ثنائية الأحياء والأموات: استراتيجيات المفاصلة والعزل الشعوري في الخطاب الجهادي

السبت 15/أغسطس/2026 - 07:18 م
طباعة ثنائية الأحياء والأموات: حسام الحداد
 
تمثل الافتتاحية المعنونة ب "جلاء القلوب" في العدد (560) من صحيفة "النبأ" والصادر يوم الخميس 13 أغسطس 2026، مادة غنية لتطبيق منهج تحليل الخطاب كونها تكشف عن الكيفية التي تطوع بها الجماعات السلفية الجهادية النصوص التزكوية والرقائق لخدمة غايات أيديولوجية وتنظيمية مضمرة.
ويشكل الخطاب الإعلامي للتنظيمات السلفية الجهادية أحد أهم أدوات الإخضاع النفسي والفكري التي تراهن عليها هذه الجماعات لضمان تماسك بنيتها الداخلية واستمرار ولائياتها الصلبة؛ إذ يتجاوز الإعلام التنظيمي وظيفته الإخبارية أو التعبوية المباشرة ليمارس هندسة سلوكية متكاملة تعتمد على إعادة إنتاج المفهوم الديني التراثي وتكييفه ليخدم أهداف الاستمرارية والتجنيد المغلق. وتكشف القراءة التفكيكية للمواد الفكرية الصادرة عن صحيفة "النبأ" -اللسان الناطق باسم تنظيم "الدولة الإسلامية"- عن قدرة فائقة في التخفي خلف المقولات الشرعية المجمع عليها، حيث يغدو النص الوعظي الرقائقي وسيلة إستراتيجية لتصريف الأزمات الميدانية وحماية التنظيم من التفكك الذاتي تحت وطأة الضغوط والانتكاسات المتتالية.
وفي هذا السياق، تأتي افتتاحية "جلاء القلوب" كنموذج تطبيقي جلي لأسلوب "تسييس الرقائق" وتطويع الخطاب الأخلاقي؛ إذ يتعمد النص الانطلاق من مساحات تعبدية وجدانية لا خلاف عليها -مثل أهمية الذكر والاستغفار وتزكية السريرة- ليصوغ من خلالها منظومة متكاملة من التوجيهات السلوكية والتنظيمية الضمنية. ولا تكمن خطورة هذا الطرح في الأفكار التزكوية المنقولة عن متون التراث الإسلامي، بل في كيفية توظيفها لبناء تصورات حادة حول الذات والمجتمع، وإعادة ترتيب أولويات الفرد بما يضمن انقياده التام للمنظومة التنظيمية. ومن هنا، تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك الآليات الحجاجية والأساليب التداولية التي اعتمدها الخطاب لتحويل مفهوم "تزكية النفس" التقليدي إلى أداة للهيمنة المعرفية والتوجيه التنظيمي المغلق.
ثنائية الأحياء والأموات:
السياق التداولي والهدف الوظيفي
 يندرج هذا النص ضمن بيئة اتصالية مغلقة ومحكومة بمرجعيات أيديولوجية صارمة، حيث يوجه التنظيم رسالته بالتحديد إلى القواعد الداخلية المتمثلة في "الأنصار والجنود". لا يهدف الخطاب في هذه المساحة إلى استقطاب عناصر جديدة أو مخاطبة الرأي العام الخارجي، بل يركز على صيانة "الجبهة الداخلية" وضمان التماسك الفكري والأخلاقي لأفراد التنظيم. هذا التحديد الدقيق للجمهور يجعل اللغة المستخدمة محملة بدلالات شفرية ومفاهيم مستقرة بين أبناء هذه البيئة التنظيمية، مما يمنح المادة قدرة أعلى على النفاذ وال تأثير النفسي المباشر.
يتلفع النص في ظاهره بعباءة الرقائق والوعظ التقليدي، مركزا على أدبيات "الذكر، والاستغفار، وتزكية النفس"، وهي موضوعات تعبدية تحظى بقبول وإجماع عام. إلا أن هذا التوظيف للرقائق ليس مجرد توجيه إيماني مجرد، بل هو مناورة تداولية واعية تغلف الغايات السياسية والتنظيمية بالقالب الشرعي. فالحديث عن "القلب" و"الران" و"الغفلة" يستخدم كغطاء لتمرير الرسائل التوجيهية وتطبيق نظام صارم ل "الضبط السلوكي والنفسي"، مما يضمن إعادة إخضاع الفرد لمنظومة الجماعة تحت شعار إصلاح السريرة والتقرب إلى الله.
تظهر الوظيفة الحقيقية للخطاب في كيفية التعاطي مع إكراهات الواقع، لا سيما أثناء حالات الإجهاد النفسي والتراجع الميداني أو الضغوط العسكرية. يعمل الخطاب على إسقاط أسباب الأزمات الشاخصة وتجريدها من سياقها المادي والتنظيمي المباشر -كالخلل التكتيكي أو ضعف الإدارة- وتحويلها بالكامل إلى سياق إيماني فردي. وبموجب هذه الاستراتيجية، يتم إقناع الفرد بأن أي انتكاسة ميدانية أو ضيق نفسي ليس سوى أثر مباشر ل "تقصيره الذاتي وغفلته عن الذكر"، مما يرفع الحرج والمسؤولية عن القيادة التنظيمية ويحصر الحل في مزيد من الامتثال والتعبد الفردي.

البنية الحجاجية والتصنيف الثنائي 
يتأسس المعمار الحجاجي للنص على استراتيجية المفاصلة الثنائية الحادة (Binary Opposition)، وهي من أبرز التقنيات الراديكالية المستخدمة لرسم حدود فاصلة وغير قابلة للمساومة بين فئتين. يصنف النص العالم بأسلوب مانوي مانع؛ حيث تقف "الأنا التنظيمية" ممثلة في "المؤمنين الأحياء" وأهل الذكر الذين يرتبطون ب "الصحبة الصالحة" ومحيط الجماعة، في مقابل "الآخر/المحيط" الموصوف ب "الجهال الأموات". هذا الاستقطاب لا يكتفي بفصل المفاهيم فكريا، بل يمنح الفئة الأولى صفة الصلاح المطلق والحياة الإيمانية، بينما يخلع على الفئة الثانية صفة الفساد الشامل والموت الروحي.
يمتد هذا التشطير المعرفي ليشمل المجتمع العريض والعالم المعاصر بأكمله؛ إذ يصور الخطاب الحياة الحديثة بجميع مظاهرها، وبخاصة التكنولوجيا و"الوسائط الحديثة" والانشغال بالماديات، كبيئة ملوثة ومصدر أساسي ل "قسوة القلوب" وتراكم "الران". ومن خلال هذا الطرح، يعاد تعريف المجتمع الخارجي لا كفضاء للتفاعل أو الدعوة، بل كخطر داهم يهدد السلامة الروحية للفرد. تستخدم هذه الشيطنة لتأكيد أن كل سلوك أو معرفة تأتي من خارج النطاق المغلق للتنظيم هي بالضرورة أدوات مساهمة في إماتة القلب وإبعاده عن الحق.
يهدف هذا التقسيم الحاد إلى إحداث حالة عميقة من الاغتراب الشعوري والفكري لدى الفرد تجاه مجتمعه الأصلي ومحيطه الاجتماعي المباشر. فعندما يستقر في ذهن العنصر أن العالم الخارجي ليس سوى مستنقع يورث الذنوب والموت الروحي، يتولد لديه إحساس بالخوف والأنفة من التواصل مع هذا المحيط. يفضي هذا الشحن النفسي مباشرة إلى فرض "الانكفاء الذاتي" داخل البيئة التنظيمية المغلقة؛ حيث تقدم الجماعة نفسها بوصفها الملاذ الوحيد الآمن وطوق النجاة الفريد لحماية الدين والقلب من التلوث، مما يحكم السيطرة على الفرد ويقطع خطوط العودة لديه.

التناص والتأصيل المرجعي 
يعتمد النص في بنائه المعرفي على تقنية التناص (Intertextuality) بكثافة عالية، حيث يقدم شبكة محكمة من النصوص الدينية والتراثية لتشكل العصب الأساسي للافتتاحية. لا يقف هذا الاستدعاء عند حدود الاستشهاد الشكلي، بل يدمج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إلى جانب اقتباسات مطولة من متون التراث السلفي -وعلى رأسها كلام ابن قيم الجوزية في كتابه الوابل الصيب- داخل السياق التحليلي للنص. يهدف هذا الدمج إلى خلق حالة من التماهي التام بين أفكار المقال ذات الغايات التنظيمية وبين النصوص المرجعية التراثية، مما يجعل الأفكار المطروحة تبدو كأنها امتداد طبيعي وأصيل للنسق الفقهي والتزكوي المستقر في الوجدان الإسلامي.
تعد تغطية المفاهيم الأيديولوجية بالغلاف التراثي المقبول الوظيفة الأولى والمباشرة لهذه التقنية؛ إذ يسعى التنظيم من خلالها إلى إسباغ صبغة من الشرعية التاريخية والفقهية المطلقة على طرحه الخاص. إن استخدام أدبيات التزكية المقبولة عموما، والمتفق على قدرها بين مختلف التيارات الإسلامية، يمنح النص خط دفاع أولي ضد أي نقد فكري. وبدلا من تقديم مفاهيم الجماعة كأجندة تنظيمية مجردة، يعاد إنتاجها وتغليفها بشرعنة تراثية تسهم في تحييد الشكوك وتسهل عملية تقبل الرسالة وسريانها لدى القارئ دون مقاومة معرفية تذكر.
تتمثل الوظيفة الثانية والأعمق للتناص في فرض سلطة معرفية قاهرة تعتمد على الاستشهاد بالقدسي والمأثور لتحصين المنظومة التنظيمية. فعندما تربط رؤية التنظيم وتحليلاته بآيات واضحة وأحاديث قدسية وأقوال لأعلام التراث، يتم نقل الطرح من مساحة "الرأي البشري القابل للنقاش والتحليل" إلى مساحة "المقدس المستقر". يؤدي هذا الدمج المتعمد إلى مطابقة الضمني بالصريح؛ فيغدو أي اعتراض على تحليلات التنظيم أو توجيهاته وكأنه اعتراض مباشر على المرجعية الدينية نفسها، مما يكرس الهيمنة المعرفية للتنظيم ويصادر حق الفرد في النقد أو التفكير المستقل.
يختتم الخطاب مساره التحليلي بتقديم حلول سلوكية تنظيمية تصاغ في قالب تعبدي؛ حيث ينتقل من تشخيص المشكلة (الغفلة والقسوة) إلى فرض الروشتة العلاجية: "مجاهدة النفس"، و"الالتزام بالأوراد"، و"التمسك بالصحبة الصالحة". تترجم هذه التوجيهات عمليا إلى قطع الروابط الاجتماعية الخارجية وتعميق التلقي الحصري من أدبيات التنظيم.
إن تطبيق منهج تحليل الخطاب على هذه الافتتاحية يكشف كيف يعاد إنتاج المفهوم التزكوي ليتحول من مساحته التعبدية المجردة إلى أداة للهيمنة الرمزية وضبط الولاء التنظيمي.

تسييس الرقائق واستراتيجيات العزل الشعوري في الخطاب الجهادي

شارك