية والإعلامية. تتجلى هذه الأزمة في الصراع المحموم بين "جبهة إسطنبول" بقيادة محمود حسين التي تعتمد على شرعية التدرج التنظيمي والشرعية التاريخية، و**"جبهة لندن"** التي قادها سابقا إبراهيم منير وخلفاءه مراهنين على القرب من الدوائر الغربية والإحاطة بالإدارات التنفيذية، وصولا إلى "جبهة التيار الحر/الشباب" التي تتهم القيادات العجوزة بالتسبب في الكارثة السياسية وتطالب بهيكلة جذرية وضخ دماء جديدة وتجاوز الآليات التنظيمية التقليدية.
تمثل الذكرى السنوية لفض اعتصام رابعة والنهضة منصة رمزية عالية القيمة التنافسية؛ لذا يسعى كل طرف تنظيمي إلى احتكار صياغة الخطاب الرسمي الخاص بها. يأتي صدور البيان عن جبهة إسطنبول في هذا التوقيت تحديدا لقطع الطريق على الجبهات المنافسة ومصادرة الحق في التحدث باسم المظلومية الجماعية للإخوان. إن الاستحواذ على الخطاب في مثل هذه المناسبات المفصلية لا يعد مجرد نشاط إعلامي، بل هو أداة لاختبار مدى استجابة القواعد، ووسيلة لإعادة إخضاع الكوادر المترددة عبر العزف على نغمة "الالتزام التنظيمي" وطاعة القيادة الرسمية المعترف بها.
في النهاية، تكشف هذه المنازعات الداخلية المحتدمة حول مسألة "من يمثل الإخوان؟" عن حالة من الشلل التنظيمي والفكري تعوق الجماعة عن إنتاج أي مشروع سياسي متكامل للخروج من أزمتها الراهنة. إن استهلاك الطاقة التنظيمية في معارك الشرعية والسيطرة على المنصات والبيانات يكرس حالة العجز البنيوي، ويجعل من الخطاب الصادر عن الجماعة مجرد صدى لصراعات أجنحتها الداخلية بدلا من أن يكون رؤية استراتيجية موجهة للمجتمع والدولة. يضع هذا الانسداد القيادي الشارع والقوى السياسية أمام جماعة تعجز عن إدارة بيتها الداخلي، مما يضعف قدرتها على تقديم نفسها كفاعل سياسي قابل للتفاوض أو الاندماج في المستقبل.
في المحصلة الختامية، يكشف تحليل هذا البيان أن جماعة الإخوان المسلمين – في نسختها القيادية الراهنة – ما زالت تراهن على "استراتيجية الانتظار" واستثمار أخطاء الخصوم وأزماتهم، بدلا من امتلاك الشجاعة الفكرية والسياسية لطرح مشروع جديد يتجاوز مآزق الماضي. إن الاعتماد المفرط على المظلومية التاريخية، وإعادة تدوير شعارات السلمية دون مراجعات حقيقية للخطاب التحريضي، والهروب من النقد الذاتي الهيكلي إلى خانة "المؤامرة"، بجانب استهلاك الطاقة في معارك الشرعية التنظيمية الداخلية، كلها مؤشرات تؤكد أن الحركة تعاني من حالة انسداد بنيوي حاد. إن العجز عن تقديم بديل واقعي يقنع الشارع المصري ويستجيب لتحديات المستقبل يجعل من هذه البيانات مجرد طقوس تعبوية لإدارة الأزمة وحفظ ما تبقى من هيكل التنظيم، دون أن تشكل مدخلا حقيقيا للخروج من حالة التهميش السياسي أو التأثير الناجز في معادلة الحكم والاستقرار.

نص الوثيقة

نص الوثيقة
الإخوان المسلمون في ذكرى رابعة: جرائم الانقلاب لم تصنع له شرعية ولم تكسبه شعبية 
الخميس 13 أغسطس 2026 06:30 م
ثلاثة عشر عامًا مرت على تلك الكارثة التي حلّت بمصر، عندما أقدم الانقلاب على إعمال آلة القتل المباشر التي استهدفت المصريين المسالمين في ميدان رابعة والنهضة وكل ميادين مصر، وما زالت تلك الذكرى حاضرة في وجدان الشعب المصري الذي آلمه إراقة الدماء واتساع دائرة الانقسام، سائلين الله أن يرحمهم جميعًا وأن يربط على قلوب ذويهم.
لقد احتشد المصريون بكل أطيافهم في ميادين مصر يطالبون بحياة كريمة، وينادون بحقهم في اختيار حكامهم وامتلاك إرادتهم، بين يدي تجربة ديمقراطية وليدة تمخضت عن انتخاب أول رئيس مدني والاستفتاء على دستور حظي بقبول شعبي واسع، فأيقظت في قلوبهم الأمل في غدٍ واعد ومستقبل راشد، إلا أن يد الغدر باغتتهم لتبطش بآمالهم وتهدر تطلعاتهم وتخلف مشهدًا يندى له الجبين، ويسجله التاريخ في صحائف سود.
إن هذه الجرائم التي ارتكبها الانقلاب في هذا اليوم وما تلاه من أيام، بل وما زال يرتكبها حتى يومنا هذا، لن تسقط بالتقادم، ولن يغفرها التاريخ، ولن تضيع هدرًا، وستظل لعنة على مرتكبيها في الدنيا والآخرة، ولن يتغاضى عنها الشعب المصري الذي ما زال حتى يومنا هذا يقدم المزيد من التضحيات والمعاناة من اعتقالات عشوائية وانهيار اقتصادي غير مسبوق وتردٍّ أخلاقي وفشل سياسي وأمني وتسليم لكامل مقدرات الوطن وانبطاح أمام رغبات العدو الصهيوني الذي بات على مرمى حجر من حدودنا المصونة.
إن هذه الجرائم التي ارتكبها وما زال يرتكبها الانقلاب بآلة أمنية إجرامية لم تصنع له شرعية، ولم ولن تكسبه شعبية، ولم تحدث استقرارًا في البلاد، ولم ينصلح بها حال العباد، بل تتزايد المآسي كل يوم، وتتعاظم الخطوب كل ساعة، فالظلم مؤذن بخراب العمران، والبطش قرين البؤس والدمار.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا يستقر حالها بالإقصاء، وأن العدالة وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان هي الأساس المتين لاستقرار الأوطان، وهو ما جاءت به ثورة يناير المباركة التي استبشر بها الشعب، وخطى معها خطوات نحو التنمية والبناء.
إن جماعة الإخوان المسلمين، وهي تطالع المشهد المصري من الظلم والقهر والانهيار على كافة الأصعدة، لتؤكد أن الطريق الوحيد للخلاص من هذه الحقبة القاتمة من تاريخ مصر لن يتحقق سوى باحترام الحقوق والحريات لجميع المواطنين على كافة انتماءاتهم ومختلف توجهاتهم، وصون الكرامة الإنسانية، وترسيخ استقلال القضاء، وسيادة القانون، وإطلاق مسارات وطنية تُعلي المصلحة العامة وتفتح آفاقًا لمستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.
كما تؤكد جماعة الإخوان المسلمين على موقفها الثابت الذي أعلنه فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع من فوق منصة رابعة، من التمسك بالعمل العام السلمي، ورفضها للعنف، وإيمانها بأن الإصلاح لا يكون إلا عبر الوسائل السلمية، واحترام إرادة الشعوب، والتعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة في إطار دولة القانون والمؤسسات.
إننا نؤكد أن التجارب الكبرى تستوجب من جميع القوى والتيارات السياسية عملية تقييم مسؤولة لكل التجارب التي مرت بها، وإننا نؤمن بأن أي حركة سياسية أو مجتمعية لا تتوقف عن تقييم أدائها، والاستفادة من دروس الماضي، وتطوير مؤسساتها وخطابها بما يمكنها من أداء رسالتها بصورة أفضل، وبما يحقق مصالح الأوطان ويستجيب لتحديات الحاضر.
وفي هذه المناسبة نتوجه إلى أبناء جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها بكلمة تقدير ووفاء لما تحملوه خلال هذه السنوات من ابتلاءات وتحديات، وهم ثابتون على مبادئهم غير مبدلين ولا مغيرين، لم يتخلوا، رغم ما لاقوه ويلاقونه، عن واجب الدعوة إلى الله وخدمة مجتمعاتهم، والعمل لصالح وطنهم وأمتهم.
كما نتوجه بكلمة إلى الشعب المصري الذي عانى وما زال يعاني من جراء الظلم والبطش والقهر، لنؤكد أن النصر مع الصبر، وأن الفرج قريب، وأن الأيام دول، ولن يغلب عسر يسرين، ولن يطول ليل الغدر، وسيزول الألم، وسيعود الأمل في مستقبل مشرق تنال فيه مصر مكانتها التي تليق بها وبشعبها الأبي، «فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون»، «والله معكم ولن يتركم أعمالكم».
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون"
 الخميس 29 صفر 1448 هـ - 13 أغسطس 2026 م

خطاب الإخوان: توازنات المظلومية ومأزق الشرعية القيادية

شارك